حسين سرمك حسن : الروائية السعودية “ليلى الجهني” في روايتها “جاهلية”: جاهلية القرن العشرين الحديثة العاتية (2)

# الحب .. جريمة :
———————–
وفي مجتمع متديّن ، يؤدي الفرائض في أوقاتها، ويرفع نداء الشهادة، ويعلن أن الناس سواسية كأسنان المشط ، ارتكبت لين جريمتها الكبرى التي يجب أن تُعاقب عليها. فقد أحبت شابا لا ينبغي أن تحبه، لا لأنه شرير أو مشبوه أو قاتل، ولكن بسبب لون بشرته، فهو أسود .. زنجي .. ولاحظ أننا العرب نصف الاشقاء السودانيين بوصف “العبيد” وهم أكثر الناس رقة وطيبة وكرامة !!. وحبيب “لين” الملون هذا هو “مالك” الذي تتوفر فيه كل السمات الإنسانية الحق من شهامة وصدق وحرص واحترام ذات وإخلاص في العمل بصورة جعلت لين تتيم به. وفوق ذاك فقد كان وسيما وسامة حزينة، خصوصا تلك الندبة التي في ذقنه، والتي برعت الكاتبة في وصف إيحاءاتها النفسية ، حتى أن لين، وهي تحيا رعب احتمال موت مالك السادر في غيبوبته، تودّ، في نكوص نفسي فرضه القهر، أن تلتم جنينا وتنام فيها. تتساءل لين مكلومة :
(هل أخطأتْ عندما أحبت رجلا أسود؟ هل ارتكبت ذنبا في حق الله أو الناس؟ لقد أحبت إنسانا ، أحبّت قلبا من ذهب، ولم تنظر إلى اللون، لكن أخاها لم ينظر إلّا إلى اللون ، فعاقبها . قال لها ابوها :
–    إن الناس لن تنظر إلّا إلى لونه وسيعاقبونك. وأنا لا أريد لك أن تتعذبي .
لم يدر ِأبوها أنّ أخاها سيكون أولّ من يعاقبها. هي أيضا لم تدر ِ- ص 51).
.. ولكن خلاف ما كانا يتوقعانه – الأب والإبنة – فإن الحذر النفسي يؤتى من مكمنه. فهاشم هو الأنموذج المؤهل تماما لتحقيق مثل هذا العقاب المدمّر، والذي سيميت مالك الذي يسمّيه “الحيوان”، مجرّداً إيّاه من ابسط الشروط الإنسانية، ومنحطا به إلى الدرك الأسفل. لقد استعان هاشم بصديقه “أيمن” في تنفيذ عملية الاعتداء على مالك المسالم ، فكسروا أضلاعه وساقه اليمنى وأدخلوه في غيبوبة مميتة، كأن حباً من هذا النوع، بين امرأة “أصلية”، وإنسان هامشي دخيل، جريمة كبرى لا تُغتفر ، فكيف إذا كان هذا الإنسان الهامشي أسود .. وتنبعث من جسمه رائحة كريهة كما تشير “الصورة النمطية – stereotypy ” التي يحملها المواطنون الأصليون عن الزنوج. لقد علّمت هذه التجربة “لين” أمورا سلبية مضافة، أولها إن من العبث أن تحاول تغيير الحياة .. عليها النجاة بما آمنت به .. ولكن ها هي النجاة تقودها إلى حتفها : (ستكشف علاقتها بمالك وعورة الحياة تحت سماء بلادها، وستمزق النسيج الحريري الزاهي الذي تلتفع به تلك الحياة الآسنة، ولن يغفر لها أحد. وقد أدركت منذ غادرت مالكا ان عليها – إن مضت في طريق الحب الوعر – أن تدفع الثمن مرتين: مرة لأنها هتكت الستر، ومرة لأنها امرأة – ص 66) .
ولعل أسوأ الدروس التي استقتها لين من هذه التجربة المرّة هو أن لا تتصرف كما تقكر .. أن تنافق .. وأول جهة تمارس عملية النفاق الكريهة عليها هي ذاتها .. علّموها أن تضمر خلاف ما تعلن .. وأن تناقض مشاعرها سلوكها .. وأن تتحدث بطريقة وتتصرف بطريقة مغايرة .. وهكذا تتأسس “ازدواجية الشخصية الإسلامية” – والوصف مستقى من مصطلح العلامة العراقي الراحل علي الوردي – منذ مرحلة مبكرة من طفولتنا :
(كان لديها إيمان بذاك المبدأ الأحمق الذي يقول أن على المرء أن يعيش وفق ما يفكر ؟ اصطدمت بكثيرين من حولها بسبب هذا المبدأ الذي ينم عن سذاجة، ويناقض أسلوب الحياة السائد في بلادها . بلادها التي يقول الناس فيها ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يقولون . بلادها التي تتآكل الحيوات فيها لطول ما تدور حول نفسها تحت مستنقع آسن، بلادها التي تترامى مثل سطح غير مصقول من الفضة: خشن بارد مصمت، يحتاج إلى جهنم صغرى كي تصهره وتطهّره وتعيد تشكيله من جديد ؛ لكن الله لم يبعث عقابه بعد – ص 109 ) .
ولعل هذه واحدة من الرسائل الخطيرة التي تحملها هذه الرواية، وتتمثل في أن هذه الازدواجية “نصّية” من ناحية ، وسلوكية غائرة من ناحية ثانية مكملة. وهي ظاهرة شديدة الحساسية والتعقيد ، وتتمثل في تناقضات التاريخ العربي الإسلامي المتأصلة في بنيته .. بنية لا تصلح معها محاولات الترقيع والتزويق .. هذا التناقض حاولت ليلى – بانتباهة حادة وموفقة – تجسيده من خلال شواهد تراثية شديدة التعبير والدلالة ممثلة – مثلا – في حادثة زواج الحجاج من “أم كلثوم” ابنة عبد الله بن جعفر، وغضب الوليد بن عبد الملك على أبيها لأنه زوج عقيلة نساء العرب من عبد ثقيف يتفخّذها. وواقعة مواقعة حام لامرأته في السفينة، ودعاء أبيه نوح أن يشوه خلقته ويكون أولاده عبيدا .. وواقعة صمود بلال والصخرة العظيمة توضع على صدره في البطحاء العظيمة وهو يهتف : أحد .. أحد .. وأخيرا واقعة ذبح يحيى النساء والأطفال واستباحة النساء من قبل الزنج من عسكره ، وعفوه عن امرأة واحدة أثارت غيرته “اللونية” والعرقية التي لم تثرها مباديء الله وتعاليمه .. إلخ (راجع الصفحات من 149 إلى 171) .
  # محنة صك الغفران :
———————-
.. ولكن شرخا حصل في العلاقة الحبية الملتهبة بين لين ومالك ، فسّرته الأولى تفسيرا موغلا في السخط ، وحمّلته أكثر مما يحتمل على الرغم من أنها محقة في بعض الأوجه . لقد تنامت الصلة العشقية بينهما إلى حدود الإنسحار، وتكللت بتقدم مالك، واثقا، إلى أبيها لخطبتها.. لكنه فاجأها بخبر صادم هو أنه لا يملك “صك غفران” .. وصك الغفران هي موافقة وزارة الداخلية على أن تجعل منه مواطنا أصيلا يستطيع الزواج من حبيبته لين بصورة شرعية. لقد شعرت بالخذلان والمصادرة وهي محقة في ذلك .. ولكن ما الذي سيتغير في مقادير ومصير إنسان حكم عليه مرة واحدة وإلى الأبد بأن يبقى دونيا محكوما خلاصه الإنساني بورقة ومزاج وتعسّف .. منذ طفولته وهو يوصم بلقب : الأسود .. وهذا تلميذ معه في الدراسة يسأله عن كيف يشعر المرء عندما يكون زنجيا ؟.. وهذا أخوه “يوسف” يقطع شرايينه خيبة وإحباطا .. وهذا هو يسمع سخرية معلمه من ذكائه المتوقد بأنه بلا جدوى .. والأهم : هذا هو – وقد لاذ أبوه، مهاجرا ، بالحجر الأسود منذ خمسين عاما – لا يعرف كيف يثبت أنه “إنسان” رسميا على الرغم من أنه إنسان فعلا ؟
# قوة الأنوثة :
—————
.. إن الأمر الذي كان يؤرق هاشم في علاقته بأخته لين هو شعوره بأنها أقوى منه.. عقلا وبصيرة وإرادة. فمقابل نزقه واندفاعيته وانفلاتاته الغريزية ، تقف لين أنموذجا معاكسا تماما ، حيث الهدوء الآسر والترفع على الصغائر والتروي في ردود الأفعال. وهو في قرارة نفسه يعترف بذلك. فعندما ينظر إليها غاضبا لا تفعل شيئا غير أن تبتسم بهدوء ثم تعود لما كانت تفعله. وكان هدوءها يذبحه. حتى عندما يصرخ في وجهها لا تفعل شيئا غير أن تتركه دون أن تفكر في الردّ عليه. (وعندما وجدته يقتش في غرفتها ، ما الذي فعلته؟ هل ثارت؟ هل صرخت في وجهه؟ لا.. لا.. لا . لم تفعل شيئا غير ان استندت الى حافة الباب عاقدة يديها على صدرها تراقبه وهو يغادر غرفتها مرتبكا دون ان يحمل دليلا واحدا يبرّر به لأبيه ثورته عليها. لم يأخذ صورة او رسالة يرفعها في وجه ابيه قائلا: (شوف يا أبويا اش لقيت في غرفتها. شوف بعينك. ولا تردني عنها . بنتك راح تفضحنا – ص 18).
الأنوثة ببساطة ومن الناحية النفسية هي “الإنسان ضمن الطبيعة”، أما الذكورة فهي “الإنسان ضد الطبيعة” ، وشتان بين المفهومين. فالأول يعني النماء والتصالح والمحبة والسلام، والثاني يعكس نوازع العدوان والتمزيق والتعطيل. ها هو هاشم على السطح يقوم باصطياد الحمام بـ “النبيلة” والحمامة الجريحة بجواره، وأين ؟ في المدينة المقدسة، فتخاطبه لين حزينة :
(المدينة حَرَم يا هاشم ،حرام تصيد حمامها – ص 20).
وفي قيادته للسيارة تمر به الخيالات المدمرة.. سيارة بسرعة 500 كلم في الساعة وتصدم واحدة ثانية .. بوووووووووووووم.. موت أكيد (ص19). إن هذه الالة التي تنطلق وتصدم وتخرق / والتي يريد اقتناء أحدث موديلاتها، ما هي الا بديل رمزي للذكورة المهددة .
كان شاغله الحارق والأساسي هو كيف يتفوق على أخته، وهي أكبر منه بسنوات. عاملة وقارئة كتب نهمة ومكتفية بعالمها ، في حين أنه عاطل متكاسل وبلا شهادة، ولم يُفلح في الأعمال التي وفّرها له أبوه المسكين. كانت خيالات “الصعود” الخرافية تقض مضجعه .. وهي خيالات تعويضية عن مشاعر “قلق الإنخصاء – castration anxiety” التي تلوب في لاشعوره . هذه المشاعر هي في الحقيقة المحرك الأول لسلوكه المضطرب، والذي يحاول التعويض عنه بلا جدوى. ولعل واحدة من سبل التعويض المفرطة هذه هو تعدد علاقاته العاطفية بالفتيات وخفّتها .. هي عمليات تأكيد تخديرية لقوة “ذكورته” المهدّدة. لقد بدأت علاقته بـ “سحر” التي فضّ بكارتها ثم هجرها على الرغم من توسّلاتها. ولكن هذه العلاقة الأولى هي اختبار وتأكيد لعقدة انخصائه. فعندما استوت على المقعد بجواره لأول مرة بدأ يرتعش .. وخاف أن تخذله أمعاؤه .. ثم تحجج ليوقف السيارة وينطلق راكضا لقضاء حاجته. وهذا كان ديدنه مع جميع الفتيات والنسوة من متزوجات وغير متزوجات، ممن كان يعاشرهن مرة واحدة، ثم يتركهن الى الأبد بمجرد أن يُفرغ ماء ذكورته فيهن . هؤلاء أصحاب “الواحدة” في العلاقات العاطفية “معصوبون” لا يمكن أن يتحملوا تأسيس علاقة دائمة وثابتة مع شريك واحد، ولا تتوفر فيهم الكفاية الشخصية لبنائها. هم هاربون دائميون من موضوع الحب / الأنثى التي يخشونها حقيقة. جوّالون ما يناسبهم هو أنموذج “البغي” حيث العلاقة علاقة “عمل” عابرة وبلا مسؤوليات عاطفية. ومن الممكن القول أن تشوّه وضخامة الظل الأنثوي (الأنيما – anima حسب وصف كارل غوستاف يونغ) قي شخصياتهم والذي يُشتق من حضور الأم أساسا، هو واحد من عوامل نشأة إضطراب العلاقة بالجنس الآخر، خصوصا وأنه كان يخشى أقرانه من السود في الدراسة المتوسطة ، ممثلين بزميله “موسى” لاعتقاده أنهم “لواطيون” . كما أن عيون موسى حمر .. وعيون اللواطيين حمر ايضا !! وكان ، وهو طفل ، يرفض أن يلمسه أحد .. ولا يرضى أن يقبله أحد، وإن فعل أحدهم ذلك، كان يعمد إلى ثيابه أو ثياب أمه فيمسح مكان القبلة بحنق (ص 33).
ويترتب على قلق الإنخصاء أمر آخر لا يقل أهمية في سلوك الفرد المعني، ويتمثل في الخوف الماحق والمزمن من القوى الوجودية الخاصية الأخرى وفي مقدمتها وأشدها ترويعا : الموت ، الحي الذي لا يموت. لقد تكيّف هاشم مع عمله كبائع في متجر لبيع العطور والاكسسوارات، لكنه قرف منه لأنه كان يرى مواكب الجنائز آتية من باب جبريل باتجاه البقيع! ويسمع صلاة الميت مرتين أو ثلاثا في اليوم الواحد. إنه والموت لا يتجاوران ، فكيف يمكنه أن يحتمل أن يكون الموت غلى مرمى جدار منه ؟ (ص 31).
ولأن الصمت رفيق الموت وصنوه ونتيجته وغطاؤه ، فإنه – ومنذ مرحلة مبكرة من عمره – كان يخاف الصمت ويخشى السكون . لم يكن يطفيء جهاز التلفاز في غرفته ، بل يخفض صوته إلى الدرجة التي تجعله يشعر بأن ثم أحداً حوله، وأن الكون لم يخلُ بعد، ثم ينام (ص 33).
والسؤال المدوّي الذي سيدق في أذهاننا، هو كم من أمثال هاشم ، وبهذه البنية النفسية المعصوبة يمكن أن يحتلوا مواقع قيادية مسؤولة ؟ وما الذي سيفعله حين تُطرح أمامه قضية تخص المرأة كي يبت بها ؟ وما عي طبيعة الجيل الذي سينتجه حين يتزوّج ويصبح اباً ؟
# الشرف .. عقدة “ركوب” فرس البدوي :
——————————————-  
.. ولكن المحنة الأخطر تتمثل في عقدة أخرى ، وهو موقف الأم التي تعرف “لين” أنها ستناصره على ابنتها، وعلى ذاتها في الواقع، وخصوصا في هذا المجال الذي لا يرون للمرأة وجودا خارج دائرته، وهو موضوع الشرف (وحقيقة هو موضوع غشاء البكارة) وما ترتبط به من قيم عيب ومخاوف فضيحة :
(سوّي اللي تبغاه . دافع عن شرفك – ص 21)
وحماسة الإبن “الذكر” في التصدّي اللاهث لمراقبة أخته، ورصد نأمات سلوكها في علاقتها بالرجال الآخرين الذئاب، هو حرص يتلفع بأردية الدين والاعتبارات الاجتماعية ودعوات الشرف ، لكنه في الواقع شعور ” مُسقط – projected ” من ظلمات لاشعور هاشم على الآخرين . إنه هو الذي يحمل مشاعر ذئب غادر وخوّان ، يُسقطها على الآخرين،  فيراهم جميعا ذئابا يتهددون عرض أخته (طبعا لا يمكن نسيان دور كبت مشاعر المحارم في تأجيج هذا الموقف ولكن هذه مسألة شائكة ). إنه يدين حتى محبة أبيه لأخته، و (تفهمه) لتصرفاتها وإيمانه بنضج شخصيتها :
( إن أباه لم يعش ما عاشه ابنه، ولم يعرف ما عرفه. أبوه الطيّب مرّ شبابه بلا تجارب. ما الذي يعرفه أبوه عن النساء وعقولهن؟ كيف له أن يُدرك أنه لا يمكن الوثوق بعقل امرأة مهما بلغت، لأن كلمة واحدة يمكن أن تخدّر هذا العقل. تمسحه كأن لم يكن من قبل- 21).
وهذا صحيح .. فأبوه فقير التجارب الغرامية، وقد استقر على علاقة أسرية واحدة .. أما هو فقد غرق بالتجارب العاطفية (ذات المضمون الجنسي والمفرغة من الحب الحقيقي طبعا) .. وعرف أن المرأة لا يمكن الوثوق بها :
( ابتسم وهو يفكر في أن أباه لن يتخيل أبدا كم امرأة عرف! منذ أعوام وهو مشغول بهن لعنة الله عليهن. كيف كانت الحياة ستكون لو لم يخلقهن الله؟ وكيف أصبحت حياته الآن مشوشة لأنه خلقهن ؟ لو انه خلقهن دون أن يكون لهن علاقة بأحد.. لو أنه لم يجعلهن أمهات أو أخوات أو زوجات .. لو انه خلقهن للإستمتاع فقط :
يا سلاااااااااااااااااام
ما كان سيحرّك سيارته إلا من أجل واحدة منهن – ص 22).
لم يكن هاشم – المدافع عن الشرف العربي – يقكر في شيء يتعلق بعلاقة أخته بمالك أكثر من خوفه من أن يكون الأخير قد “ركبها” !! وبسبب ذلك عانت كل أشكال الاستصغار والتطاول من هذا الذكر الغر المعصوب .
وعلينا أن لا ننسى أن مما يزيد من عدم استقرار سلوكه ، ويهز ثقته بذاته هو أنه “ابن أمه” .. فهو الأصغر المفضّل الذي لم تكن أمه ترد له أي شيء . وهؤلاء “أبناء أمهاتهم” يكونون عادة مفسودين مدللين .. وهم من نمط “الرضّع الدائميين” حسب الوصف الدقيق لمعلم فيينا. ومن الظواهر النفسية العجيبة أن تجد المرأة المقهورة تقف مع ذكر آخر وهو يواصل سلسلة القهر ويمارسه ضد أنثى مثلها !! لا يمكن إبعاد عملية “التدريب” التاريخية التي تجعل العبد هو الذي يجلد رفيقه العبد بسوط الجلاد تنفيذا لأوامر الأخير الجائرة . إنه التماهي مع المعتدي – identification with the aggressor “. يرتفع صوت الام دائما لتبرر لـ “رجلها” هاشم افعاله السيئة وتصرفاته السلبية ضد ابنتها / أختها الأنثى في الاستلاب : (أتركيه يسوّي اللي يبغاه – ص 21).. من دون أن يرتفع صوتها يوما، ولو لمرة واحدة، لتقول له : (اتركها تسوي اللي تبغاه).
# التجديف المنذر :
——————–
.. ولقد أوصلها هذا القهر والإحباط إلى حافة التجديف .. يمكن لليأس والمحاصرة العاتية أن يجعل الإنسان يختل بعلاقته حتى مع الله .. فلو كان الله موجودا ما كان يسمح أن يحل على عبده مثل هذا القدر المخيف والمرعب من الإذلال والاستعباد من قبل “عبده” الآخر المتجبّر.. تلوب لين وقد حطم حياتها أخوها هاشم بتدميره لحبيبها مالك ، وتناجي الله بيأس عزوم :
(تطلّع إلي يا رب . أبتهل إليك يا إلهي نجّني مما أنا فيه .. أرح عني هذا الحمل الثقيل ، واحمني من الشرّ الذي يتربص بي : أن أكفر بعدلك . خذ بيدي يا إلهي – ص 54).
وفي موضع آخر .. وعندما يعجز عقلها عن الإمساك بأي مبرر عقلي ومنطقي لمأساتها الفاجعة في فصلها عن حبيبها ، لا تجد غير تفسير تجديفي واحد هو أن الله هو الذي يقف حائلا بينهما ..
وخلف المستتر من هذه الإيحاءات البليغة رسالة ترى أن على الجهات المرجعية العربية أن تسارع إلى الإدراك – قبل فوات الأوان – أن الشباب هناك سينفضون أيديهم – باطنا – حتى من الدين.. ومن الله الرسمي .. حتى لو كانوا يتوضأون أكثر من خمس مرات يوميا !!
# هذيان غوغل :
——————
وفي ظلمة غرفتها الخفيفة ، وأمام “هذيان غوغل” في الكمبيوتر عن الحرب والدمار والخراب المقبل .. ومع تفكيرها الجارح بوجه حبيبها مالك الضحية الغائبة عن الوعي ، تنسخ “لين” أسماء الأيام والشهور الجاهلية .. ثم تطبعها على ورقة تعلقها بالجدار ، وتجلس تتأملها تحت ضغط مشاعر ضارية بأن الحرب سوف تأكل كل شيء، خصوصا وأنها عاصرت حربين من قبل . وفي تصوير معبّر وبليغ، تجسّد الكاتبة الكيفية التي تمتد فيها الجاهلية المميتة والمغثية لآلاف السنين من الحياة البشرية .. كيف تعود الجاهلية لتتمظهر، ثانية، تحت أغطية جديدة، فتحاصرها وتعطب عقلها وتلقيها في هاوية الهذيان :
(للحظات رأت الأيام والأشهر وهي تخلع أقنعتها أمام عينيها، وتعود إلى وجوهها القديمة. رأت شيار يخلع سبته، وأول يخلع أحده ، وعاذلا يخلع شعبانه، ووعلا يخلع شواله. ولم تكن الوجوه القديمة قبيحة، بل مجعّدة لطول ما تعرّقت تحت أقنعة ليست لها. وظنّت، وهي ترى ذلك، أن كل شيء قد استقام أخيرا. لم تعد قادرة على أن تفكر في غير ذلك، ولم تعد قادرة على أن تسد أذنيها عن كل هذا الصخب الذي يملأ رأسها، ويقودها إلى العطب الذي فرّت منه طوال ما مضى – ص 179).
وإذا كان الشاب العربي في “أيام الجاهلية الأولى” قد تكيّف مع قيمها .. وساير تيارها الأسود، وشكّل سلوكه وفق معطياتها، فإن الشاب العربي اليوم، في أيام جاهلية القرن الحادي والعشرين المتحضرة قد فقد كل خياراته، وتصدّع عقله .. إن دوّامة المؤثرات العاصفة المتلاطمة حوله كالطوفان صارت تخترق وجوده وتمزق أواليات تفكيره بلا رحمة. هو لا يستطيع القبول بقيمها لأنها وحشية ولا إنسانية .. ولكنه، في المقابل، لا يمتلك أدنى فرصة لفرض قيمه الإنسانية أو إشادة عالم متوازن يعيش في ظلاله. هو عالم لا يستطيع بأدنى قوة على أن ينبس بأي شيء من موافقة أو رفض.. أي شيء يشوش كل شيء .. الوطنية تشوه القومية .. الدين يشوه الحياة .. المساواة تشوه التمييز .. الحب يشوه الحقد .. لم يكن الشاب العربي الجاهلي الأول يعاني من أي من هذه التناقضات المدوية .. كان “جاهليا” مباشرا و “صرفا” إذا ساغ الوصف .. أما الآن فهو ممزق .. لا هو بالجاهلي القديم الذي حذّر منه القرآن ، ولا هو بالجاهلي الحديث الذي تصوغه الحضارة الأميركية الخارقة .. إنه عبارة عن كرة تتقاذفها الإرادات القامعة .. عن عينين مسلوبتين لا وظيفة لهما سوى ملاحقة الأحداث الصاعقة التي تجري على المسرح أمامهما .. وفي كل الأحوال لا تستطيعان عمل أي شيء للتيارات اللونية التي تستلبهما وتدوخهما ، بأفكار وسلوكات هي أقرب إلى ما حصل لكلب بافلوف في “عصابه التجريبي – experimental neurosis “، الذي هو اضطراب دائم في السلوك, يبدو لدى حيوان خاضع لشروط سيكولوجية تتجاوز القدرات الطبيعية لقابلية التكّيف لدى جملته العصبية. يقتضى من كلب, في تجربة من تجارب (كريستوفينكوفا) رواها ” بافلوف” أن يمّيز دائرة مضيئة, تسقط على شاشة مدة ثلاثين ثانية, إسقاطاً بوصفه أشارة لتقديم الطعام, من قطع ناقص له السطح نفسه والأضاءة عينها, قطع لم تكن تليه أي مكافأة ويقترب الشكل الأهليلجي خلال عمل مدته عدة أسابيع, أقتراباً تدريجياً من الدائرة. وعندما تبلغ العلاقة بين المحاور 9/8, لم يعد الكلب قادراً على أن يقيم التمييز بين الشكلين, ويتغير سلوكه تغيراً مفاجئاً , يشرع في الأنين والصياح, ويفرز اللعاب يغزارة عندما تعرض عليه الدائرة والقطع الناقص على حدّ سواء, ولم يعد الأستمرار في العمل ممكناً معه. ويُبدي في بعض الحالات نعاساً مزمناً ولم يعد يتناول طعاماً, ويصبح في حالات أخرى عدوانياً. ويقول (و. هـ, غانت) الذي لاحظ كلباً عصابياً خلال عدة سنين إنه كان يبدو فريسة القلق والرهابات, ويعاني من مجموعة من الأضطرابات النفسية والجسمية: تسارع الأيقاع القلبي , الخفقان, والتنفس الربوي, القرحة المعدية, سلسل البول, القذف المبكر للمني.. إلخ .كان (هـ.س. ليدي) ومعاونوه قد أوجدوا عصاباً تجريبياً لدى خروف ولدى فأر. وبيّن عالم النفس الأمريكي (ب.كالهون) في الستينات من هذا القرن, أن تكاثر العدد لدى الفئران ونزاعات الأجيال يولدان اعصبة تجريبية تظهر بـ (انهيار السلوك وعنف فعال, وفقدان التنظيم الأجتماعي, ورفض التزاوج, وذلك أفضى بعد خمس سنوات من التجربة الى زوال مستعمرة الفئران التي أسّسها, وتثير دراسة الأعصبة التجريبية, الخاضعة هي أيضاً , لشروط تولّد القلق, لصدمات وجدانية، لنزاعات داخل النفس, لتوترات مستمرة).
# الكثافة الزمنية :
———————
لقد صممت الروائية لروايتها مساحة زمنية تمتد سنة كاملة لكنها مكثّفة سردياً، وتبدأ من (مؤنس الخامس عشر من وَعِل من العام الثاني عشر بعد عاصفة الصحراء) أي عام احتلال بغداد المحروسة بجهد الشيطان اللعين الأميركي وبمباركة الأعراب ، وتنتهي بـ (شيار – السبت – التاسع عشر من المؤتمر من عام حرب الصدمة والترويع). وهي سنة الاستعداد لاحتلال العراق وتدميره.. سنة كان فيها الضمير الإنساني العالمي في غيبوبة عميقة يبارك العدوان ويتفرج ولا يشعر بالإثم من الجريمة التي لطخت فيها دماء الضحية يديه كدليل على فساد وحقارة ودناءة مقوماته. وهي نفس سنة غيبوبة مالك الضحية العميقة الذي تلطخت يد هاشم بدمائه دليلا على فساد وحقارة ونفاق المجتمع الذي يعيشون فيه .. وبين نفاق ووحشية الداخل والخارج .. وفي انتظار غودو اللافرج من غيبوبة مالك الحبيب الفرد والعراق الضحية الوطن، وانفتاح خرابهما على اللانهاية المرعبة، لم يبق للين من منفذ سوى أن تئد كل أحلامها الوردية المشروعة وترفع راية التسليم البيضاء أمام زحف جحافل جاهلية القرن العشرين الحديثة السوداء ..
# وهذا خلاص لين : استبدال الهذيان بالعقل : الجنون حلّا :
——————————————————-
.. محنة “لين” الآن هي في تشوّش الشعور بإنسانيتها .. إنسانيتها المستلبة الممسوخة .. مستلبة وممسوخة لأسباب لا تعرفها .. ولو عرفتها لهان الأمر ، فمعرفة دوافع الانمساخ قد تهوّن من طعنته ، لكن تغييبه مرعب .. يدمر وجود الإنسان مثلما استيقظ بطل مسخ كافكا ليجد ذاته حشرة حقيرة ومخيفة .. لا تعرف لين ما الذي تفعله لتتعامل مع هذه التناقضات التي تحاصرها من كل جانب . هل يعقل أن بلاد الرسالة والنبوة العظيمة الداعية إلى العدل والأخوة والمساواة والتي لم تجعل فرقا بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى .. تمارس التمييز على اللون – لون حبيبها المسكين – وهم يحيون بجوار بيت الله الذي أنزل تلك المبادىء المتسامحة ؟ .. هم يقولون أن الله لا يميز .. ويميزون .. وأن الله عطوف وهم قساة ..وأنه عادل وهم يفرقون .. وجميل وهم قبيحون .. إلخ .. تعبت لين كأنموذج للشباب العرب المضيّع، ولم يعد امامها من حل غير أن تنهزم وتتراجع وتتحطم .. هي سمعت بالمقولة المتفائلة التي تعلن أن الانسان قد يُهزم، ولكنه لا يتحطم .. ولكنها تمسك عمليا بالنتيجة الوحيدة القاهرة، وهي أن الإنسان في ظل مجتمع الجاهلية الحديث بهزم قبل أن يتحطم .. وهي الأنموذج الأمثل لهذه الحالة / الظاهرة .. إنها تتهاوى بطريقة تقطع القلب أسى وتعاطفا .. قد تكون هي ليلى الجهني نفسها.. ليلى الجهني المقاومة الغيور التي رسمت لذاتها طريق التصدع والموت العقلي، على أن تسلم وتنهزم، لتوغل في تدمير ضمائرنا النائمة .. وتحريك إراداتنا المهزومة الجبانة .. هي ترسم – وبدقة عنيفة – صورة مستقبلنا الكالحة كعبيد أراذل وأيتام استفرد بهم اللئام كما قال محمد .. أو أن نلجأ إلى طريق الخلاص بعد أن لم يفلح طريق الحب .. حبها لمالك ، بلا تحيزات لون وصكوك غفران .. غير الحب لوجه المحب .. وغير الإيمان بالخير لوجه الإيمان بالخير .. حاولت إدارة أزمة علاقتها بموضوع حبها من خلال العقل والاصرار المبرر لكن الخيار العقلي انهار .. أهاره مجتمع منافق يدعي العقل في حين انه يسحقه ويمسخه، وعندما ينهار العقل لا يبقى سوى الهذيان والفراغ ، وفي ظل القهر المديد الخانق الذي لا خلاص منه ، قد يكون التخلي عن العقل حلّا.. وهذه الجموع العربية التي تراها سائرة مطأطئة الرؤوس، راضية مرضية، بالرغم من انذلالها ومهانتها في ظل الانظمة الباطشة والاوليغارشية، هي جموع اختارت التخلي عن العقل الناقد والإرادة المنافحة عن كرامتها وحقها في الاختيار. صحيح أنها لا تهذي علنا، لكن الهذيان يحيط بوجودها ويصمه.. ولين وجدت، الآن، حلا لهذه الدوامة القاهرة . وفي أدبيات علم النفس – والتحليل النفسي خصوصا – يمكن أن يكون “الجنون” حلا ومنفذ خلاص . لكن أن تضع نفسك – كما يقول “نيتشه” – في موقع المجنون فإن هذا يعني أنك عاقل متماسك ، وهذا لا يسمح لنواياك الابداعية أن تزدهر إلا إذا اتفقنا على التسليم بأن جنونك إبداعي .. خالص في لعبة حكائية غير معابة .. لين تحاصرها الجاهلية الأولى .. والثانية في وطنها الذي يميز بين الأسود والأبيض اللذين لم يميز بينهما محمد عليه السلام . كم هم سفلة وكذابون يدعون الإيمان بمحمد في حين تحركهم غرائز اللاشعور الوسخة التي جعلتهم يكتنزون الذهب والفضة والزوجات – أكثر من اربعة تحت غطاء ما ملكت الأيمان والإماء .. مع الخضوع الجبان للأجنبي خلاف ما أراده الله من مقاومة وجهاد تمثلت في العبارة التي تجترها لين عشرات المرات : “أطلق لها السيف” في “جنونها العاقل” كمحاولة للخلاص والانعتاق :
(البنات نار الحمد لله ما عندي بنات / مبدأ كارتر/ مفكر نفسك ح تصلحي الكون يا شيخة اتلهي بس / لا حول ولا قوة إلا بالله إنت ِ ما تستحي على وجهك/ ههههههههه / جاعل الملائكة ذوي أجنحة / مجنونة / والخوف يزهر في الجهل / ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا/ السعوديون يلعبون بالفلوس لعب/سقط القناع/ الله أكبر وليخسأ الخاسئون/ يا ربّ لم جعلت اللون؟ / سيفان يجتثان نخلة/ السكّر يقول للشاي كخة لونك أسود/ ههههههههه / يقولون لا تهلك أسى وتجمّل ِ / أمريكا تظن أن العراقيين سيستقبلون جنودها بالورود/ إني أخسر دون أمل/ عيناك سوداوان مثل ليلي/ ربّ قِني خديعة الأمل/ أطلق لها السيف لا خوف ولا وجل/ أطلق لها السيف لا خوف ولا وجل/ أطلق لها السيف … ص180 و181).
تحية لليلى الجهني ……..

هامش :
———-
(1) جاهلية – ليلى الجهني – رواية – دار الآداب – بيروت – الطبعة الأولى – 2007 .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *