حسين سرمك حسن : الروائية السعودية “ليلى الجهني” في روايتها “جاهلية”: جاهلية القرن العشرين الحديثة العاتية

سألني طفل : هل يحلقُ ملاك شاربيه ؟
فوجئتُ، ولم أعرف أن أجيبه. غير أنني وعدته بأن أستفتي العارفين وأنقل إليه جوابهم
                                                             أدونيس
                                                    كتاب (المحيط الأسود)
( أليس سقوط بغداد تحت وحشية هولاكو متواصلا، بشكل أو آخر، قليلا أو كثيرا ؟ أشعر كأنه يضجّ في أعضائي . وأينما وجّهتُ وجهي، من المحيط إلى الخليج، أرى أثرا منه. كأنني أعيش الأيام الأخيرة لحضارة بكاملها )
                                                           أدونيس
                                                  كتاب (المحيط الأسود)

(كان لديها إيمان بذاك المبدأ الأحمق الذي قول أن على المرء أن يعيش وفق ما يفكر ؟ اصطدمت بكثيرين من حولها بسبب هذا المبدأ الذي ينم عن سذاجة، ويناقض أسلوب الحياة السائد في بلادها . بلادها التي يقول الناس فيها ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يقولون . بلادها التي تتآكل الحيوات فيها لطول ما تدور حول نفسها تحت مستنقع آسن، بلادها التي تترامى مثل سطح غير مصقول من الفضة: خشن بارد مصمت، يحتاج إلى جهنم صغرى كي تصهره وتطهّره وتعيد تشكيله من جديد ؛ لكن الله لم يبعث عقابه بعد )
                                                         ليلى الجهني
                                                       رواية “جاهلية”

# تمهيد.. رواية لن تفوز بأية جائزة :
————————————–  
قال لي صاحبي الذي اعرته رواية “جاهلية” للروائية السعودية “ليلى الجهني” (1)، وبعد أن غمزتُ الاشتراطات التي تريدها دور النشر الغربية لترجمة الاعمال العربية وهيئات الجوائز الغربية  لفوز الروايات المكتوبة بالعربية بها، إن رواية تأتي من السعودية، وتعالج شبكة من الموضوعات الحساسة المرتبطة بالروح الجاهلية والتعصبية التي تجتاح العالم، بدءا من مجتمع الكاتبة وانتهاء بأعظم المجتمعات حداثة في العالم وهو الغرب، لا يمكن أن تُترجم أو تفوز بجائزة. صرنا نعرف ماذا يريدون: معالجة الشذوذ الجنسي باشكاله المختلفة، وقمع الحرية الجنسية للمراة وحقها في التصرف بجسدها على الطريقة الغربية، وتفكك الأسرة وشتيمة الدين. والأهم العودة للحفر عميقا في تربة الاختلافات المذهبية والدينية عبر الصناديق والوثائق، وبحث نشوء الاديان ليس من اجل اثبات اصالة هذه الامة، ولكن من أجل اثبات الطابع الطاريء لهويتها العربية، واعتبار حضاراتها القديمة متزاوجة مع اليهودية.. والأهم تناول معاناة اليهودي العربي … إلخ. حتى الكتّاب العرب أنفسهم صاروا يعرفون نوع ومضمون الكتابة المطلوبة منهم، بل بدأوا بصياغة حتى مواقفهم الوطنية على هذا الأساس ، فأحد الروائيين، وهو جمال الغيطاني المعروف سابقا بمواقفه القومية، وفي اثناء العدوان الصهيوني “الجاهلي” على غزة الصامدة، كتب افتتاحية دان فيها صمود غزة ليفوز في الاسبوع التالي بجائزة من دولة خليجية معروفة بتحالفها المستتر مع الكيان الصهيوني اللقيط. ولو اعطيتني خمس روايات ترشح لجائزة البوكر، لقلت لك أياً منها ستفوز، لان حتى الهيئات المحكمة صارت تعرف، بلا اتفاق ملاشر، ما هي الشروط المطلوبة في الرواية الفائزة. ثم خذ سموم الحداثة وما بعد الحداثة التي يزعق بها ويتحمسون لها بصورة “جاهلية” عمياء اعضاء النخبة الثقافية العربية المتعالية من المعنيين بالتحكيم في الجوائز. املأ كتابك النقدي بالمصطلحات الانكليزية وبأفكار الأخ “جاك دريدا” – وهو أتفه فيلسوف قرأت له في حياتي كما سنعالج أفكاره السخيفة علميا قريبا – وسوف تفوز. وما فضيحة الناقد “الدكتور” الحداثوي “عبد الله الغذامي” في جائزة الشيخ زايد، إلا واحدا من الأدلة على ذلك. إنها ليست فضيحة الكاتب الجزائري السارق تاذي سحبت كمه الجائزة، بل فضيحة الغذامي الذي منحه الجائزة الأولى في حين أن الكتاب مسروق من أحد كتب الغذامي نفسه، وعندما سئل الغذامي عن سبب الفضيحة قال أنه لم يقرأ الكتاب الفائز. إذن كيف منحت كتابا الجائزة الأولى من دون أن تقرأه؟ يا للعار!! هكذا يستهترون ويستخفون بقيم الثقافة الأصيلة، مشفوعين بروح جاهلية “حداثوية” تلوب في تركيبتهم النفسية اللاشعورية، وتباركهم روح جاهلية عامة تحكم حركة مجتمعاتهم العربية.
# رواية عن جاهلية معاصرة :
——————————-
وهنا تتجلى الأهمية العظيمة لرواية ليلى الجهني هذه . فهي لا تعالج جاهلية قديمة مقرفة، يحاول البعض من المؤرخين ابراز سجاياها “الفاضلة” الآن، وأن انصر أخاك ظالما أو مظلوما، مثلا، معناها انصحه وليس ساعده على الظلم، متناسين آلاف الشواهد السلوكية والحروب الدموية والقيم القبلية البدوية التي تؤكد العكس. وإذا كان المجتمع العربي الجاهلي بهذا المستوى من النظافة القيمية فلماذا انزلت الرسالة الاسلامية؟ انظروا اليهم كيف كانوا يتعاملون مع الرسول الكريم؟ ألم يكن عمر ابن ابي ربيعة ابن أبيه وأخاه في نفس الوقت .. إلخ . لكن المشكلة – وهنا تتجلى الأهمية الحاسمة لهذه الرواية – لا تكمن في تلك الروح الجاهلية الممتدة إلى الآن في مجتمعاتنا على الرغم من كل محاولات طمرها او تجميلها بالأبراج والناطحات والعطور والسيارات الحديثة ومظاهر الرفاه.. إلخ ، لكنها في هذه الروح الجاهلية المقيتة التي تحكم سلوك مجتمعات ما بعد الحداثة الغربية، نخبا ثقافية ومفكرين وقيادات سياسية. يخطيء من يظن أن النازية ، على سبيل المثال لا الحصر، بما سببته من حروب ومذابح وخسائر بشرية (60 مليون قتيل في الحرب الثانية التي سميت عالمية، وهي غربية بامتياز وذلك ضمن حملة التشويش اللغوي الدلالي الغربي)، هي لحظة “ألمانية” مجردة انبثقت من الفراغ، إنها نتاج طبيعي للفلسفة المادية الغربية التي تشكل الأفكار وحركة الحياة في الغرب. لاحظ الظاهرة الغريبة والمتمثلة في أن الغرب كلما أصبح أكثرحداثة صار أكثر عنفا ووحشية!!
# مداخل مربكة :
———————
وتربك الكاتبة توقعات قارئها بدءا من الفقرة التمهيدية الأولى في روايتها (سماءٌ تهوي) حيث تفتتح النص بالمقطع التالي:
(يُتوقع أن يعلن البيت الأبيض ، اليوم، بأن العراق انتهك قرارات الأمم المتحدة التي تطالبه بكشف النقاب عن أسلحته للدمار الشامل حسبما أوضح مسؤولون كبار في الإدارة الأميركية. وقال المسؤولون بأنه من المنتظر أن يبحث الرئيس الأميركي جورج بوش هذا الأمر في اجتماع خاص لمجلس الأمن القومي قبل إعلان البيت الأبيض بهذا الصدد- ص 5).
وسيتوقع المتلقي أن الرواية تعالج شئنا سياسيا له صلة بالعدوان الغربي الجاهلي على العراق، خصوصا وأن القسم الثاني من النص يحمل عنوان (مؤنس الخامس عشر من وَعِل من العام الثاني عشر بعد عاصفة الصحراء – الثالثة فجرا)، فيقع في ربكة أكبر ، وستزداد حين يطالع المفتتح الاستهلالي لهذا الفصل الذي تقول فيه الكاتبة :
( هل مات ؟
ليلتها سمع في غمرة انفعاله صوتا ما هزّه ، وعندما تأمل جسد “مالك”، وهو منطوٍ على الإسفلت الشاحب وحيدا، أعزل ، مضروباً على غير توقّع، أدرك أن ماء الأرض كله لن يغسل الذنب الذي اقترفه – ص 7).
وسنفهم لاحقا إن التساؤل الابتدائي هذا : هل مات؟ ينطلق من الوجدان الآثم لـ “هاشم”، شقيق “لين” بطلة الرواية، بعد أن قام بضرب حبيبها الزنجي “مالك” لينهي العلاقة المرفوضة من جانبه بينهما. وهو يتداعى عند لحظة الإدانة الذاتية هذه إلى آثام أخرى ارتكبها بحق آخرين :
(بكى عندما عبرته الصورة. نشج كأنما هو طفل ضال. بكت “سحر” منذ أعوام مضت فلم تحرّك دموعها فيه شيئا. ظنّ يومها أنه لم يتأثر لأنه قوي. ثم أنه لم يرتكب خطأ حتى يشعر بمسؤوليته عنه، حدث كل شيء برضاها واختيارها. والآن يدرك أن الأمر لا يتعلق بالقوة بل بالقسوة. كان قاسيا بقلب شيطان صغير ظل يقوده حتى أوصله إلى هذه الهاوية – ص 7).
وهذه السمة التصارعية المتناقضة التي تعصف بنفوس الشباب – لا السعودي حسب بل العربي عموما – وتجعله في حيرة من أفعاله، غير قادر على استصدار الأحكام الصحيحة، وعاجزا عن رسم منظومة قيمية ثابتة لسلوكه، هي من المعضلات الكبرى التي تتناولها الروائية. فالشباب العربي جيل رائع لكنه ضائع.. إنه حداثوي مظهرا، وجاهلي مضمونا . تقدم ليلى نماذج كثيرة على ذلك كما سنرى في سياق التحليل.
وهنا تأتي الفقرة الثالثة : (ولم يرَ ملائكة قط)، لتشوش استقبالنا الإدراكي أكثر. فهي تتحدث عن عملية لوجستية للقوات الأميركية في استعداداتها لاحتلال العراق. عملية نقلتها الفضائيات وأنكرها جميع المسؤولين الأميركيين والأتراك، فالجاهلية تفرض أن تظفر بعدوك وتخادعه بكل الطرق وأولها الكذب والمخاتلة ..
# لعبة العنونة :
—————-
إن لعبة رائعة وشديدة الإحكام قد لا يلتفت إليها المتلقي، خصوصا في حالات القراءة السريعة ، وتتمثل في أن الكاتبة حين تضع عنوانا لقسم سياسي مرتبط باحتلال العراق، فإنها تعود لتذكره وتوظفه كجملة في سياق البنية السردية للقسم اللاحق مباشرة، وكأنها تريد أن تضعنا في حالة مماهاة هادئة بين مالك الضحية والعراق الضحيّة . فقد اختارت للقسم الأول عنوانا هو (سماءٌ تهوي) ثم نقلت خبرا عن استعداد البيت الأبيض لاصدار قرار ضد العراق حول أسلحة الدمار الشامل ، لتعود وتستخدم العنوان السابق في القسم الثاني (مؤنس الخامس عشر.. إلخ) عبر تداعيات “هاشم”، شقيق لين، وهو يعبر عن رعبه في حالة موت “مالك” :
(إن مات ستموت أمّه. لقد جعلت منه عمود حياتها، وما إن ينقصف حتى تهوي السماء فوق رأسها. لكنها لم تدري بعد ما الذي فعله. وحتى إن عرفت فستفهم لمَ فعل ما فعل، وتسامحه- ص 8).
أما في القسم الثالث، فقد خصصت له عنوانا هو (ولم يرَ ملائكة قط) تتحدث فيه عن استعدادات أميركية لوجستية لاحتلال العراق كما قلنا، لكن لا صلة ظاهرة بين متن القسم والعنوان الذي تعود لاستخدامه بصورة مباشرة في القسم الرابع (جُبار الثالث عشر .. إلخ) عبر تداعيات “مالك” الغائب عن الوعي بفعل اعتداء هاشم البشع عليه:
(لم تكن فوقه سماء، ولم تكن تحته أرض، ولم يكن طافيا فوق ماء .. كان قد دخل برزخا، ولم ير ملائكة قطّ – ص 12).
.. وقسْ على ذلك روابط العنونة في الاقسام الستة المتبقية من الرواية. وقد قلت أن الكاتبة سعت من خلال ذلك إلى خلق نوع من المماهاة بين الحال الفاجع لضحيتين : بلاد هي العراق، وإنسان هو مالك. وكأن عنوان الفجيعة يخصص أصلا لقراءة مأساة العراق الوطن، وليصبح متضمنا في وصف مأساة مالك الفرد ، وكلاهما ضحية القهر الجاهلي.
# استعادة التقويم الجاهلي :
—————————
وارتباطا بموضوعة العنونة ، فقد عمدت ليلى إلى تقنية أخرى أكثر فعلا وتوصيلا لدلالات مشروعها المركزية . فقد عادت إلى استخدام أسماء أيام وأشهر غريبة على معلومات القاريء كمفردات لصياغة عناوين أقسام الرواية :
-مؤنس الخامس عشر من وَعِل .
-جُبار الثالث عشر من وَعِل
-دُبار الرابع والعشرون من عاذِل
-مؤنس الثامن من وَعِل … إلخ
لقد عادت وبتخطيط مقصود إلى استعمال أسماء أيام وأشهر التقويم الجاهلي القديم لتعبر بحق عن أننا – وبخلاف كل مظاهر التحضر والمدنية الباهرة – جاهليون في أرواحنا وسلوكنا .. وأننا نرتد إلى “أيام الجاهلية الأولى” التي حذّر منها القرآن الكريم. فقد كانت الأيام في الجاهلية على النحو التالي :
الأحد : أوّل
الإثنين : أهون
الثلاثاء : جُبار
الأربعاء : دُبار
الخميس : مؤنس … إلخ
أما أسماء الشهور في الجاهلية فهي :
المؤتمر : محرّم
عاذل : شعبان
ناتق : رمضان
وَعِل : شوّال … إلخ
وبذكاء عال أيضا، اختارت الروائية شهر “مؤتمر”، ليكون زمان وقائع روايتها الختامية في فسمها الأخير، والذي حمل عنوان : (شِيار التاسع عشر من المؤتمر من عام حرب الصدمة والترويع) أي (السبت من الشهر المحرم من عام حرب الصدمة والترويع) .. لقد شنوا هجومهم الجاهلي ، أعرابا وفرنجة ، على العراق في شهر محرّم ، مثلما سيشنقون رئيس البلاد في صباح أول أيام عيد الأضحى اللامبارك، ساحقين تعاليم القرآن والله بأحذيتهم ونعلهم .. لقد كان الجاهليون يتوقفون عن القتال في الأشهر الحرم .. أما الجاهليون الجدد فهم يقتلون ويدمرون ويذبحون في كل الأيام، ولا أشهر محرمة لديهم.
# اللغة الشعرية المحسوبة :
——————————
قلت مرارا إن على الروائي أن لا يوغل في استخدام اللغة الشعرية بمناسبة ومن دون مناسبة، وأن عليه أن يقدمها بجرعات محسوبة، وفي المواقف المناسبة المدروسة التي يجد أن التعبير عنها بلغة الشعر أكثر رهافة وأشد تعبيرا وأمضى تأثيرامن لغة السرد. يجب أن تكون للقصة لغتها السردية، وللقصيدة لغتها الشعرية، وأن لا يختلطا إلا وفق حدود محسوبة ومخطط لها . وقد أجادت ليلى في تصميم لغتها السردية وحساب مقدار الجرعات الشعرية وتوقيتها مكانا وزمانا . خذ، مثلا، تداعيات لين، وقد جفاها النوم، واستولى عليها التقكير بمصير حبيبها مالك :
( فكرت في أن مالكا ربما استيقظ وهي بعيدة عنه، وربما أفزعته الأسرّة وجدران الغرفة الزرقاء. كل شيءفي غرفته أزرق، لون الجدران، لون الألحفة، لون الوسائد، لون السماء تلوح عبر زجاج النافذة، أزرق أزرق أزرق . الموت أزرق، قماشة التابوت الذي شحنوا جثمان جدتها فيه قبل أعوام كانت زرقاء، وحين انفتح النعش للمرة الأخيرة أمام عينيها كان خاليا مثل سماء زرقاء بلا غيم. وعرفت أن الناس عندما تموت تزرق حتى تشف – ص 67 و68).
أو الموقف المؤثر وهي تمرر يدها على رأس حبيبها الغائب عن الوعي :
( ابتهلت إلى الله وهي تمرر يدها على رأسه هذا المساء، ألّا تقترب الملائكة منه إلا لكي تعيده. لمحت غزالة برّية تركض في سهول معشبة ، شمّت رائحة روثها (لا أعتقد أن هنا مناسبة للروث – الناقد) شمّت رائحة معدن السرير البارد. شمّت رائحة جسده، وعند زاوية فمه اليمنى لمحت كتلة الدم الصغيرة المتخثرة. تناولت منديلا ورقيا من علبة بجوارها ، وبحذر طفقت تحك الكتلة بأظافرها ،وعندما انقشعت، وضعتها برفق على المنديل أمامها، ثم لفّته قبل أن تضعه في الجيب الداخلي لحقيبتها – ص 70) .
.. وغير ذلك الكثير .
# توظيف اللغة العامية :
—————————-  
وارتباطا بلغة السرد المتعافية ، فقد استطاعت الكاتبة توظيف إمكانات اللغة العامية السعودية بحذق ورهاوة . فقد صاغت أغلب الحوارات باللغة العامية لتقدم مشاعر شخوصها وانفعالاتهم ببساطة وبشحنة تعبيرية عالية جدا. ولم تكن هذه اللغة مناسبة تماما للخلفيات الثقافية والتعليمية البسيطة لبعض شخوص الرواية، ولكنها ملائمة للحالة الانفعالية للشخصيات التي تتمتع بمستوى ثقافي وتعليمي أعلى يبرر لها استخدام عبارات فصحى تحمل قدرا من الروح الشعرية . ولكن حتى في الحوارات التي صاغتها الكاتبة باللغة الفصحى، جاءت الجمل بسيطة وقصيرة ورشيقة .. فالكل في محنة لا تتحمل الإطالة .. إن الاحتدام النفسي للشخصية هو الذي يصوغ شكل العبارة وطبيعة مفرداتها وطولها .. وفي الغالب تأتي نداءات المفجوع في صورة صرخات قصيرة ممزقة ..
# فضح المسكوت عنه :
———————–
وفي أثناء مسار سرد وقائع حكايتها ، كانت الكاتبة تلتقط بجسارة المظاهر السلبية التي تفتك بالحياة الاجتماعية في مجتمعها، وذلك في إشارات وحوادث محسوبة بعيدة عن النزعة الوعظية أو الوصفية الباردة . فحين تتحدث عن سلوك هاشم الجنسي المشوش والمنفلت، تتعرض لمشكلة الدعارة التي تجري قريبا من البيت العتيق المقدس. فهي تخبرنا أن هاشما كان يرفض الزواج لأن هناك نساء مستعدات لأن يمنحن أجسادهن بأثمان معقولة. ويرضين أحيانا بأقل القليل؟ نساء يمكن أن يلتقطهن المرء من شارع سلطانة أو قباء أو الملك فيصل. تركب الواحدة منهن وإن لم يعجبها السعر –وغالبا ما يعجبها – نزلت و ساومت قليلا (ص 37 و38). وفي تداعيات هاشم يتذكر البنية الصغيرة التي التقطها من شارع سلطانة وأخذها إلى المنزل ، وعندما كشف وجهها صعقه كم كانت صغيرة . خمّن أنها لم تتجاوز الخامسة عشرة .. وإذا كانت في الخامسة عشرة، فمنذ متى بدأت دعارتها ؟
والمشكلة الكبرى تكمن في هذه الكليشيه المكررة التي يكررها الإعلام العربي الرسمي المنافق حول “المجتمع الإسلامي النظيف” !! وأتذكر أن إحدى الحكومات العربية الاسلامية التي تصدح بالنظافة الأخلاقية المطلقة أصدرت عفوا عاما عن السجناء استثنت منه المتعاملين مع الكيان الصهيوني ، ومرتكبي جرائم المحارم .. ثم ظهر أن هناك العديد من السجناء المتهمين باقتراف جريمة سفاح المحارم – incest. في القاهرة علمت أن إحدى الباحثات تعد أطروحة لنيل شهادة الماجستير عن سفاح المحارم، وقد لمست الباحثة رد قعل غريب حيث كان بعض المواطنين يدافعون عن المجرم بالقول : يعمل إيه .. ما هو ميقدرش يتجوز !!
وهناك حادثة الطفل الصغير ذي الست سنوات الذي جُلب إلى المستشفى ميتا، بعد أن اغتُصب بعنف من قبل أحدهم. لقد مكث في الثلاجة أشهرا دون أن يتعرف عليه أحد .. ثم بيع جثة للتشريح . مخاوف العار تمنع حتى الضحية من طلب حقها .. فيبقى الجلاد منفلتا بجريمته في حين تتستر الضحية على عارها حتى وهي ميتة.
وهناك مشكلة الفتيات الهاربات اللائي كانت لين تتعامل مع مآسيهن بحكم عملها في دار الأمان التي تؤويهن .. هذه “مزنة” ذات الخمس عشرة سنة التي زوجها / باعها أبوها لعوض .. وهربت لتبوح للين بخلاصة معاناتها بمفردة واحدة : يوجعني .. وهذه “شرف” التي هربت من العبودية وظلم أخوتها في البيت، مع شاب لم تستطع الزواج منه، لأنه لا يحمل “صك غفران”. وانتهى الأمر بها بإحراق نفسها حتى الموت، ولم تستطع لين التخلص من رائحة الشعر المحروق التي علقت بجلدها رغم أنها كانت تغتسل مرات عدة في اليوم الواحد (ص 84).
ثم هذا الإنحطاط المتزايد الذي تشيع فيه مظاهر الخراب وتتضاعف نحو الأسوأ كلما تقدم الزمن، حتى صرنا نقف أمام مفارقة عجيبة صلدمة هي أننا كلما “تقدمنا” أصبحنا أكثر تخلفاً ، وفي كل عقد جديد من الزمن نتحسّر على نعم العقد الذي سبقه. تصوّروا أن رجل دين معروف في العراق هو (جلال الدين الحنفي) هو أول – ويجوز أنن هذه ظاهرة فريدة في العالم – من ذهب ليدرس أحوال المومسات في المبغى العام في البصرة ليحدد أسباب سقوطهن وأصدره بكتيب عنوانه “المبغى العام في البصرة” في الخمسينيات، أما في “جاهلية” ليلى الجهني فإن “الشيوخ” في المحكمة ينفردون بالفتاة ليقنعونها بهدم الارتباط بشاب لونه يختلف عن لونها!! فيصبح الزواج بغاء شرعيا يختلف عن البغاء العادي بالإشهار والطبل والمزمار. .. وتتذكر لين وقفتها وهي طفلة تنثر الحبوب للحمام في الحرم المكي قبل ثلاثين عاما حيث التسامح والاختلاط الواثق ، أما الآن !! :
(لم تكن الحياة قد تشوّهت بعد، وكان الحرم دون حواجز أو سواتر أو رجال بلحى طويلة وأصوات خشنة ، يصرخون في الداخلين :
-هيه .. هيه .. يا حاج ، هذا مكان حرمة .. مكان رجّال هناك
وهم يدفعون عجوزا يستند إلى عكازه، قد لا يعرف من العربية سوى الفاتحة يردّدها في صلاته – ص 89 و90 ).
كل هذه المحن غير مفسّرة .. لم تستطع لين على الرغم من تحصيلها العلمي (خريجة جامعية) وثقافتها المميزة وملاحقتها لمتغيرات العالم ، أن تفسر لماذا تعامل المرأة بكل هذه المهانة .. لماذا يسحق الإنسان في مجتمع يقول أن الإنسان هو بناء الله. لماذا ينبذ إنسان أسود في الوقت الذي تتبجح الألسن بإيمان بلال الحبشي وصمود عمار بن ياسر.. لماذا تموت هذه الكائنات الجميلة مثل “شرف” بلا رحمة ومن دون وقفة اعتبار أو تكفير .. لماذا تحتفي امها بأخيها الأصغر (يصغرها بعشر سنوات) وتعامله كولي أمر ناضج بالرغم من تفاهته وضحالة شخصيته … سلسلة من المشكلات الخانقة والمدوّخة وضعتها الكاتبة – بمكر – عبر سلسلة من التساؤلات المقابلة على لسان لين :
(ها هي تعي – في مباغتة موجعة – أن المصائر يمكن أن تتشابه، حتى ولو اختلفت الطرق التي تقود أصحابها باتجاهها، وأن حياتها يمكن أن تُسلب منها، مهما بدت مختلفة عن الأخريات
مختلفة !
مختلفة لأنها إن أرادت أن تقود سيارة فإن أباها لن يمانع ؟
مختلفة ! لأنها استخرجت بطاقة أحوال خاصة بها ؟
مختلفة ! لأنها تسافر وحدها ؟
مختلفة ! لأن جوّالها ومعظم ممتلكاتها مسجلة باسمها، وليس باسم أبيها أو أخيها ؟
مختلفة ! لأنها ..
لكن .. كل هذا يبدو لعينيها الآن هشا وملطخا كنشارة خشب تطفو فوق سطح ماء آسن ، وها هي تعي حجمها الحقيقي ، متأخرة – ص 95 و96 ).
… ثم – وهذا هو الأخطر – وهو ما تتابعه بانذهال – ينحدر العالم ، أمام أعيننا العاجزة وإرادتنا المشلولة – بأكمله بقيادة الدولة الأكثر شيطانية في التاريخ : أميركا إلى هاوية العدوان والنفاق والجاهلية.. لماذا يتجمع ظلم الطغاة كلهم على دولة صغيرة بحجم الكف هي العراق ؟ فـ “لين” حين تتذكر لحظات الألم في حياتها، وهي كثيرة، تتذكر أنها ذرفت دموعا ساخنة صادقة يوم 17 يناير من عام 1991، يوم الحرب العالمية الثالثة، التي تحولت من تحرير الكويت إلى تدمير العراق. لماذا لا يوجد في العالم .. العالم المحلي المحيط بها ، والعالم الوسع خارجها ، إلا الظلم والتمييز والقهر والتحامل والمهانة.
كل هذا التشوّش سيوصلها إلى اللحظة الفاصلة في خاتمة حكايتها الدامية كما سنرى.

شاهد أيضاً

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
بقلم: كريم عبدالله

بغداد – العراق 28/9/2020 شعريّةُ الذاكرة في القصيدة السرديّة التعبيريّة . أولاً : الذاكرة الشعريّة …

ساندرا شمعون: كرسي ستار نعمة

غريب تأثير الاعمال الفنية على الانسان ٠ تغمرنا بِموجة عاطفة تلمس خزين الذاكرة وبشكل محبب …

التشكيل العربي المعاصر
8 – الواقعية الطبيعية من المنظر إلى البورتيه في تجربة الفنان العراقي صالح رضا
ذ. الكبير الداديسي

صالح رضا فنان تشكيلي عراقي من مواليد 9 يوليوز 1960 استطاع أن يفرض نفسه رقما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *