وديع شامخ : المربد..بداوة مربط أم حضارة مهرجان؟

الشاعر والروائي وديع شامخ

بعد ان إنتهت جلسات مهرجان المربد الشعري التاسع بسلام، صار لزاما عليّ ان أدلو بدلوي حول آليات إشتغال نسق ثقافي عراقي، له تاريخ مهم في ذاكرة العراقيين والعرب الشعرية، وهو مهرجان المربد الشعري .. فالمربد يفترض زمنيا ونوعيا أن يكون قد تعدى طفولة ومراهقة القائمين عليه ليصبح راشدا في المتن وحوله وخارجه..
أنا الآن أكتب بهدوء تام، ودون زوبعة الملامات والتقريع، والفقاعات الإعلامية والتشهير الشخصي..
سوف أناقش بحب وبمسؤولية معا، المهرجان بمستوياته، الإدارية والفنية والأخلاقية معا.
فإذا كان المربد يرتبط ب مرابط العرب.. ومرابدهم أيام بداوتهم..فأن لتلك البداوة تقاليدها بالضيافة والكرم والسخاء حدّ ذبح الحصان الوحيد لأخينا طيب الذكر حاتم الطائي ..ولكني أعني بالبداوة تحديدا هي المضاد الواقعي للحضارة كما يشير الدكتور علي الوردي او على تعبير شتراوس النيء والمطبوخ في الانثروبولجيا في كتابة الفكر البري.. فمن أين نأخذ المربد الحالي.. أمن أسمه وعنوانه مربد أو مربط.. أم من محتواه شكلا ومضمونا أو من آليات اشتغاله ؟؟
……………….
صار المربد مجموعة من المصائر المتقاطعة والمصالح المتوافقة بين وزراة الثقافة وإتحاد أدباء بغداد، وآخرها في إتحاد البصرة الذين بذلوا جهدا خيرا في دعوة أسماء كثيرة لها ثقلها الشعري وتجربتها المهمشة في ظل النظام السابق.
ولكن أمور الدعوات بفقر دمها صارت تذكرني بأرزاق المعركة عندما كنّا نخوض حربا ساخنة مع ايران.. وفيها تكون الأرزاق القادمة منذرة بشؤم قادم وهجوم وشيك.. ارزاق سمينة وشهية.. ولكن بريقها وشهيتها وكميتها تخفّان كلما تقدمت حلقات التوزيع حتى تصل الى ملاجئنا المتقدمة عبارة عن شبح فواكة وطعام بارد، حتى علّق أحد جنودنا آنذاك بدعونا نلتقط صورة مع الموزة الوحيدة التي وصلت حضيرته المؤلفة من 5 جنود
فدعوة المربد كما وصلتني أولا من الإتحاد المركزي دعوة سمينة تحمل في ثناياها أصولا ثابتة في تحمل نفقات السفر والإقامة..وبعدها جاءت الدعوة الثانية من وزراة الثقافة » دائرة العلاقات العامة، وهي تؤكد ما تقوله الدعوة الأولى بتحمل كافة نفقات السفر والإقامة.. مع الرجاء أن نرسل نسخا من صورة جوازاتنا كي يتسنى لهم الحجز، بل أن الدلع والدلال وصل الى تحديد خط الرحلة وتحمل مصاريف التذكرة أّذا ُقمنا بحجزها والتوجه الى العراق لإستلام ثمن التذكرة كاملا ّ.. فأوفيت بالتزاماتي الإدارية مع تمنياتي أن تكون رحلتي على طائرة الإمارات أو الإتحاد لتوفر خدمات ممتازة سيما وإن الرحلة من سدني الى بغداد تقارب ال23 ساعة.. وسار كل شيء على مايرام ، وتلقيت من الشاعر ابراهيم الخياط، إميلا، يفيد بوصول رسالتي مع الشكر..
ولكن الوقت المقرر لبدء المهرجان بدء يقترب بشدة ونحن نعيش في بلدان بعيدة ولها تقاليد ثابتة تشير على المسافر أن يفي بجملة التزامات مع الحكومة ورب العمل ومع الطبيب وانتهاء بالعائلة وتنظيم شغور مكانك لديهم..
ولكن الأخوة في عراق المربد، قد صمتوا صمتا مريبا.. فأتصلت بالسيد كريم جخيور رئيس إتحاد البصرة فأكد لي أن كل شيء على مايرام والوزارة ستُنفذ التزامها.. وبعد يومين أخريين كررت الإتصال بالزميل كريم الذي بدا مُحبطا تماما من مستجدات لم تكن على طاولة إجتماعهم في وزارة الثقافة حين تمت دعوة الأدباء،
وفحوى الجديد أن وزارة الثقافة قد قلصت مبلغ السفر الى 1000 دولار فقط علما ان مبلغ تذكرة السفر من سدني الى العراق تتجاوز الفي دولار..
أنصف ضيافة ونصف حقيقة ونصف……؟؟؟؟؟؟
هل من المعقول أن تسير الأمور هكذا مع أدباء عراقيين مدعوين الى المشاركة في صياغة جمال أبهى للمربد ؟
والأعجب أن هذا التصريح الشفاهي لوزارة الثقافة هو الذي تأسست عليه قضية الحضور من عدمه، إذ لم تصلني ايّة رسالة تؤكد استبيان رأيي في قبول الدعوة أو رفضها، بعد المستجدات التي حدثت في ظل هذا العرض الخارج عن أخلاقيات البداوة والحضارة والمدنية معا
هل من المعقول أن تصمت الوزراة والإتحاد بشقيه المركزي والمحلي بالإتصال بالمدعوين وإطلاعهم على ظروف التنصل عن شروط دعوتهم الأولى
إذن ليس هناك تقليد عراقي رصين يحفظ للمربد، كمهرجان ذي تاريخ عريق، هيبته وللمدعوين كرامتهم..
أتعرفون أيها القائمون على الدعوات إنكم سببتم لي ضررا ٍ كبيرا، من جراء تخلف الإجراءات الإدارية وتعثركم المدني مصحوبا بشحة اللياقة الحضارية.. فكنت طوال الأيام التي وردتني فيها الدعوة منخرطا تماما في التحضير للسفر، وما تعنية كلمة تحضير، من أبعاد نفسية وحسيّة، لسفر طويل وبعد سنوات طوال من فراق العراق ..
أيّة آليات تعمل في وزارة الثقافة وإتحادنا العتيد إتحاد الجواهري لدعوة الناس لحضور مهرجان عريق.
فإذا ماوجدنا العذر لوزراة الثقافة بوصفها وزراة تافهة وفقا لمقاييس السيادة المحاصصية كما يقولون، فهل نلتمس العذر الى الاتحاد المركزي المعنيّ تماما بالامر ثقافيا وابداعيا
وأذا أعفينا وزير الثقافة بصفته الشخصية لأن عمل المهرجانات إداريا، يقع تحت مسؤولية الوكلاء والمدراء العامين.. فهل أن السيد الوزير، لم يسمع شيئا عن شحة الخير والضيافة وجحود الأهل وتنصلهم من إستقبال مبدعيهم من خارج الوطن، وهم ممن طالهم التهميش والاقصاء في ظل الحكم السابق ؟؟
ألم يكن لسعادة الوزير من فسحة وقت لسماع رأي مستشار مخلص ليضع قضية عدم الوفاء والإخلال بشروط الدعوات أمامه ليكن حكما فيصلا ؟؟
.. وهل أن السيد الوزير الذي يحمل صفتين لاعلاقة لهما ببعضهما ثقافة ودفاع قد جعلته مصابا بالانفصام الوظيفي والحساسية من الثقافة لا سامح الله كما كان كَوبلس وزير
هتلر يقول عندما أسمع بالثقافة أتحسّس مسدسي
أم كان وزيرنا ضحية مكائد الوكلاء والمدراء العامين وغيرهم .. في إبتكار آليات متوافقة عليها لا علاقة لها بوزير الثقافة .
السيد وزير الثقافة، بصفته العسكرية يشرف على صفقات سلاح بملايين الدولارات وهو حق للدولة العراقية في صيانة امنها.. ولكنه يخذل المثقفين والشعراء بصرف تذاكر سفر بمبالغ بائسة جدا، والقضية هنا تعدّت حدود المال وفرق الصرف .. بل انها دخلت في حدود الإهانة الانسانية تماما وحدود كرامة الوطن أيضا.. فالشعب المسلح عسكرتاريا لا يجيد الدفاع عن وطنه، إن لم يكن متسلحا بجمال بناء الأوطان.
فالعراق لا يبنى ابدا بالجماجم.. والوطن لا يسور بمدونات الموت..
اليس هذا يعني ان الابداع والثقافة بضاعة بائرة في زمن نريد بناء الدولة العراقية على مرتكزات قوية وصحيحة، والثقافة أحد هذه القوائم لكل دولة حديثة…، اليس هذا هدم لطرف ثقيل في حوار المجتمع ؟؟
ثم أين جهود زملائي في إتحاد البصرة وموقفهم الحازم ضد هكذا تصرفات مجانية وغير مسؤولة والمربد ينعقد في أرض البصرة….. العتب شديد، لانني تابعت المربد وتمنيت أن أكون هناك مع قامات عراقية وعربية لأصدقاء أعتز بهم شخصيا وابداعيا.
خلاصات.. كي لا ننسى
1 ــ وصلني كتاب الدعوة الأول من قبل الاتحاد المركزي.. دون رقم ولا تاريخ.. ولا توقيع من أيّة جهة، وهو بداية الشك في الصدق بالإجراءات التنظيمية.. ولكن حسن النوايا هو عنواني.. وجاء التأكيد من دائرة العلاقات الثقافية في وزارة الثقافة يؤكد الدعوة وهو بلا توقيع ايضا.. ولكن المشترك في الكتابين هو أن الوزراة سوف تتحمل كافة مصاريف السفر والإقامة
2 ــ قال الصديق رئيس أتحاد البصرة كريم خجيور في معرض تصريحاته عن مؤتمر المربد الحالي بقوله نحن حريصون على ان تكون دورة هذا العام تختلف عن الدورات السابقة من خلال التنظيم ونوعية المشاركة . وانا أعتقد انه يقصد تنظيم عمل المهرجان، ولكن التنظيم يحمل في طياته الدعوات فلا يمكن الفصل بين دعوات المشاركين وتنظيم اعمال المهرجان. فهل كان تنظيم الدعوات مكملا حقا للتنظيم الميداني .؟؟
3 ــ يبدو ان امر الدعوات صار داءً عضالا يطال مهرجان المربد، حيث انني كنت من المدعويين في العام المنصرم أيضا وقرأت أسمي في الصحافة دون أن توجه لي دعوة رسمية..وكنت أتمنى على الاخوة بتصحيح وتجاوز الأخطاء التي رافقت الدعوات في العام الفائت ولكن الذي حصل هو الأسوأ هذا العام وكأن لا عبرة ولا خبرة.
4 ــ أن أمر الألتباس في دعوات هذا العام لم يحدث معي شخصيا فقط، فهناك ايضا الناقد والمترجم سعيد الغانمي والشاعر حسن النواب، وكذلك الفنان والشاعر محمد سعيد الصكار وربما آخرون.. وأما الدورة السابقة فقد حصل ذات الأمر مع الشاعر والمثقف المبدع صلاح نيازي وقد كتب عنها مقالة شرح فيها كلّ شيء، ولكن لاعبرة ولا خبرة للذين يقيمون على أمر التنظيم
5 ــ نلاحظ غياب التنسيق بين عمل الهيئة العليا لادارة المهرجان واللجنة التحضيرية في البصرة، إذ لا يمكن ان تصدر قرارات لاحقة عن ما هو متفق عليه في الهيئة العليا للمهرجان.. وخصوصا ان لا طوارىء كبيرة في الأمر وخصوصا أن العراق دولة نفطية وغنية وأمواله تهدر ذات اليمين وذات الشمال، ولكن عندما تصل الى الثقافة والأبداع تبدأ سياسية شد الاحزمة على البطون والتقشف
6 ــ قال لي صديق عراقي مبدع يعيش في استراليا، انه دعي الى الامارات العربية المتحدة، فوصلته الدعوة قبل شهر وفيها اختيار تغيير الموعد، وعندما وصل الى مطار ابو ظبي وجد شخصا ينتظره.. واصطحبه الى سيارة ليموزين فارهة ليحط به الى احد فنادق الدرجة الاولى خمسة نجوم … ولعل ذلك عبرة وخبرة لزملائي وأحبتي في الوزارة والاتحادين المركزي والمحلي.. ولكي لا ننسى.

شاهد أيضاً

من بينهم: ابو تمام، طرفة ابن العبـد.. وشكسبير
شعراء في قصيـد الجواهري العامر(3/3) *
رواء الجصاني

تعددت وتنوعت شؤون التوثيق، والتقصي، والدراسات حول المنجز الشعري لمحمد مهدي الجواهري (1899-1997) في مجالات …

عصام الياسري: مهرجان الأدب العالمي في برلين.. منجزات معاصرة بين النثر والشعر والواقعية والروايات

في الحادي والعشرين من أيلول إنتهى في العاصمة الألمانية برلين، مهرجان الأدب العالمي ilb العشرين …

ابنة الناصرة بروفيسور كلثوم عودة
نموذج يحتذى للمرأة العربية المصممة على التقدم
نبيل عودة

قصة حياة المرأة العربية من الناصرة كلثوم عودة (1892-1965) أصبحت نموذجًا يحتذى للمرأة المصممة على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *