حسين سرمك حسن : طه باقر: كتاب مؤسس أم مشروع معرفي مؤسس؟

“نحن العراقيين علينا ان نكتشف تاريخنا بجهدنا ودماغنا والمنطق الذي نحمله
                                               العلامة الراحل
                                                 “طه باقر”
(ولعلني لا أبالغ إذا قلت إنه لو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين، من منجزاتها وعلومها وفنونها شىء سوى هذه الملحمة لكانت جديرة بأن تبوأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات القديمة)
                                                 “طه باقر”

1– حل معضلة الدخيل في اللغة العربية:
كان العراقيون يلجأون بفعل مزاجهم السوداوي القاتم تاريخيا- وهم لا يبتسمون إلا بعد الساعة الحادية عشرة صباحا!!- إلى نوع من المماحكة اللفظية الملطفة في خطاب التواصل اليومي خصوصا في أيام تموز حيث تصل درجة الحرارة إلى أكثر من 55درجة مئوي، وأيام كنا نقاتل في “الفاو” كانت الحرارة تصل إلى سبعين مئوي!!- فاعتادوا أن يسألوا بعضهم بعضا: (شكو ماكو؟). وهو تساؤل مربك في الخطاب العامي إذ يضع المستقبل في فوضى  من الإختيارات التي روحه مزحومة بها أصلا. دام هذا الأمر قرونا وهوأشبه بلغز إلى أن جاء “طه باقر” ليكشف جذر هذه اللازمة “شكو ماكو” ويثبت أنها لازمة “أكدية” تعني نفس المضمون الإنهمامي الواسع الذي يكشف وحدة أوجاع العراقيين وتراكمها الهائل منذ فجر التاريخ. جاء هذا الجهد تأسيسيا حاسما في الثقافة العراقية والعربية حيث اعتاد اللغويون العرب على وصم أي مفردة لا يجدون لها جذرا بأنها أعجمية. لقد نشر باقر كتابه: (من تراثنا اللغوي القديم أو ما يُسمى بالعربية بالدخيل ) وأثبت فيه أن عشرات من مفردات اللغة العربية الفصحى (القرآنية خصوصا كالله ورسول وعرش وكتاب وغيرها هي ذات أصل سومري أو أكدي) وأن العراقيين يتداولون في لغتهم العامية مفردات سومرية وأكدية كثيرة مثل: خس، كزبرة، بهارات، ملح، أفلي، هرفي، دادا، ماما، إسكافي، ورده، برانية، كرسي، باب، عرصة، الفلفل, الكرّاث , الكمّون , اللوبياء والفجل والشوندر والسمسم والسمّاق والزعفران والرمان والخس والدبس والبصل…. إلخ.. هذا الجهد تتمثل قيمته التأسيسية في تأصيل التصالح وتأمين انسيابية تسلسل الوشائج التاريخية في التطور اللغوي عبر تاريخ هذه الأمة. وفي هذا الكتاب التأسيسي حسم طه باقر الجذر اللغوي لاسم “بغداد” المحروسة الذي كانت كل تأويلاته تعيده إلى منحدر فارسي، بغذاذا، البستان الجميل. وبعض التأويلات رسمت لهذا الإسم الكريم حوادث ساخرة تهين جدية حدث تأسيسها مثل الحادثة “الكاريكاتيرية”، حادثة السؤال الذي وجهه الخليفة (أبو جعفر المنصور) لأحد المزارعين الفرس، وكأن الخليفة العربي ومستشاريه كانوا من الضحالة والهزل إلى حد أن ينتظروا اختيار اسم عاصمة خلافتهم الجبارة من هذا الصعلوك!!  . أثبت طه باقر أن كلمة بغداد عراقية قديمة وأصيلة قائلا:
(إن اسم بغداد يعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد كما ورد في النصوص المسمارية على صيغتين هما: بگدادو وبگدادا .. ويكتبان بالمقاطع المسمارية :”باگ –دا –دو” و “باگ – دادا”مسبوقة بالعلامة الدالة على المدن وهي ” آلو – alu ” ويمكن أن يلفظ الموقع الأول من الإسم بصيغة “باغ” وبالصيغة اللاتينية alu- bag –da –da –du (..) وأقدم وثيقة ورد فيها اسم بغداد ترجع في زمنها إلى عصر الملك البابلي الشهير “حمورابي” – بالمناسبة أصله سوري .. لن تموت هذه الأمة العظيمة!!- (1792-1750قبل الميلاد) سادس ملوك سلالة بابل الأولى.. وتكرر اسم بغداد في العصور التي تلت سلالة بابل الأولى وهو العصر المعروف في تاريخ العراق القديم بالعصر الكشّي أو الكاشي (1500- 1117 قبل الميلاد وأقدمها في حجرة (كدُرّو – kudurruu من عهد الملك الكاشي “نازي مرتاش” (1341-1316 قبل الميلاد) وأنها بالقرب من نهر الملك “نار شرّي”. وتكرر ذكر اسم مدينة “بغدادو” أو “بغدادا” في النصوص المسمارية من العهود التالية ومنها بعض الوثائق الآشورية ما بين القرن الثالث عشر قبل الميلاد والقرن التاسع قبل الميلاد..). ..

2– أول موسوعة عراقية في تاريخ الحضارات القديمة:
يعد كتاب طه باقر “مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة”  بجزئيه من اهم المحطات العلمية في تاريخ العلامة باقر . صدر الكتاب بمجلدين عام 1951 وقد اختص الجزء الاول منه بتاريخ العراق وحضاراته منذ اقدم العصور الحجرية حتى أواخر ايام الدولة البابلية الحديثة عام 536 ق . م . فيما يتعلق الجزء الثاني بتاريخ الحضارات القديمة الأخرى. “ويعد الكتاب بمجلديه من اهم المصادر العالمية التي كتبت في الموضوع ولم ينافسه أي كتاب اخر في هذا المجال حتى الان وقد أعيد طبعه اكثر من عشر مرات وما يزال مطلوبا من القراء والمختصين حتى الان ومقررا في اغلب الجامعات العربية وبعض الجامعات العالمية، ويشكل مرجعا لا غنى عنه للقارئ العام والمختص وطلبة الدراسات العليا واساتذة التاريخ والاثار- معلومة من شبكة الإنترنت” . ولعل من نقاط قوة هذا المشروع الخطير هي الروح السردية التي تسم أسلوب طه باقر فيه من ناحية وكونه مصاغا باسلوب بسيط يجعله كتابا صالحا للمطالعة من قبل القارىء العام من ناحية أخرى. ولم تشهد المكتبة العراقية خصوصا والثقافة العراقية عموما كتابا موسوعيا مثل كتاب باقر قبل ذلك الوقت. وبحدود إطلاعنا لم يصدر بعده كتاب موسوعي في تاريخ العراق القديم بهذه السعة والشمول.
معلومة مدوّخة- التاريخ القاهر يعيد نفسه:
—————————————–
في كتاب باقر “مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة” الجزء الخاص بحضارة وادي الرافدين، معلومة في غاية الخطورة على مستوى المقوم النفسي للتأريخ، حيث ذكر المؤلف أنه في عام 2850 قبل الميلاد، وأكرر في عام 2850 قبل الميلاد هجم على العراق (32) جيشا و(32) ملكا، لحقهم الملك السومري إلى جبال الذهب (عمان) وذبحهم هناك. بعد ما يقارب الخمسة آلاف سنة، وفي العام 1991 تهجم على العراق (32) دولة و(32) “ملكا”!!. ما الذي رسمه إله المصائر السومري على لوح القدر لبلاد الرافدين؟!.
3– الترجمة المؤسسة:
———————–
أ- ترجمته لـ (ملحمة جلجامش):        
وتعتبر ترجمة (طه باقر) لملحمة جلجامش عملا تأسيسيا عظيما. فقد كانت الترجمة الأم التي أخذ عنها بعد ذلك كل من كتب عن الملحمة. وقد قدم باقر فيها درة تاج اساطير البشرية. وكانت ترجمتها يسيرة وبعربية بسيطة بحيث أقبل عليها القراء من مختلف الأعمار حتى نفدت طبعاتها الأربع. وللأسف لم تتم إعادة طباعتها بعد الطبعة الرابعة عام 1980. وتتجلى أهمية الترجمة في جانب آخر يتمثل في أن هناك اتجاها صار متعاضما في العقلية العربية يعد التراث الحضاري القديم ( السومري أو الأوغاريتي مثلا ) تراثا “وثنيا” لا يجوز نشره وتداوله لأنه يتعارض مع ثوابت الفكر الإسلامي الإيمانية. كما أن هذا الموقف كان يراه ايضا بعض الملتزمين بالفكر القومي بصورة متزمتة والذين يؤمنون بأن القومية العربية قد ظهرت مع الإسلام وعليه يجب أن نقطع الصلة بالتراث القديم الذي لا يمت بصلة لجوهر العقلية العربية. فإذا كان هذا الموقف محسوسا في المراحل السابقة للإحتلال فهل نتوقع إعادة نشر هذه الملحمة وتداولها بعد هيمنة القوى الظلامية ضمن المشروع “الديمقراطي” الأمريكي المسلّح. وقد عبر باقر عن أهمية الملحمة في مقدمته لها قائلا: (ولعلني لا أبالغ إذا قلت إنه لو لم يأتنا من حضارة وادي الرافدين، من منجزاتها وعلومها وفنونها شىء سوى هذه الملحمة لكانت جديرة بأن تبوأ تلك الحضارة مكانة سامية بين الحضارات القديمة)، فـ ( ملحمة جلجامش أقدم نوع من أدب الملاحم البطولية في تاريخ جميع الحضارات، وإلى هذا فهي أطول وأكمل ملحمة عرفتها حضارات العالم القديم، وليس ما يُقرن بها أو ما يضاهيها من آداب الحضارات القديمة قبل الإلياذة والأوديسة في الأدب اليوناني). وقد أمسك باقر بروح الملحمة الذي يعكس العبقرية الرافدينية وهي أن جلجامش هو أول إنسان حاول إلغاء المسافة بين الأرض والسماء، بين الله والإنسان، من خلال الحصول على الخلود. كان جلجامش العراقي أول إنسان منذ فجر الخليقة يحتج ويطلق السؤال الرهيب: لماذا أموت؟. وحين يصبح الموت مشكلة بالنسبة لأي إنسان فمعنى ذلك أن شخصيته قد نضجت وأن فجر حضارة جديد سيشرق. يقول “عبد الرحمن بدوي” في كتابه “الموت والعبقرية”:                                                               (فالموت يكون مشكلة حينما يشعر الإنسان شعورا قويا واضحا بهذه الإشكالية في نفسه بطريقة عميقة . وحينما ينظر إلى الموت كما هو ومن حيث اشكاليته هذه ويحاول أن ينفذ إلى سرّه العميق . إن الإحساس بأن الموت مشكلة ، يتطلب الشعور بالشخصية أولا ، فكلما كان الشعور بالشخصية أقوى وأوضح كان الإنسان أقدر على إدراك الموت كمشكلة .. فالموت لا يشكل مشكلة بالنسبة إلى ضعيفي الشخصية .. والنتيجة أن اللحظة التي يبدأ فيها الموت بأن يكون مشكلة بالنسبة إلى أي إنسان ، هي اللحظة التي تؤذن بأن هذا الإنسان قد بلغ درجة قوية من الشعور بالشخصية ، وبالتالي قد بدأ يتحضّر .. ولهذا نجد أن التفكير في الموت يقترن به دائما ميلاد حضارة جديدة ، وما يصدق على روح الأفراد يصدق كذلك على روح الحضارات . وقد فصّل ذلك “اشبنجلر” ، ولهذا كان كل إضعاف للشخصية من شأنه تشويه حقيقة الموت)
أرقام خرافية من مبيعات الملحمة:
ويهمنا القول أن من المظاهر التأسيسية والريادية لترجمة طه باقر لهذه الملحمة هو انه ظل حتى بعد رحيله- مثله مثل العلامة الراحل “علي الوردي”- الأكثر مبيعا في أرقام قد تبدو خرافية الآن. ففي الوقت الحاضر، ونحن في ختام العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لا تطبع المؤسسات العربية الرسمية والخاصة أكثر من ألف أو ألفي نسخة من أغلب الكتب التي تصدرها. لكن يكفينا القول أنه قد بيعت من ملحمة جلجامش أربع آلاف نسخة من طبعتها الثانية في عام 1971!!.
إكتشاف شكل مقارب للعقدة الأوديبية:
وتتجلى القيمة التأسيسية لترجمة باقر في ناحية أخرى اشار إليها بقوله: (.. إنني لا أجد حرجا إذا ادعيت بأن هذه الترجمة العربية هي الترجمة الوحيدة التي تقارب الأصل البابلي بالنظر إلى وشائج القربى بين اللغتين العربية والبابلية). في هذه الترجمة لم تكن المقدمة التي قدمها باقر شافية وكافية في أنها كشفت للقارىء العراقي ولأول مرة خصائص الملحمة وفرادتها وتأثيراتها في آداب الشعوب الأخرى وتمظهر شخصية جلجامش وافعاله في شخصية هرقل وأخيل والإسكندر ذي القرنين وأوديسيوس وغيرهم، ولكن في الدقائق التفصيلية التي حملتها الهوامش التفسيرية والتعليقية التي وضعها باقر لتوضيح بعض ما غمض في الملحمة. ولعله إنجاز كبير أن باقر قد ألغى هذه الحساسية المتأصلة في نفوس المتلقي العربي من أطروحة مركزية للتحليل النفسي وهي “العقدة الأوديبية” التي كانت توسم بأنها غربية مستوردة ومفسدة خصوصا بين رجال الدين. فقد كتب هامشا على الصفحة 52 من الترجمة قال فيها تعليقا على ذكر الكتاب الرومان لاسم جلجامش بصيغة (كلكاموس): (هو الكاتب الروماني “كلوديوس إليانوس” الذي روى قصة طريفة عن جلجامش ملخصها أنه حينما كان الملك (سيوخورس) يحكم بلاد بابل تنبأ الكلدانيون بأن الإبن الذي ستلده ابنته سيغتصب منه العرش، وأنه رغم محاولة هذا الملك في إهلاك الطفل الذي وضعته ابنته برميه من أعلى الحصن شاء القدر أن يبقى على الطفل بأن حمله نسر كان طائرا في أثناء رميه من شرفة الحصن. ثم التقطه أحد خدم القصر وسماه “كل كاموس”، فكبر هذا وحكم البابليين. وهذه أسطورة مضاهية لما ورد في الأساطير اليونانية عن الملك “أرجوس”). وهي في جوهرها أسطورة تتضمن نصف الثيمة المركزية لأسطورة أوديب. وفي هامش آخر (الصفحة 218) يكشف أصل أسطورة الحكماء السبعة اليونانية التي انبهرنا بها ( سبق أن علقنا في ترجمة ملحمة جلجامش على أن أسطورة الحكماء السبعة انتشرت إلى الأمم الأخرى ومنهم اليونان حيث وردت في آدابهم فكرة (الحكماء السبعة) ومنهم الحكيم طاليس والمشرع اليوناني طولون. وينبغي أن لا ننسى جهدا تأسيسيا خطيرا ضمته ترجمة طه باقر للملحمة  وهو أنه اشار بوضوح قبل أي باحث عربي آخر إلى الجذر السومري للآداب والأساطير التوراتية.
تحفيز المبدعين على تناول موضوعة جلجامش:
وبعد ظهور ترجمة طه باقر لملحمة جلجامش حصلت ظاهرتان: الأولى أن الباحثين العراقيين بدأوا بإصدار ترجمات للملحمة تناولوها من زوايا مختلفة مثل الروائي عبد الحق فاضل والباحث الآثاري الدكتور سامي سعيد الأحمد وغيرهما. والثانية أن هذه الترجمة لفتت إنتباه المبدعين العراقيين فبدأوا باستثمار موضوعة الملحمة في قصصهم ورواياتهم ومسرحياتهم وأفلامهم مثل أعمال خضير عبد الأمير ولطفية الدليمي وخزعل الماجدي والرسام (راكان دبدوب ) الذي زينت لوحاته الطبعة الرابعة منها  وفيصل الياسري في السينما وسامي عبد الحميد في المسرح وغيرهم.
ب – ترجمته لكتاب كريمر “ألواح سومر”:
في الترجمة هناك جهد تأسيس آخر لا يقل أهمية ويتمثل في ترجمة باقر لكتاب الباحث الأثاري الأمريكي –الروسي أصلا- الشهير “صموئيل نوح كريمر”: “من ألواح سومر”، هذا الكتاب الذي يثبت بما لا يقبل اللبس أن المنجزات الحضارية الأولى منذ فجر الخليقة جاءت من أرض سومر العراقية. لنلق نظرة سريعة على محتويات الكتاب (456 صفحة) : أول مدرسة، أول حرب أعصاب، أول برلمان، أول مؤرخ، أول مشرّع، أول دستور أدوية، أول تقويم زراعي، أول مثل عليا في الأخلاق، أول “أيوب”، أول أوجه مشابهة للتوراة، أول نوح، أول نظير للقديس جورج، أول أعنية في الحب … وغيرها الكثير من المنجزات الريادية العظيمة التي غيرت وجه البشرية. بهذا الجهد التأسيسي أشاع باقر ولأول مرة نوعا من الشعور الرصين لدى العراقيين ببلادهم وتراثها العظيم وإنجازاتها الجبارة.. بعدها ولأول مرة صرنا نسمع من المواطن العراقي البسيط عبارة “إحنه علمنا البشرية!!” “إحنه اخترعنا العجلة”..
4 – إصدار أول مجلة مختصة بعلوم الآثار:
يأتي جهد تأسيسي آخر لطه باقر في غاية الأهمية ويتمثل في الجهد الذي بذله في إصدار أول مجلة متخصصة بالآثار في الوطن العربي وهي مجلة “سومر”. هذه المجلة يمكن أن نضعها وبلا تردد في مصاف أرفع المجلات الآثارية في الوطن العربي والعالم. ويمكن للقارىء العام والمتخصص أن يتأكد من استنتاجنا من خلال إعادة قراءة أي عدد- وأكرر أي عدد- من أعداد تلك المجلة الضخمة جدا حجما وثراء والتي ستبقى حتى يومنا هذا وفي المستقبل البعيد مصدرا محكما ولا يمكن الإستغناء عنه من قبل أي باحث في حقل تاريخ الحضارات العراقية القديمة.
5- كتاب مقدمة في تاريخ الأدب العراقي القديم:
وهو جهد تأسيسي فريد أيضا. لم يكن العراقيون يعرفون أن لديهم أدبا قديما يعود إلى أكثر من خمسة آلاف سنة إلا عندما نشر “طه باقر” كتابه هذا الذي عالج فيه خصائص الأدب العراقي القديم بصورة واسعة تنم عن دراية عالية وشاملة. لقد بين مكانة هذا الأدب بين الآداب العالمية وموضوعاته وخصائصه ومصادره وأثره في نشوء الكتاب ودوره في الأرشفة وفن المكتبات، كما كان أول باحث يطرح الخصائص العامة لهذا الأدب وتتمثل في: الإزدواج اللغوي، الإعادة والتكرار واستباق النتائج، الشعر والنثر الأدبي، العروض في الشعر البابلي .. وغيرها. وقد دهشت للكيفية التي أعاد فيها باقر مفردة (شعر) إلى أصلها القديم، حيث قال: (.. إن أصل الشعر كان من الغناء والأنشاد الشعبي، ومما يقوي هذا الرأي أن الكلمة التي تُطلق على الشعر في أدب حضارة وادي الرافدين وهي كلمة “شيرو” البابلية و”سير” أو “شِر” (sir ) السومرية التي ظهرت في نظام الكتابة السومرية منذ أول ظهور الكتابة تعني في أصلها الغناء والإنشاد والترنيم. هذا ولا يمكن الجزم هل أن أصل كلمة الشعر السومرية (سرْ أو شرْ) مأخوذ من الكلمة البابلية (شيرو) أو العكس هو الصحيح. على أنه مما يؤيد الأصل البابلي أن هذا المصطلح اللغوي موجود في جميع اللغات العربية القديمة (السامية) مثل (شير) العبرانية و(شور) الآرامية (كلها فقدت حرف العين)، ومن ذلك المصطلح العبراني (شير هَشَّريم) (نشيد الأنشاد المنسوب إلى سليمان في التوراة)، ومن قبيل ذلك ما جاء في المآثر العربية عن أصل العروض والوزن في الشعر أنه من الغناء وحداء الإبل، والمصطلح الأدبي المألوف في رواية الشعر: “وأنشد فلان..)

6- علامات تأسيسية في السيرة الشخصية المجاهدة:
تبقى هناك ملاحظات باهرة ذات مغزى عميق تتعلق بسيرة وجهد طه باقر التأسيسي نذكرها بإيجاز:
أ- طه باقر عندما أرسل في البعثة الدراسية إلى الولايات المتحدة لم يكن قد تخرج من كلية بل كان متفوقا من بين الأربعة الأوائل في الدراسة الثانوية في العراق. في الولايات لمتحدة نال شهادتي البكالوريوس والماجستير.
ب – درس “طه باقر” في “فلسطين” المقدسة فيا لها من أمة ماضيها أشرف من حاضرها.
ج – في ليبيا خلق ثورة حقيقية في مجال العمل الآثاري ولمدة أربع سنوات.
د – كان يعمل ميدانيا في التنقيب وبنفسه فاكتشف معلومات حاسمة غيرت ما كان متداولا عن بعض المواقع الآثارية مثل قصر الخورنق وعكركوف وتل الحرمل وأور وغيرها..
هـ – رفض منصب الوزارة الذي عرضه عليه الزعيم الراحل “عبد الكريم قاسم” وفضل العمل في الآثار فعينه الزعيم مديرا للآثار، وهذا هو السلوك الحقيقي للمبدع المثقف الذي ينبغي أن نقتدي به في مرحلة صار فيها الشأن الثقافي الأصل والأم تابعا بل خادما للشأن السياسي الفرع والإبن المفسد.
 # ملاحظة عابرة:
من الظواهر الهامة في الأثر النفسي المعرفي الذي خلفه الراحل هو أن كل من كتب عنه- أو أغلبهم- كانوا يشيرون إليه بلقب “الدكتور طه باقر”. لكن طه باقر لا يحمل شهادة دكتوراه، بل شهادة ماجستير فقط، وهذا يعكس هيبته العلمية التي أسسها بجهده الفريد الهائل واكتشافاته البحثية الريادية والمؤسسة.
# استنتاج أخير:
ألا يحق لنا الآن القول إن ما قدمه العلامة الراحل “طه باقر” والذي مات ميتة سريعة وغريبة أدعو للتحقق من طبيعتها وأسبابها خصوصا بعد عودته من بريطانيا، والذي امتهن قبره بعد الإحتلال البغيض، لا يُلخص بكتاب تأسيسي واحد مهما كانت أهميته، بل هو مشروع تأسيسي كامل في مجال البحث الأسطوري العربي ستكون له أبلغ النتائج على شخصية أمتنا حين يوضع في موضعه المناسب من نهضتها المعرفية؟؟.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : علامات الترقيم وفوضى الاستخدام.

علمتنا المدرسة، في زمن ما، الأمور ببساطة ودون تعقيد، وتخرجنا ونحن نفهم ما علمنا إياه …

| زيد شحاثة : قواعد الإشتباك في الزمن الأغبر .

يقصد بمفهوم ” قواعد الإشتباك” بأنها النظم أو الأطر أو المبادئ التوجيهية, التي يجب أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.