كريم الثوري: الشعراء أخر الثوار في زمن اللاثورة ؟

ليس دفاعاً عن الشعراء

krem_althwreيعرف ادونيس رائد الحداثة الشعرية الشعر على انه كشف وخلق وابداع يخترق الظاهر الى الباطن ويتجاوز الحاضر الى المستقبل ينتقل من المعلوم الى المجهول ويرى الاشياء المفككة في وحدتها العميقة.
ويصف زرادشت الشاعر- الشعراء- كالجالس على منحدر جبل مقفر يتنصت الى السكون يتوصل الى معرفة ما يحدث بين الارض والسماء واذا هزهم الشعور المرهف خيل لهم ان الطبيعة نفسها اصبحت مغرمة بهم فيرونها تنحني على اذانهم لتلهمهم البيان الساحر والاسرار فيقفون مباهين بالهامهم
وهناك تعريف ذهب ابعد ما يكون بخصوص الشاعر صيرهُ على انه قطعة لهب تقف على الهاوية باستمرار مدفوعة بِجنٍي من اجل تبن ٍ سيحصل حتما عاجلا او اجلا استنادا الى حالة الفقد الاول بحثا عن خلاص يصعب فيه الفصل بين المادة وظلها اي بين الشاعر وشعره

انطلاقا وتتويجا لمفهاهيم الشعر والشعراء نتوصل الى جملة من الحقائق كون الانسان المتلبس بحالات الشيطان او الجني يتحول وفقا لهذه التركيبة المعقدة من حالت السكونية المتناغمة مع الكون برؤية وبرودة اعصاب الى شخص اخر تحدده مفاهيم وسلوكيات واشكالات خارجية لتحيله الى شخص اخر مضطرب الحواس تتحكم به وفق قوانين غاية في التعقيد والسرية……
ان تكون شاعرا يعني ان يتحول الكلام من سيرورة الواقع المرئي والمسموع بلغته الدارجة الى كائن شبه خرافي ناري يتصاعد وفقا لقواعد لا يمكن السيطرة عليها كونها خارج دائرة الحواس إن لم تتحول الحواس فعلا الى جهة يقودها طارىء عليها وهذا ما يطلق عليه بلغة النقاد حلول الالهام الشعري او نزول الشيطان وتقمصه شخص الشاعر وبالتالي يتحول الشاعر الى شخص ممسوس بعد ان استوطنه الجني او شيطان الشعر بطريقة لاشعورية وكلما اقترب الشاعر من حالة الهيام والذوبان في اللامعرف المُلِهم له كلما اصبح خارج قوانين السيطرة وتتحول اقامته الى مساحة الحلم او المتخيل الغائي
اللغة هي الاخرى يصيبها ما اصاب شاخصها فتتحول الى اشكال من الكرات النارية تبعا لطريقة وشكل الاستلهام حتى يصعب بمكان تفكيك رموزها احيانا من قبل لسان الشاعر وعقله ويحتار النقاد في ايجاد تخريجات ناجعة تقترب الى المعقول لتستمع الحواس وتتعرف على الاجواء الحقيقية التي كانت تشاغل صانع الكلمات واي جني كان يتحكم بها
الاشكالية الكبرى فيما يتعلق بالشعر والشعراء لا يمكن النظر اليها من زاوية علم المنطق ولا يمكن بحثها موضوعيا وفق المتعارف عليه للوقوف على حيثياتها بدقة لبديهية بسيطة كون المسلمتين العقليتين اللتين اشرنا اليهما لا يمكنهما قولبة الشعر في بوتقة او اخضاع الشعراء الى منظومة الا في دائرة علم الكلام والفلسفة والماورائيات بسبب مساحة الحرية المتاحة في هذه الابعاد بعيدا عن ضوابط العقلنة والايدلوجيات القاسية في الاحكام والضوابط الميكانيكية التي تشتغل عليها الظواهر
لذلك كانت الرقابة الاصولية باشكالها القومية والماركسية والاسلامية ما كان مقصها يوما بمنآى عن تحركات الشعراء وكان بدورهم اهل الشعرأن التفوا على هذه الرقابات ومارسوا معها كل اساليب التورية كالرمزية والسريالية والعبثية لخلق بدائل وتفسيرات للهروب من مقص السياسي الايديولوجي المقنن
اذن كيف يمكن لنا ان نفسر الحالة الجوانية التي تسيطر على برانية الشاعر وتحيله الى مخلوق ناري او حراري في اوقات معينة وربما ينعكس ذلك بطرق مختلفة على سلوكه العام فيكون شخصا ممسوسا مطاردا على الدوام بتهمة خارجة عن سياقه العام لكنها التصقت به باشكال غير منظورة وربما هو من استدعاها لتبنيها قضيته او لعبته المسلية لتفريغ بوحه او سؤاله غير المعرف؟

الوقائع تشير الى كون الشاعر يمتلك من المواصفات الحسية ما لم يمتلكها الانسان السوي بالمقاييس الرعوية بمعنى اخر انه متكفل بروية العالم بشكل اخر ويريد بألعابه اللونية خلق معادلة تعيد الطمانينة الى شكل وروح العالم من خلال حدسه ولكن هل هذا معقول بلغة اهل المنطق؟ طبعا لا ولكنه نوع من الهروب الى الامام بعدما تمادت وقائع الامور في تزيين الزيف واسباغه بواقع لا مفر منه اي ان شكل ولون الحياة لا يمكن ان يكون الا بهذه التركيبة المجحفة بروية اهل الشعر لذلك اختلقوا لانفسهم عوالم من نسائج مخيلاتهم استطاعوا بها ومن خلالها ان يتعايشوا مع شكل افتراضي لواقع جمالي يتوفر فيه القدر الاكبر من احلامهم وامانيهم المصادرة حتى طريقة التعاطي من خلال اللغة فهي مبتكرة لا تشبه لغة اهل العوام وان كانت الحروف والمخارج والجمل هي ذاتها ولكن طبختها مخيلاتهم باشكال وانماط مختلفة.
بعد هذه الاستفاضة هل نستطيع القول ان الشعراء هم اسوياء وهم يخلقون جمهوريات الاحلام بطرقهم الاقرب الى عبث الطفولة بعيدا عن عقلنة الواقع المهين للانسانية؟
ولم َلا مادامت الحياة على كف عفريت
(غاون قبالة عفريت )معادلة يمكن الاستكانة اليها ليس من باب العلوم العقلية وانما من باب التحدي الانساني فليس من المعقول ان ينتشر الظلم والفساد وتستفحل الكوارث بالبشر وليس هناك من لايحرك ساكنا ويتصدى ولو بالكلمة الحبلى بالرفض والمشاكسة ولو عبر الكلمات ليس الا
لغة بلغة فاذا كان العالم يدفع بوجوهنا بلغة لا نفهمها من حقنا ان نواجهه بلغة لا يفهمها
واحدة بواحدة…….
الشعراء هم اخر الثوار في زمن اللاجدوى واللاثورة
هيجانهم غير المبرر بنظر الاخر له ما يبرره بنظرهم الى ان تستقيم الحياة براحليها
ولن تستقيم…..

شاهد أيضاً

الأديبة ليلى مردان الغائبة الحاضرة
محمد خضر – كركوك

نقطة حياة هل كانت تعلم بأن الموت ذلك الزائر البغيض ينتظرها أما أنه كان يرافقها …

عصام الياسري: الخيال والإبداع يقاوم الإكليل.. ومهرجان غينت السينمائي الدولي شكل فني غامر

لا يوجد استقبال افتتاحي تقليدي، ولكن يوجد وقبل كل شيء الكثير من الترفيه السينمائي. هكذا …

فاروق مصطفى: ذاكرة كركوك/ أصعدُ إلى القلعة بحثآ عن مخطوطاتها المتخيلة

اتذكر جيدآ انني تعرفت الكاتب الروسي الاصل ( هنري ترويات ) عبر روايته الشائقة ( …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *