المبدعة بشرى البستاني ، الشعر فعل في القيمة وتأسيس الجمال*

* حاورها ، أحمد العبيدي
الأستاذة الدكتورة بشرى البستاني ، الشاعرة والناقدة والأستاذة الجامعية الناشطة في ميدانات ثقافية وإعلامية ومجتمعية عدة ، لمع اسمها برسم الكلمات وتنسم عبير اللغة العربية منذ نعومة أظفارها فاغتنت ذاكرتها بالأصيل مثلما أغنت هي الكلمات بفيض الضوء على صفحات الدواوين والمجاميع الشعرية والبحوث والدراسات النقدية، قلمها دائم النهل من تلك الموسيقى الشفافة التي تترنم بها حروفها فهو يستمد طاقته من كيان مرهف بقوته ، من حبها وحلمها المثابر ووجعها وعطاءاتها. شعرها يتوهج بالعواطف المحتدمة وبالسؤال والقضية والألم ، مثلما توهجت دراساتها ومحاضراتها بفيض الإبداع والتألق فهي تبحث دوما عن كل جديد وتسهر من أجل أن تسمو بالآخر ، فليس غريبا أن نجد طلبتها قد تسنموا مواقع متقدمة في مؤسسات الثقافة والأكاديمية والأدب والنقد . عندما تأتي إلى بشرى البستاني فإنك لن تقابل امرأة بالمعنى المعتاد ولكنك ستجد طاقات محتشدة في إنسانة كرست وقتها وجهدها للعمل والكتابة والقراءة والتدريس والإشراف والمتابعة ولكن اللافت في الأمر أن جميع مشاغل بشرى البستاني واهتماماتها تلتقي بهدف واحد هو العمل على الارتقاء بالإنسان وبالثقافة والوعي الإنساني والحرص على تنقية هذا الوعي من الشوائب التي علقت به وأعاقت جوهر فاعليته ، بالإضافة إلى قدرة على موازنة الأنظمة المعرفية بما يتوافق والعقل على مختلف المستويات، يضاف إلى ذلك ريادتها للمناهج النقدية الحديثة ومحاور الحداثة سواء من خلال إبداعها الذي ترجم إلى أكثر من لغة حية أو من خلال تدريسها لمقررات الدراسات العليا في الجامعة أو من خلال بحوثها ودراساتها القيمة والتي تجد صداها على مستوى الناطقين بالعربية عالمياً . كان علي وأنا اصعد الجبل ومن ثم السلم إلى الطابق الثالث في كلية الآداب – حيث تتألق غرفتها بالحضور في زاوية حالمة – أن أُعدَّ لما جئت من أجله فأن تلتقي بشرى البستاني يعني أنك تلتقي جيلا بأكمله ، كما يعني انك ستبحر في عالم مليء بالوعي والمعاناة وعمق الماضي وأصالة الحاضر والعمل الدؤوب في أكثر من مجال. وعندما وصلت كان علي الانتظار لفترة كي أجد لي زمنا ومقعدا في غرفتها المكتظة بالطلبة والباحثين والسائلين والأساتذة بينما تراكمت الكتب والرسائل والأطاريح وأحدث المطبوعات على طاولتها العريضة ، وهنا كان بدء حوارنا ..

1-    بدءاً ..  أخاطب الشاعرة بشرى البستاني ، ماذا بعد الحزن * ..؟
ما بعد الحزن كان الحلم ، والحلم أولا وقبل وبعد كل شيء ، إنه الأبقى الذي لا يخون ، بينما الحنين الدائم خيانةٌ للحاضر وتعطيل لطاقة الحلم عن فاعليته الذاهبة للمستقبل . الحلم حرية  وتطلع وانطلاق ، والحنين بالمعنى الاعتيادي للزمن – لا الميتافيزيقي –  ردة وانكفاء ونكوص . هذا هو الخطأ الستراتيجي الذي عانت منه الثقافة العربية ، إقامة مؤلمة في الحنين – بلا فترة حداد – أو هروب دائم نحو الآخر ، ونسيت توازن الوسط .
2-    هل لديك أغنية جديدة بعد مسيرة نوعية مع الشعر والنقد والفنون ..؟؟
الأغاني لمن يمجد الحياة  متاحة دوما مادامت الحياة ، وإلا لماذا نحيا ..؟

3-    هل حقا ان البحر يصطاد الضفاف* ، أم هي فرضية شاعرة ..من نسج الخيال حسب  ؟
وماذا تفعل الشاعرة إن لم تدع خيالها ينسج بحارا تشتعل أمواجها ساعية لاصطياد ضفافها تكسيرا للحدود كي تنطلق إيجابا وسلبا ، إيجابا نحو الصحارى تطفئ فيها الظمأ وتبتلع الجفاء لتطلع نخلا ووردا ورياحين ، وسلبا تنطلق لاصطياد الضفاف رمز الجمال والتواصل حين يكون الاصطياد تخريبيا حسب قراءة العنوان وربطه مع متن  المجموعة تأويلا ، وهو يحتمل الوجهين معا في جدلية تتداخل فيها المتناقضات دون أن ينفي بعضها بعضا ، فحقوق القراءة قائمة دوما ، تلك هي ممارسة اللعبة المهمة التي تحدث مع النص وفي داخل لغته من اجل الوصول إلى أعلى درجات الفهم التي أكدها الفيلسوف الألماني جادامير  .
4-    أندلسيات لجروح العراق* ، أهي جروح العراق حقا ، أم جروح بشرى البستاني ..؟
هي جروحهما معا مذ وعت الطفلة المشتعلة كم هو فادح حجم العذاب في وطنها وكم هو حجم الخسائر التي تنداح أمام عينيها ، وهي جروح شعب أرهق الظلم كرامة روحه فنفى نفسه في متاهات الداخل والخارج بدل أن يرفض ويثور وينتصر لحياته ومستقبل حلمه .

5-    لماذا تكتب بشرى البستاني ولمن ..؟
تكتب ضرورة كينونتها وكشفا لأزمة هذه الكينونة في توتر وجودها وهي تسعى للسموعلى التشيّء والانفصال ، تكتب حاجتها الجارحة لتحويل محنتها الداخلية إلى الورق في محاولةً لتفكيك ما يمكن معالجته بالوعي من خلال الوقوف أمام متاهات الذات وهي تحتدم بالأسئلة الطافحة بالحيرة أمام مجاهل المصير وأسراره وسلبيات الواقع  بحثا عن المعنى بالكتابة وجها لوجه ، فالأزمة دوما أزمة معنى ، لا إشكالية في الوجود غيره ، والسؤال ينهض ولا يحتوي ، ويتشكل ولا يُفصح عن ممكنات في عصر اختلط فيه كل شيء وانفجرت إيقاعاته ، أكتب لمن تهمه قراءة الإشكاليات الوجودية لتجارب تعيش مخاضا عسيرا في ظروف إنسانية شديدة الإرباك وأوطان تشتعل وأمم تتشظى ، والشعر ليس وثيقة تاريخية لكنه قد يحتوي التاريخ بنبضه أصدق من احتواء كثير ممن يكتبون التاريخ بأدلجة وذرائع ، الشعر ليس نصا جماليا يُنشد في جو مترف حسب أو يُقرأ في ساعة ترويح – مع أهمية متعته الفنية – بل هو حدث ثقافي جمالي بكل ما ينبض في الحدث من وجع ومكابدات   .
6-    ما هي القصيدة الجيدة بمنظورك ؟
سر لا يدركه غير أولي الألباب والموهبة والذوق المرهف ، إنها الومضات النورانية متوهجة بالحب والجمال ومعضلة الحياة وإشكاليات الداخل والخارج ، تلك التي تشد مشاعر القارئ المهموم لمواصلة القراءة  .
7-    أين يكمن العمر الأطول للقصيدة ..؟
في تجربتها الحقيقية المشتعلة والطالعة من أعماق الروح ، في علاقتها الحميمة بإشكالية الذات والوجود مندمجة بوقائع الحياة ومحنة الإنسان وفي بحثها الدائب عن ماهية السر وسمو المعنى ، إذ بهذا المعنى تُبنى المعارف وتُشاد الحضارات وترقى الأمم ، بدونه يفتقد الإنسان جوهر إنسانيته ليُحشر في حياد السكونية حيث الموت في الحياة  ، عمر القصيدة يكمن في انتمائها للتاريخ ولإشارات الواقع وقدرتها على طرح التساؤلات والأسئلة دون انتظار لأجوبة جاهزة ، كون السؤال المأزوم بالوعي لا يقود إلا لسؤال أمام إشكالية العدم والوجود والحضور والغياب ، وإدامة علاقتها بالفلسفة ، فالشعر وسائر الفنون الأصيلة لا يبزغان من فراغ . وبقدرتها على الفيض بالجمال الذي يقاوم عتمة الروح  ويستبدل بظلمة الواقع معادلات ورؤى فنية أجمل تعيد تشكيله من جديد ، ولهذا الجمال أسس ومقومات يتجاذب أطرافها المبدع فنا والمتلقي جمالا  في عمليتي التشكيل وفي الكشف ، ودون ذلك لا يكون الشعر إلا تهويما أو ايهامات تفتقد عمق التجربة الإنسانية التي تمدها بنسغ الحياة  .
8-    هل كانت العودة مع ” مخاطبات حواء* ” مشروعا لتأسيس مملكة خاصة بالنساء  ..؟
ليس ذلك أبداا ، فـ ” النساء والنسوية ” – مصطلحا إيديولوجيا –  ليس هو ما أسعى إليه ولا أنا مؤمنة بكل طروحاته ، كونه يعزل ويفصل وأنا ضد الفصل والعزلة ، بل كان المشروع يخص الأنوثة منطلقا إنسانيا وجماليا وفلسفيا لاحتواء الكون وإحلال التواصل والتناغم ، فالأنثى شقيقة الرجل وحبيبة عوالمه النقية غير الملوثة بالذرائع ، والرجل شقيق روح الأنثى والظلال التي تقيها قسوة لفح الحياة ، وحواء ” أم الأحياء ” وحاضنة الحياة وموطنها معا كما يؤكد المتصوفة ، كونها خلقت من الحياة وليس من تراب يابس وكونها منتجة الحياة وديمومتها ، وعليك أن تستلم الإشارات التي بثها الديوان منها واليها في تواشج وحب حميمين .

9-    وماذا تقولين في مصطلح الأدب النسوي ..؟
قلت ذلك مفصلا في مقدمة أعمالي الشعرية التي صدرت مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت ، ونشرت المقدمة في صحيفة الأديب الثقافية ، وعلى أكثر من موقع أدبي ونقدي منها : الحوار المتمدن والناقد العراقي والمثقف العربي بعنوان : ” الإبداع النسوي بين الخصوصية والسؤال ” . ومصطلح الأدب النسوي من معطيات ما بعد الحداثة ومن صدى مواقفها من الثنائيات ، وخطاب ما بعد الحداثة له سلبياته وايجابياته التي باتت معروفة اليوم .

10-    هل المرأة باعتقادك مظلومة …حقا .؟
أبدا ، ومع أن الظلم موجود ما وجدت المخلوقات نساء ورجالا وفي كل المجالات ، إلا أن المرأة حين تتاح لها فرص العلم والعمل وترفضها …إنما هي ظالمة حقا ، ولا سيما في الوطن العربي ، ظالمة لإنسانيتها ، ظالمة لمجتمعها ووطنها ، ظالمة لخطط التنمية البشرية حين يموت الملايين جوعا جراء انسلال نصف المجتمع- النساء – من واجباتهن في ضرورة المشاركة بتحريك عجلة التنمية الاقتصادية لتقبع بين جدران بيتها مسترخية نؤوم ضحى ، وإلا كيف نفسر حالات العزوف عن العمل لخريجات من مختلف المستويات العلمية وبأعلى الشهادات وهن يتركن الواجب برضى واختيار ، أما القضايا القانونية والحقوقية والسياسية وقانون الأحوال الشخصية والأسرية التي تظلم المرأة فان صمت المرأة عليها وخضوعها واستسلامها هو السبب أيضا في مواصلة الظلم .

11-    ما رأيك بالثقافة العراقية وفنونها  اليوم ..؟
أنت تسألني عن مزهرية كرستال أصيل كانت تزهو وسط صالة الثقافة العربية ، تبدع وتبادر وتقود وتجذب لكنها سقطت على مرمر ، وأدعو الله سبحانه ألا ترى منظر الكرستال وهو يتفتت متطايرا في كل أرجاء الدنيا وفضاءاتها ، فكيف تجمع هذه الأشلاء لتحكم عليها ، نعم حمل المبدعون العراق معهم ، وشكلوا منه وطنا متخيلا محمولا باللغة والقصيدة والرواية واللوحة التشكيلية وحافظوا عليه بالاسترجاع والحنين والذكرى وظلت أجزاء الكرستال مضيئة بالرغم من تفتتها ، لكن ذلك لا يعني أن نواصل الصمت عن الاهتمام بهذه القضية الجوهرية ، قضية المثقف العراقي والثقافة العراقية والتفكير الجدي في كيفيات معالجتها وعودتها ولم شتاتها .  لقد وعت السلطات قدرة الثقافة على التحريض والتحريك لشعوبها في العصر الحديث منذ ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968 ، ولذلك ظلت  تخطط للعمل على إسكات ذلك الصوت الواعي وتغييبه  .

12-    والمثقف العربي ..والأكاديمي ؟
المثقف نسي قولة سارتر في أن وظيفته المهمة هي إزعاج السلطة وإرباكها لتظل في حذر من تحريضه على سلبياتها ، فانقسم إلى خائف من بطشها مهادن لها أو يائس منها ، أو مغادر لوطنه بسببها ، والأكاديمي لحقته الاغتيالات والتصفية فانسحب كليا من الساحة تاركا إياها للجهلة وناهبي البلاد ، بدل أن يتقدم ليأخذ دوره في التخطيط والتحليل وكشف السلبيات وصنع القرار وتأشير عوامل المحنة وإجبار الجهل على الانسحاب .

13-    باعتقادك هل للثقافة أثر أو علاقة فيما يحدث اليوم في العراق وأقطار عربية أخرى من  عنف وكوارث ..؟
نعم ، كل الأثر ، لأن السبب فيما يحدث هو قصور في الوعي الثقافي والسلوكي وقصور في الاستجابة معا ، فحين يعجز العقل عن الإقناع تبدأ ردود فعل الجسد ، وفعل الجسد في هذا الميدان صدام ومحاولات إلغاء وتصفية ، إنه غياب للوعي بضرورة التحضر في القرن الحادي والعشرين ، إنني لا أكاد أصدق ما يحدث .. اقتتال بين الحابل والنابل ، اقتتال مشين بين إنسان وإنسان تجمعهما حقوق وأرض وماض ومستقبل ومشتركات ، اقتتال لأسباب مغيبة يخطط لها الآخر من وراء ستار بسبب جهلنا بمفهوم الحرية والتحرر الذي أدى إلى ضياع الحدود بين حريتي وحريتك وقداسة حرية الآخرين ، وغياب مخجل للسلوكيات الثقافية الحقة والراقية في احترام حدود بعضنا وفي الفهم والتحليل والتأويل ، وغياب مدمر لمفهوم المواطنة السامي ، ولو امتلكنا الوعي بالمواطنة التي يجب أن تعلو على كل ما سواها من مفاهيم طائفية ضيقة ومذهبية عقيمة وأعراق وأعراف لما جرى ما جرى ، نحن شركاء في المصير الواحد من خلال العيش في وطن واحد علينا أن نصونه من الأخطار وان نحافظ عليه وعلى حياة شعبه فردا فردا ، وليتمتع كل فرد فيه بعد ذلك بحرية المعتقد دينا وفلسفة وطرائق عبادة وأساليب حياة لكن بثقافة وتحضر ، ولتصدع مفهوم المواطنة أسبابه أيضا كون المواطن لا يتمتع بحقوقه في المواطنة فالمواطنة  تفاعل قيمي وثقافة مجتمعية يجب تعلمها وتعليمها معا وهي تنظيم علاقات بين الأفراد من جهة وبينهم وبين الجماعة من جهة أخرى ، مما ينقل الإنسان من الحالة الطبيعية الساذجة إلى الحالة المدنية ، إلى مواطن فعّال ، وهذه النقلة الحضارية هي التي سمت بالإنسان من الدوافع الفطرية والبواعث المزاجية والجسدية إلى سمو الحق والعدل والعقل والحوار وأهمية الانتماء للجماعة حيث اتسعت رؤاه من خلال وعي عمليتي الأخذ والعطاء والعمل على إحلال التوازن بينهما ، هنا نبلت عواطفه وسما فكره وارتقى سلوكه وصار هذا التواشج ينتج علاقات جديدة تنظم حياة الأفراد داخل الجماعة من خلال عقد اجتماعي يُغلّب المشتركات وما فيه مصلحة المجتمع والوطن على الاختلافات والتصدعات حيث يكون للمواطنة شخصية اعتبارية تشكل بؤرة مركزية في الدساتير والسياسة المعاصرة يؤازرها التطبيق سلوكا تداوليا يمنحها قيمتها التفاعلية ، لان المواطنة حقوق وواجبات أصلا ،  لكن الأنظمة المستبدة ألغت الحقوق وفرضت الواجبات مما أخل بالمعادلة كليا وصدّع البنيان من أساسه ، إذ لم يعد المواطن المغبون مؤمنا بانتمائه الذي تجاهل حقوقه في توفير عوامل عيشه الأساسية وصون كرامته، وذلك كله يحتاج في معالجاته إلى قلب نظم التربية والتنشئة الوطنية والسياسية والاجتماعية ومناهج التعليم من الروضة حتى التعليم العالي وقلب منهجية وسائل الإعلام رأسا على عقب ، وليس في ذلك صعوبة على المخلصين المتحضرين ، ولكنا نثبت كل يوم للأسف أننا نعيش في قرون مظلمة بل وشديدة الظلمة وأننا لا نمتلك الاستعدادات المطلوبة للتحضر بل لدينا القدرة الدائمة على التراجع والردة والارتداد والكيد والحقد والثأر وتشويه الأديان والانحراف بها عن رسالتها السماوية السامية وأدلجتها ، وأننا لا نمتلك الوعي بالحوار ولا الحوارية ولا بأهمية الانفتاح والتسامح والتأسيس على المحبة ، لا ندرك أهمية قبول الرأي الآخر إلا من خلال الصراع الدموي والقتل والتنكيل ، وننسى أن الشعوب المتقدمة والمتحضرة أيضا تعيش اختلافات من كل الأنواع ، لكنها تعرف كيف تدير صراعها واختلافاتها بعيدا عن الاحتدام والصدام والعنف والدم ، نحن لا نمتلك الإدراك بكيفيات إدارة اختلافنا ولا نعرف فنون الإدارة ، فالإدارة علم وفن وحضارة وفعل في تحقيق الانسجامات ، وما أبعد هذه المصطلحات الجليلة عن واقعنا العربي اليوم  .
14-    ما هو المنهج النقدي الذي تفضلينه في كتابتك النقدية  .؟
ليس هناك منهج مثالي في الكتابة النقدية ، نعم ، لا نقد بلا منهج لكن الناقد المتأني هو الذي يخلق منهجه الملائم للنص المدروس ، من خلال دراسة النص قبل الشروع بالكتابة عبر قراءات عدة وتأمل معمق لتجربة الشاعر او الروائي الكلية ، وعلاقة هذه التجربة بتجارب أخرى في الميدان نفسه ، وفحص مفاصل النص المدروس وحركاته بحثا عن المحاور التي تكشف عن فنيته وتمسك بجمالياته ، فالفن والجمال قيمتان يمسك بهما طرفان ، المبدع فنا والمتلقي جمالا ، وأنا أدرك أن لكل نص  تكوينه الخاص وسماته الفنية ونظمه التي يمتاز بها عن أي نص آخر ، ولذلك فان لكل مقاربة نظامها وطرائق الاشتغال بها، وليس شرطا أن يكون منهجا مقيدا بخطوط صارمة ، فقد تحتاج المقاربة الى التأويل ومن خلال التأويل يمكن الإفادة من طروحات أكثر من آلية  ومنهج ، فالفن يحب المرونة  حتى لا يغدو البحث مدرسيا ، ولان الفن اكبر من كل المناهج  فأنا أتبع المنهج الذي أختطه بنفسي  وأرتئيه مناسبا للنص ، إنه النظام الذي أضع خطوطه برؤيتي من خلال اختيار نقطة البدء والتقاط المفاتيح النصية وتحديد لحظة القفل بالتوقف ، شرط ألا تتناقض  البداية مع  النهاية ، وأن يسود محاور البحث انتظام وانسجام  .
15-    الملاحظ انك كتبت قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ، هل أنت من أنصار قصيدة النثر ، وماذا تقولين لمن لا يعترف بهذا الجنس ..؟

نعم ، كتبت القصيدتين معا ، وقد عد المبدع الأستاذ الدكتور خالد علي مصطفى ديواني ” أنا والأسوار ” الصادر عام 1977 من دواوين قصيدة النثر الرائدة في العراق ، في دراسة له نشرت بصحيفة الأديب . أنا من أنصار كل نص جيد يصدر عن موهبة يؤازرها الوعي والمعرفية الأصيلة والرؤى المعمقة ، فالتوقف عند محطة واحدة هو موت وتحنيط لحركية الإبداع والحياة ، أما أن يعترف الآخرون بهذا الجنس أم لا ، فليس من حق رأينا أن يحجب آراء الآخرين، وليس لنا مع المختلف غير الحوار ، وأعتقد أن الاختلاف لم يكن حول قبول هذا الجنس أو رفضه قدر رفض النماذج الرديئة التي أساءت كثيرا لكل جنس كتبته وتكتبه ولا سيما في قصيدة النثر لان تلك النصوص لم تمتلك شروط الأدب الحق التي بدونها لن يكون أدب ولا نص أدبي ، فلا تجربة ولا تراكيب لغوية سليمة ولا وعي بفن الكتابة ، أما أن تعد قصيدة النثر شعرا أو جنسا أدبيا قائما بذاته فالتسميات في رأيي لا تمثل إشكالية مستعصية حين يتوفر النص على شروطه الإبداعية ، وقد تعايش منذ عقود مصطلحا الشعر الحر وشعر التفعيلة دون أي صراع مع أننا ندرك الفرق القائم بين المصطلحين ، فما يُعده بعضهم إرباكا مصطلحيا يجده الآخرون ثراء مصطلحيا على ألا تتناقض المفاهيم ، وما أراه أنا جنسا أدبيا تعده أنت شعرا ولنختلف حول شروط الشعر وحدوده وعلى مصطلح الإيقاع الداخلي أهو موسيقى حقا  أم لا ،  لنتفق في النهاية على سعة أفق الشعرية ورحابتها وانفتاحها بحيث صار كل شئ جميل يمكن أن يدخل في حيزها  حسب بول فاليري ، على أن جودة النص تكمن في قدرته على احتواء القيمة الفنية ، قيمة الفعل والتأثير  .

16-    من خلال تعاملك مع المصطلح النقدي فأنت من دعاة الحداثة ، وذلك ما انعكس على درسك النقدي وعلى طلابك ومن أشرفت و تشرفين عليهم …ما قولك في ذلك ؟
نعم ، الحداثة ضرورةٌ لأن تحيا عصرك وزمنك ، وتكون في قلب وقائعه لكن بروح الثائر العاشق لفعل القيمة والجمال ،متسائلا ومتجاوزا ومستكشفا ومخترقا الساكن والمألوف الراكد ، شرط ألا تقطع علاقتك بما هو متألق في تراثك الذي يحمل هويتك وخصوصية ثقافتك ومشتركات مواطنيك وإلا كنت مشردا تابعا لأزمان الآخرين ورهين ظروفهم ومعلقا على رؤاهم ، على ألا يُفهم من الهوية معنى الثبوت والاستقرار والعودة للوراء ، لان التاريخ ليس وجودا مستقلا ثاويا في الماضي ومنعزلا عن وعينا الراهن وافق ثقافتنا الحاضرة كما ان الحاضر لا يمكن عزله عن التقاليد الموروثة الآتية إلينا من الماضي ، فالهوية مرتبطة بالوجود وهي تعبير عن السمات الكلية المشتركة والروابط الحميمة لكنها تاريخية بمعنى متطورة ، وتطورها لا يتم إلا ضمن شرطها الزمني من خلال نظرة كلية تعي ما نحن فيه من لبس وإشكاليات ، ولذلك فان في كل هوية ما هو تأسيسي يتعلق بالمشترك ، وفي نموها ما سمته الحركية وضرورة النماء والتطور والإضافة والاستمرار, الحداثة أن تتجلى فكرا وفنا وموقفا وحدسا وسؤالا ، وكما أنها مصطلح ملتبس لم يستطع أن يتبلور في تعريف جامع سواء في مفهومه ام في تاريخ انبثاقه غربا ، فهي مصطلح مُلبس كذلك كونها قائمة على السؤال الدائم وعلى الرحيل والسفر والتحولات والسعي نحو البحث عن ومضة في أعماق العتمة وفي مساءلة الواقع العسير .
17-   صاحبت انطلاقة الحداثة ترجمة المصطلح النقدي الغربي الذي قابله انحسار في المصطلح النقدي العربي ، ماذا تقول الأكاديمية والناقدة  بشرى البستاني في الأمر؟

بدأت أسئلتك تتواصل مع بعضها ، وعليه أقول فيما أعتقد أننا لم نبدأ في نهضة ثقافتنا العربية بداية صحيحة تحتم علينا الانطلاق من جذورنا الحية الواثبة والمتألقة معرفة وفكرا رصينا في ذلك الزمن الذي واكبته لنبني عليه ثقافة عصرنا الجديد ، بل ذهبت النخبة فينا – ولأسباب كان مخططا لها – إلى الانبهار بالغرب ثقافة وفكرا وسلوكا من خلال البعثات والترجمات والحملات التبشيرية ومحاولات الاستغراب ، وبديهي أن للغرب ظروفه التي تختلف عن ظروفنا ، فقد بدأت الحداثة عندهم شاملة من أصغر جزئيات الحياة في مجتمعاتهم الى كلياتها ، حتى صارت حداثة الفنون عندهم أمرا طبيعيا مواكبا وناتجا لحركة المجتمع وحداثته ، أما نحن فقد استعرنا حداثة جماليات تلك الفنون فقط ولاسيما في الشعر والرواية والتشكيل لانا لم نكن قادرين – وما زلنا – على إجراء تحديث في مجتمعنا العربي لأسباب داخلية وخارجية معا ولو بدأنا من ذلك التراث النقدي العربي العريق منذ أول وثيقة نقدية خطها ابن سلام الجمحي الى ابن قتيبة والجاحظ والجرجاني وقدامة والحاتمي والقرطاجني وكثير غيرهم لاختلفت المسيرة حتما ، ومع الانفجار المعرفي والمعلوماتي الهائل الذي صحب التطور العلمي في الحضارة الغربية في النصف الثاني من القرن العشرين والذي أدى الى هيمنة تلك الحضارة وتسيدها كليا في فكرة التمركز الغربي والعولمة التي حملت في علنها التواصل وأضمرت في داخلها الأسود محو هويات الشعوب واستلاب سماتها الجوهرية في الاختلاف والخصوصية ، لكن كل تلك الحقائق لم تستطع الحد من مواصلة انبهار المثقفين العرب الذين غضوا النظر عن مخاطر تلك الحضارة بينما جرى ويجري اعتراف كثير من مفكريها وفلاسفتها بكونها حضارة تنطوي على أخطار إنسانية جمة ، ولم تستطع تلك الحقائق كذلك الحدَّ من انصرافهم إلى الاعتماد على ترجمة الفكر الغربي ونقده ونظرياته من اجل استئناف الدرس النقدي العربي والعمل على تطويره ، فظل النقد الغربي والمصطلح الغربي قبلة معظم المثقفين ، وكانت النتيجة الحتمية انحسار المصطلح النقدي العربي الذي هو مصطلح حضارة مغلوبة على أمرها ، أمام حضارة غالبة ومتسلطة ومبهرة بمظاهرها وفعلها الاكتشافي كل يوم ، فضلا عن كونه مصطلحا قديما  لم تجر عليه عمليات الإثراء والتخصيب والتطوير والدراسة والمقارنات ، نعم نحن في الجامعات درسنا المصطلح النقدي العربي ودرّسناه وكتبنا فيه رسائل وأطاريح دكتوراه ، لكن أين الدعم الذي قدم لهذه الدراسات و منها ما كان ممتازا في توجهاته . ؟

18- بالوقوف عند سوسير نجده قد استفاد من طروحات الجاحظ والجرجاني وآخرين  فلماذا لا نؤسس نحن نظرية نقدية عربية حديثة ذات هوية ثقافية خاصة بها ..؟
نعم أفاد الدرس اللغوي والنقدي الغربي كثيرا من طروحات علماء تراثنا العربي اللغوي والنقدي وبعضهم أشار عدة مرات لكتبنا وعلمائنا كالفرنسي رولان بارت وكثير منهم لم يشيروا ، لكن تأسيس نظرية عربية سواء كانت لغوية أم نقدية لا يتشكل بجهد فردي ولا بحوار جماعات مهما كان إبداع هؤلاء الأفراد والجماعات فائقا ، لان مثل هذا المشروع الذي أطلقتَ عليه ( نظرية ) مرتهن بالظروف المحيطة به ، كونه جزءا من حركة مجتمعية وحضارية شاملة ، وهذه الحركة لم تستطع أن تمتلك شرطها الإبداعي ولا التاريخي حتى اليوم لأسباب تتضافر عليها عوامل داخلية وخارجية تمنعها من ولوج عالم يتيح لها إنتاج المعرفة إنتاجا حرا ، فنحن لا نمتلك جو البحث العلمي الابداعي الحواري الرصين والمنفتح الذي يساعد الباحث على مواصلة دراسات معمقة بفكر مبدع حر لا يخشى سطوة الرصد ولا المساءلة ، ولا نهتم بتعميق ثقافة الباحث المثابر ولانمتلك المصادر التي يحتاجها ولا الدعم المادي الذي يطور بحوثه ، من هنا صار لباحثينا المبدعين الذين احتواهم الغرب نظريات وتوجهات ومشاريع وأسماء عالمية كإيهاب حسن وسلمى الخضراء وأدوارد سعيد ، ويعرف المختصون والمتأملون أن ما يُهدر في الجامعات العراقية والعربية من جهد معرفي وإنساني لا يمكن تصور خساراته ، فنحن وطلبتنا المثابرون نبذل في كل كورس دراسي ولا سيما في محاضرات  الدكتوراه ما لا يقل إطلاقا عما بذله طلبة وأساتذة جامعات موسكو وبراغ وكونستانس الألمانية وغيرهم ، لكن أولئك الحكومات والجامعات والمؤسسات الثقافية كانوا يقدرون جهد أساتذتهم وطلبتهم وجامعاتهم ويعرفون قيمة الفعل الأكاديمي الذي يُبذل في تلك المحاضرات ودوره القيادي في صنع قرار علمي ، فشجعوا ودعموا ونشروا البحوث التي تمخضت عن تلك الحوارات وغيرت مجرى المنهجيات من خلال الدرس المعمق لما هو قديم وحديث ومن خلال الموازنات والربط والحوار ، وعبر تلك الجهود شكلوا تيارات ونظريات جديدة ، أما نحن فيذهب كل شيء سدى ، والمفروض أن تجمع الحوارات الأصيلة والبحوث الجادة المعدة في كل كورس دراسي لتطبع وتوضع على مائدة البحث في مستويات أعلى من أجل تطويرها وتعميق مقترحاتها ، لكن ذلك ما كان ولن يكون على المدى القريب بسبب ما نعيش فيه من أجواء بعيدة عن الاهتمام بالعلم وتطويره وبالمعرفة وأصولها  ، ما تقوله الآن من تشكيل نظرية نقدية عربية اقترحه أستاذنا الدكتور عبد العزيز حمودة رحمه الله ، وبالرغم من حرصه على تقديم طروحات نظرية مهمة ومقترحات في هذا الجانب عبر كتبه الثلاثة القيمة ( المرايا المحدبة والمرايا المقعرة والخروج من التيه ) لكن الأمر انطوى دون أية دراسة أو اهتمام ، للأسباب التي ذكرتها آنفا ولأنه كان يحتاج لمتابعة وتنظيم ومؤازرة وتأصيل ، والثقافي لدينا يحتاج دوما لدعم السياسي بدلا من أن يقوده ويرسم توجهاته ، والسياسي مهووس بالمكاسب والكراسي ولا تعنيه الثقافة ولا التراث ولا بناء المعرفة وأسسها الحضارية في شيء ، ودعم الأكاديمي مخجل في ميزانيات دولنا في الوطن العربي مع أن الدول المتقدمة ترصد للأكاديميات ما يزيد على نصف ميزانياتها ، لأن المختبر العلمي التحليلي في الجامعات المتقدمة هو صانع قرار المستقبل الوطني للبلاد في السياسة والاقتصاد والاجتماع ، وفي رسم الخطط الإستراتيجية للعلاقات الدولية أما نحن ، فمن سيستمع لنا ونحن ندعو بكل إخلاص لبناء نظرية نقدية عربية ذات هوية ثقافية خاصة بنا ، هوية تحاور ولا تتلقى بسكونية وتصديق ، وتبدع ولا تتبع  ..؟
19-الإرباك في المصطلح النقدي حقيقة أشارت إليها بشرى البستاني في أكثر من دراسة ومحاضرة ، أهي مشكلة الترجمة باعتقادك  .؟
الإرباك المصطلحي  مشكلة حقيقية يجدها  الدارس حال ولوجه فضاء النقد العربي ولوجا متأنيا ، وإشكالية الأمر باعتقادي تعود لسبب أكبر من الترجمة ، إنه في التبعية الحضارية التي بات خطرها شاملا ، لأنه لا يقتصر على الجانب الثقافي والمصطلح النقدي ، بل بات يهدد وجود الأمة برمتها كونه يهدد اللغة العربية كيانا ، حتى وصل الأمر الى تنبيه اليونسكو بأن اللغة العربية أضحت من اللغات المهددة بالانقراض ، وحين سألني طالبي محتجا : كيف وفينا القرآن الكريم ، أجبته يعرف خبراء اليونسكو أن القرآن فينا لكنا حين سنواصل إهمال لغتنا والحرص على ثرائها وإثرائها وتخصيب معطياتها سنقرأ قرآننا العظيم كما يقرأه المسلم الماليزي والهندي والتركي والباكستاني وغيرهم ، وهذا أمر يطول الحديث فيه وبأسبابه الحقيقية التي تتجلى في  انتشار العاميات والتشجيع عليها وفي الهبوط المفجع لمستوى تعليم اللغة العربية : معلما لا يجيد فن التوصيل ومتعلما محايدا ومنهجا سكونيا ، وما يتبع ذلك من غياب التحدث السليم والكتابة الرصينة بها عبر وسائل الإعلام والثقافة بحجة صعوبتها ، متناسين وجود لغات صعبة ومعقدة لكنها ما زالت تنمو وتزدهر وتخصب بعناية أهلها بها واحترامهم لها كالصينية واليابانية وغيرهما ، أما الإشكالية الخاصة بالترجمة فترجع لأسباب كثيرة منها ما هو متعلق باللغتين الناقلة والمنقولة وبقضية إتقان اللغة والقدرة على ولوج روحها الحضاري : لغة المترجم القائم بعملية الترجمة ولغة النص المترجَم ، ومنها ما يتعلق بالجانب المعرفي الذي يحتم على المترجم ان يكون ذكيا باختيار موضوعه الذي سيترجمه ، عارفا به معرفة شمولية ، ملما بجوانبه وشؤونه الماما كاملا ، مطلعا على مرجعياته الثقافية والقيمية ، واعيا بأهميته ، وقد أشار جدنا الجاحظ في الجزء الأول من كتابه الحيوان إلى إشكاليات الترجمة وشروط المترجم منذ ذلك العصر مؤكدا ضرورة العلم باللغتين وبطبيعة عصر النص المترجم وروح النص نفسه والقدرة على ضبط التوازن لحظة يكون المترجم داخل عملية الجذب بين اللغتين فحالَ انصياعه لروح واحدة من اللغتين سيعمل على غبن اللغة الثانية ، ومن قضايا الترجمة المهمة  ما يتعلق بالجانب الحضاري ، ذلك ان اللغة ، أية لغة ما هي الا وليدة حضارتها ولذلك تضعف اللغة بضعف حضارتها وتقوى وتهيمن بقوتها ، يضاف لذلك قضية أخرى هي أن معظم المناهج النقدية السارية في الثقافة العربية اليوم هي مناهج منقولة عن الغرب ، ومن الطبيعي أن تصحب هذه المناهج أجهزتها المصطلحية التي تشكل هيكليتها ، ولكل ذلك طبيعة تشكله وروحه التي تنتمي لحضارة مغايرة ، تأتي إلينا لتجري روحها في نصنا المغاير وما في هذه العملية من إرباك واستلاب حقيقيين يبذل الباحث الواعي أمامهما جهدا لإحلال نوع من التكيف المطلوب ، هذا فضلا عن أسباب أخرى تخص طبيعة الثقافة العربية ومؤسساتها وخطابها السياسي ، فلا يخفى أن الثقافة العربية جزء من حركة المجتمع العربي الذي يعيش حالة بائسة من التشرذم ، تعكس حالة ترجمية منقسمة على ذاتها هي الأخرى ومشوشة ،والدليل على ذلك انقسام الترجمة على  مدارس عدة اتخذت لها مسميات أطلق عليها المدرسة العراقية والمدرسة الشامية ثم المدرسة المغاربية التي تترجم عن الفرنسية ، وهذا أدى الى الاختلاف في تحديد المصطلح الواحد وفي ترجمته حتى داخل المدرسة الواحدة ، مما يجعل الإرباك سمة واضحة في الأجهزة المصطلحية . ويؤكد الدكتور محمود الهاشمي في دراسة له بمجلة علامات ان ترجمة مصطلح مثل ( poetics ) وهو مصطلح شائع الاستعمال في النقد العربي اليوم  يترجم في تونس بـ (الإنشائية ) وفي المغرب بـ ( الشعرية ) وأحيانا  بـ (الأدبية ) والأصل في  اليونانية ( قرض الشعر) وحين يشار لكتاب ارسطو كان المصطلح  يعني ( النظرية الشعرية ) وهو الآن  يشير الى ( النظرية الأدبية )  ثم  (النظرية الأدبية للسرد ) او (نظرية السرد)  او ( أدبية السرد ) وهكذا يتواصل التشويش في مصطلح واحد فكيف سيكون الأمر على مستوى اشمل …؟  إن مجمل أسباب ما يحدث في الترجمة الى العربية ومنها يعود لغياب مؤسسة موحدة ترعى الترجمة في الوطن العربي سواء على مستوى وزارات الثقافة أم على مستوى اتحاد الأدباء والكتاب العرب ، أم المجامع العلمية ، أم على مستوى المترجمين العرب أنفسهم ، ولذلك صارت الترجمة أكثر الأحيان  ميكانيكية مشاعة لكل من عرف استعمال القواميس دون اهتمام دقيق بأهمية هذا الفعل ونتائجه ، وهذا خطر علمي ومعرفي فادح ، فالترجمة علم وفن ومعرفة سوسيولوجية وحضارية عميقة فضلا عن سرعة التطور الحضاري والانفجارات المعرفية الجارية في الغرب واختلاف الرؤيا والتوجهات التي تجرُّ معها تطورا سريعا في النظريات والمناهج وفي مصطلحاتها ، فهذا الانفجار يتطلب مواكبة مصطلحية تتغير باستمرار لحاجة المفاهيم المتطورة إلى تكثيف حالها في مصطلحات مما يزيد الطين بلة ، كونه يعمل على إرباك المصطلح وتداخله في بيئته الأصلية فكيف وهو يُترجم للغة أخرى .؟
إن اصطدام الآراء وتقلبات الرؤى وإرباك المصطلح ، وافتقارنا لمؤسسة نقدية معرفية عربية  تخطط وتستشرف وتنظم وتوحد وتجمع جهد المترجمات والمترجمين العرب البارعين الذين صارت ترجماتهم مصادر مهمة في البحثين اللغوي والنقدي كجهد استاذنا الدكتور يوئيل عزيز والمبدعة العراقية مي مظفر ، واذا كانت لا تحضرني الا اسماء القلة منهم فلغياب مثل هذه المؤسسة العربية الجامعة . كل ذلك يجعلنا بحاجة ماسة إلى التوجه الجاد نحو تأسيس مشروع ثقافي نقدي ترجمي عربي لا ينبهر ويتبع ، بل يتأنى ويدرس واقعه ، ويستكشف حال الترجمة لدى الأمم الأخرى فتجارب الآخرين وخبراتهم تختصر لنا طرق الوصول للهدف حينما ندرك ميادين احتياج أمتنا المعرفية لنرد مصادرها الأصلية .
إن الترجمة من العربية واليها تعاني من إشكاليات جمة ، من الفقر المادي والعلمي والتنظيمي ، كما تعاني من هبوط شديد في نسبة ما يترجم إلى العربية ومنها ، وما تتم ترجمته يعاني من فقدان الدقة والتخطيط الستراتيجي المدروس والدارس لحاجتنا وحاجة ثقافتنا إبداعا ونقدا وعلما ومعارف . ولا ادل على بؤس حال الترجمة في الثقافة العربية مما عاناه مشروع ( بروتا ) الرائد من عقبات والذي أسسته الموسوعية العربية المبدعة الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي عام 1980 ، والذي حرصت فيه على نشر الثقافة العربية والتعريف بها في كل ارجاء العالم مؤكدة عبر مسيرتها ان الجهد المبذول ماديا ومعنويا في هذا المجال هو اقل بكثير مما تحتاجه رسالة حضارتنا العربية العظيمة ،  وبالرغم مما قدمته من منجز بالغ الأهمية عبر أكثر من ثلاثين عاما إلا أن مشروعها لم ينل الدعم المادي والمعنوي الذي يستحق ، بالرغم مما قدم من خدمة جليلة للتراث العربي الحضاري في الماضي والحاضر معا ، ولو نال الدعم الذي يوازي هدفه لأحدث نقلة حضارية نوعية للثقافة العربية عالميا ، ومثله الآن مشاريع فتية تنمو بجهد عصامي سيزدهر لو نال الرعاية المادية الكافية كالمشروع الترجمي الذي تضطلع به مؤسسة السياب للطباعة والنشر والترجمة وأمثالها من المؤسسات المعرفية الفتية في الوطن العربي .

20-التواصل الموجود بين الإبداع الشعري والنقدي عند بشرى البستاني ، هل ينطبق على طلبتك الدارسين لديك واغلبهم من الأدباء ؟ وهل أنت راضية عن الحصاد بعد كل هذا الجهد والعناء ..؟
ليس سهلا أن يجمع الإنسان بين أكثر من عمل تأملي وتأويلي جاد لأن ذلك يحتاج جهدا مضاعفا من التركيز، والتركيز من أصعب الفعاليات التي تمارسها خلايا المخ الإنساني ، لأنه يجري في أعلى مستويات التفكير وأدقها  وأكثرها رهافة في الاشتغال  ، لكن اشتباك الأسئلة الوجودية وشدة إلحاحها في الداخل هو الذي يدفع الإنسان الذي يعاني من تلك الاشتباكات للعمل على تنويع وسائل الاستجابة والمجابهة والمعالجات بحثا عن أجوبة ، وهذه الأجوبة لا تطفئ الأسئلة ، ، بل تسعى إلى إحداث نوع من التوازن الذي يخفف توترها ، لكنها ما تلبث أن تنهض من جديد لأن سؤال الذات في صيرورة دائمة ، يتواصل ويتغير ويتجدد ويتطور ، ولقد كانت تجربة الشعر والنقد والإشراف الأكاديمي من أصعب التجارب التي عشتها إرهاقا وتركيزا ومسؤولية لأنها تدور ما بين الفن والإنسان ، وهما أصعب الدوائر الحياتية إطلاقا ، وتلك كلها آليات ووسائل نبيلة لإحلال نوع من الانسجام الذاتي في الوقوف أمام الأسرار والمصير وعوامل الاغتراب واشتباك التناقضات التي تعد طبيعة تكوينية من طبائع الحياة وجاءت الحضارة المعاصرة بتطورها المعلوماتي الهائل لتزيد من حدة  الاستلابات المتنوعة التي نعيشها ، لكني بالرغم من كل ذلك العناء كنت أبصر بعيني جمال نتائج تلك المثابرة وأناقتها ، وأعيش فرح تحققها على المستويات التي ذكرتها كافة ، ولذلك فأنا راضية كل الرضا عن حصاد تحقق في منجز بفضل الله سبحانه ، وسعيدة أني كنت مخلصة  للمعرفة ، منطلقة من إيمان عميق بان العلم والمعارف النبيلة هي أسمى وسائل تطوير الإنسان وبناء الحياة ،  صادقة مع نفسي ومع من عملت معهم ، نقية الهدف والمسعى في كل ما قدمت ، ومبتهجة أكثر أن أرى منهجي ساريا في سلوكيات كثير من طلبتي الذين ذكرتَهم وهم يتألقون في القيادات الأكاديمية والعلمية مبدعين وباحثين جادين ومثابرين داخل العراق وخارجه ، وكثير منهم يجمع الشعري والنقدي وبعضهم التشكيلي والرياضي بمستويات إبداعية ، ولولا كثرتهم لذكرت أسماءهم وأسماءهن جميعا ، وكثير منهم أصدر أكثر من مدونة في النقد والشعر والقصة ، وأتمنى دوما لو كان نتاجهم متتابعا أكثر لكن ظروف حياتهم الشخصية والعائلية تختلف عن ظروفي المتفرغة كليا للعمل والمهيأة له بحكم الرعاية الشاملة التي تحيطني في كلا الجانبين الأسري والعملي ، لكن أملي بهم موصول كونهم يمتلكون مواهب وإمكانيات حقيقية وثقتي كبيرة في تحقيقهم ما أصبو إليه فيهم وما أتمناه لهم من إنجاز  .

**** ما بعد الحزن ، البحر يصطاد الضفاف ، أندلسيات لجروح العراق ، مخاطبات حواء ..عنوانات لدواوين الشاعرة بشرى البستاني .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هايل علي المذابي : حوار مع الفنان والناقد المسرحي العراقي د. محمد سيف .

“أي أمل هذا الذي لا زلنا محكومين به أيها السيد المبجل” الفنان والناقد المسرحي العراقي …

| حوار تربوي يجيب عليه المشرف التربوي فراس حج محمد .

فريق منهجيات: وصلني عبر البريد الإلكتروني، هذه الأسئلة من موقع مجلة منهجيات التربوية (بدر عثمان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.