علي السوداني : مكاتيب عراقية كلاوات أدبية وفنية

إن سئلت عن الكلاوات ــ أطال الله عمرك وفاض ريعك ــ فإن واحدها، كلاو، وعاملها هو الكلاوجي، بتعجيم الجيم، ومؤنثها، كلاوجية، وقد يتصادف أن تكون خالة الكلاوجية، كلاوجية مثلها، وتلك ومقترباتها المسماة، لم أقع عليها، الا في معجم اللهجة الرافدينية الحلوة، السائحة فوق ألسنة الناس، العامة منهم، والنخب المنتخبة. أما معنى الكلاو ــ حبيبي وقارئي ــ فهو خلطة موزونة من خديعة ومكر وكذب، وهذا الأخير، ينطبخ بموضع كلامنا هذا، على صنفين الأبيض منه، والأسود . وقد شفتُ وقرأت وسمعت عن سلال مكتظة بالكلاوات، جاء بها، فنانون وأدباء، وعاملون كادّون في حقل الفنون الجميلة، كثرة كاثرة منهم، كنت أدركتهم ومالحتهم، وشلتُ كؤوس العافية، رانّة بعافيتهم، وأنصتُّ اليهم، حتى صار بمستطاع خشمي، أن يشمّ رائحة الكلاو، حتى لو كان منسوجاً خلف سور الصين العظيم. ولكي لا يذهب كلامنا، كما هواء بشبك، سآتي على ذكر واحد صديق أديب، كتب شهادة عن نفسه ومنزلته، وفي واحد من مفاصلها، أعلم القوم بأن نتاجه القصصي، قد تمت ترجمته الى غير لغة ولغة، والحق أن صاحبي، كانت ترجمت كمشة من قصار قصصه، الى لغة ميتة يتداولها شعب صغير، يجاهد الآن كي لا ينقرض. هذا صديق كلاوجي. أعرف صديقة رسامة من منزلة نص ردن كتبت في دفتر عرضها الثاني، أن لوحاتها، مشتراة ومنتقاة في كمشة من أمصار الأرض، وأنا أدري، أن صاحبتي، كانت أهدت كوشراً من رسماتها البائرات، الى مجموعة من صحب مهاجرين مقهورين، رشّتهم الأيام السود فوق الكوكب، فصار واحدهم فوق قطب الأرض، والثاني في خاصرتها، وثمة لوحة بائسة تتدندل من على حائط الغريب . صاحبتي الرسامة هذه، كلاوجية. وعندي صديق شاعر، ختم على سيرته، نبأ ذلك الفوز العظيم، بجائزة للشعر الكوني، وإذ بحوَشنا في ماهية تلك الجائزة المبهجة، وجدنا أن الخال الطيب غوغل يبدي أسفاً وحسرة، لأن نتائج البحث، لا تظهر شيئاً ذا صلة. هذا الشاعر النطّاع، هو من عتاة الكلاوجية . وعندك كومة مكومة، وكثرة كاثرة، من كتّاب وفنانين، كان نصف نتاجهم، مردوحاً بباب الرئيس صدام حسين، وبعد أن دارت الدوائر ودالت، والريح مالت، شالوا المايكروفونات بقوة، وراحوا يتمنطقون عن دكتاتورية أيام فائتة، حتى انترست جيوبهم بالدنانير، ونامت في بطونهم، أثمن الحيوانات، فصمّوا الأذن، وأغلقوا الفم، وسدوا العين، عن مرأى بلاد مريضة كسيحة، كسر ظهرها الغزاة. هذا الصنف من المبدعين هو بحق، من أخطر صنوف الكلاوجية. عندي ثلاثة أصدقاء، كانوا يكدّون في باب النقد الأدبي، وعندما بارت بضاعتهم، هجوا ونفروا صوب باب دسمة مدسمة، فصار عنوان واحدهم هو محلل سياسي يقول قوله، بلغة لا تفهم باطلها من حقها، فيرضى عنه السلطان، فيشمر بعبّه، صرة ذهب، أما أنت، فتنهض، متثاقلاً مدحوراً مكفهراً تالفاً، صوب فراشك، وقبل أن ينشقّ حلقك من قوة التثاؤب وفرط الهزيمة، ترمي صحبك بصاروخ من فئة موت الكرفك يا بيعار يا قشمر وهؤلاء كلاوجية، زادتهم الشاشات، دربة وخبرة وقلة أدب. حفظ الله بلادي والولد، من كل كلاو مبين. شكراً جداً .

* عن جريدة “الزمان”

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| شكيب  كاظم : ” پيدرو بارامو ” رواية غرائبية عسيرة الفهم  ذات  لمحات  إنسانية .

وأنت تقرأ رواية( پيدرو بارامو) للروائي المكسيكي( خوان رولفو )(١٩١٨-١٩٨٦) تناجي نفسك وتحاورها، ما ألذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.