جميل الشبيبي : الكاف المجرورة في بصمات قلب

سيكون الحديث عن قصيدة النثر النسوية وإمكاناتها في فتح آفاق جديدة ومبتكرة في عوالم هذه القصيدة مكررا ، لكثرة ما كتب فيه تنظيرا وتطبيقا ، غير أن هذا الميدان الكبير يحتاج فعلا إلى جهود نقدية تعمد إلى قراءة القصيدة النسوية قراءة جادة تستكشف عالمها ومجازاتها الجديدة والمبتكرة ، باعتبار أن للمرأة عالما خاصا تعيش فيه ضمن حدود وتابوات يفرضها المجتمع ليس في شرقنا بل ايضا حتى في المجتمعات المتطورة ، تؤكد ذلك ظهور الحركة النسوية العالمية والأصوات المتعددة التي تنتصر للمرأة  .
ان قراءة القصيدة النسوية (وليست قصيدة المرأة) بشكل جاد سيؤسس فضاءا جديدا لقصيدة النثر وإمكاناتها في احتواء التجارب بكل تنوعها وغرابتها ، وسيكشف نمطا فريدا من المجازات والصور والبناءات اللغوية لا تتوفر في قصيدة الشعراء الرجال ، بسبب التجارب الخاصة للمرأة في تلقي تحديات الحياة ، وصعوباتها ، فاذا كان الرجل يعاني من تحديات الواقع وصعوبات الانسجام معه ، فالمرأة تعاني من  صعوبات مضاعفة أهمها أعباء الرجل الكثيرة التي يلقيها عليها وكأنها سبب أساسي في عذاباته وصعوبات حياته . إن ما يسبب تعاسة المرأة وبؤس حياتها ، سيكون محورا حاضرا في قصائدها ، ولأنها لا تستطيع البوح بصوت واضح وصريح فأنها تلجأ إلى المجاز في أشكاله المتنوعة والمبتكرة أيضا لتعلن موقفها واحتجاجها إزاء ما يحيط بها من أشكال الحرمان والتهميش وحتى الإلغاء .
•    وفي سعينا لقراءة ديوان الشاعرة سمرقند الجابري (بصمات قلب- صدر عن  دار التكوين للتأليف والنشر والترجمة – دمشق2007 ) سنعمد إلى فحص جملها الشعرية ومجازاتها وصورها المتنوعة لنكشف عالم الأنثى وكيف  تتمرد على الكوابيس والإقصاء التي يضعها الذكر في طريق تفتح إنسانيتها المشخصة في أنوثتها واعتزازها بها واعتبارها ممرا صالحا لخلق علاقات متكافئة بينهما ، ومنذ البداية نقرر إننا  نلج في هذا الديوان عالما تسود فيه وجهة نظر الأنثى ، سواء أفي خطابها المقرب من الذكر أم في مجازاتها الخاصة التي تجعل رؤيتها تتضح تجاه عالم الرجل الذي تحكمه  تداعيات الأزمنة الطاعنة في قسوتها وفي جبروتها إزاء الأنثى . وبهذا المعنى فان الخطاب الأنثوي الذي تنتجه الشاعرة سمرقند يحمل بوحا ورغبة وتعديلا لمزاجات الذكر المتجبر أساسه العلاقة المتكافئة بينهما  ،بعيدا عن  الشكوى المرة أو حرارة  المعاناة  مما يصيبها من تعنته وفحولته التي كرستها له قوانين وأعراف شتى ، بل أنها هنا تفتح آفاقا شتى للعلاقة بينهما ، حين تفرد له مكانا أثيرا في خطابها  يبدو فيه ملتصقا بها  وكأنه جزء من عالمها وشؤونها الخاصة  ، فتعمد إلى إلغاء  المسافة بينهما  ، ضمن الكلمة التي تحمل تطلعاتها وأوهامها وهواجسها  ، ومن خلال الضمائر  التي  تشير إليه في الأزمنة والتابوات ،ليصبح ضمن عالم جملتها الشعرية ، كضمير ملتصق بل مجرور بكلماتها   لا ينبغي له فكاكا منها أو  البعد  عنها بشكل مستقل، فالشاعرة اختارت مثل ذلك للتدليل على هذا المعنى ، فحرف الكاف مثلا في جملها الشعرية وفي معظم قصائد الديوان ،يأتي ملتصقا بالأسماء أو الحروف كضمير مجرور يشير إلى الذكر  ،ضمير مضاف إلى كلماتها وحروفها التي تنشئ مجازاتها وصورها ورغباتها ، وبنفس الوقت نلاحظ أن هذا الضمير المجرور لا يأتي في القصيدة على أساس التبعية والإلغاء بل بالتمجيد   لدوره في حياتها ، على الرغم أنها توجه خطابها ( لرجل مرتبك وشرقي ومغلف)كما أشارت في إحدى مقابلاتها :
سأكر عليك
بجيش من سرايا الوجد
مدجج بالدفء والندى والشعر
والفعل (أكر) في هذه الجمل الشعرية يحيلنا الى ساحة معركة  تظهر المرأة فيها فاعلة  بدلالة الضمير الدال عليها في الفعل (سأكر)الذي يحمل فاعلية متجددة باتجاه المستقبل في حين يظهر الذكر مجرورا بحرف الجر (على) الذي يشير الى تمكنها (منه)،لأنه بدون أسلحة – كما تشير الجملة- لكنها سرعان ما تكسر أفق هذا المعنى في  الجملة الشعرية المكملة لهذه القصيدة ، لتوضح موقفها:
لا تخف
فأنا أريد أن أتوج أنوثتي
بروعة رجولتك
وفي هذه القصيدة تعمد الأنثى إلى الاختلاء به – بعيدا عنهم – لتسرد عليه ألوان أنوثتها ، مستثمرة أبنية لغوية دالة على فاعليتها إزاء سكون وحيرة الذكر فالضمائر التي تشير إليها غالبا ما تتصل بأفعال  تشي برغبتها القوية في الاقتراب منه ، ولذا نجد أفعالا تضم ضمير الأنا الذي يمثلها مثل ( أريد ، ادخرته، أتحجج، انشر تعاليمي، وغيرها )في حين تأتي الضمائر الدالة عليه ملتصقة بالاسم تارة وبالحرف تارة أخرى مثل لوحة جامدة  تصغي لخطابها  ولا تجيب (رجولتك،تحججك بالمرض، حبك،لك، أمطارك…) أما إذا  اقترن الضمير الدال عليه بفعل من الأفعال ، فهو على شكل طلب او توسل منها :(لتسكب فيه النبض، لتستظل افياء جدائلي ،علمني كيف اغد والهة أرضية ، اتخذ من رحيقي مدادا لقصائدك..)، وفي معظم هذا الجمل يكون الذكر غائبا ، لا فاعلية فيه .
إن هذا الاستطراد في قراءة قصيدة (بعيدا عنهم) يمثل من وجهة نظرنا ، تطبيقا على معظم قصائد الديوان في بنيته اللغوية التي تحمل خطاب الأنثى إلى ذكر يتمثل لها في ذاتها  ، حتى لو حضر أمامها بصيغة  هجاء مر بعد أن يئست من استجابته وهو الشرقي  المرتبك ،ففي قصيدة (صناديق) تلجا الأنثى إلى الهجاء المر ، مستثمرة نفس الضمائر التي اشرنا اليها فهي تقول :
سئمت التجوال في صناديق مزاجك…
تخرجني اليوم ..تعيدني حين تريد
وغدوت أنا مئذنة للغيض..
أشرق الصراخ في حنجرتي
ثم تلخص معاناتها وخلاصها منه بهذه الأسطر الدالة :
تحت كراسي عرشك يضعني الغياب
تسًوس عمري معك…
لا تفاوضني بصندوق آخر ..
فأنا سأمارس متعة رحيلي
صناديقك هذه ضاقت ..
ونود أن نلفت الأنظار إلى ان هذه الجمل الشعرية قد بنيت بنفس بنية الجملة الشعرية التي تضم الضميرين الخاصين بهما .
ومع كل هذا الهجاء المر فأنها في قصائد أخرى  تبرر له سلوكه وضعفه بما يحيط به من حياة قاسية يتضح ذلك في قصائد (متسكع،نكرة ،إلى مهاجر،بحار….)وقد ضمت هذه القصائد جملا شعرية مشرقة تحمل نفسا ضد الخارج  الذي يعمد إلى إقصائهما وإذلالهما معا :
عندما يضيع درهمي في البالوعة
لن ابحث عنه ..
فأنا لا أريد أن آكل شطيرتي
بدرهم قذر….        (صرحت الشاعرة في مقابلة معها أنها كتبت معظم قصائد ديوانها  عام 1996)
ولكي تستطيع مغالبة هذا الوضع تقول :
على احدنا أن يتنفس
وان يشجع الآخرين على ذلك …
وإلا هزلت .
ولا تكتفي الشاعرة سمرقند بإضاءة وجهة نظرها عبر هذا الشكل من البناء اللغوي ، بل أنها تبني عالمها بمجازات مبتكرة تشير اليها ، وتؤثث عالما أنثويا ضاجا بالحيوية والرفض والتمرد على كل قيد يشدها إلى عالم النساء القانعات بحضوضهن فهي تقول في قصيدة (ألست أنا) بصور مبتكرة :
ألست تين حدائقكم ؟
وحصاة تكدر صفو الماء الراكد ؟
لغة لشفاه دجنها الألم
وأعطاها لغة خرساء ؟
ثم تقول في نهاية القصيدة:
دحرج ذئابك كي اعبر مرحلة المحنة
من اجل درجة أعلى ..ومكانة أوضح… أرسلهم
اركلني بالعوز ..لأروض بالجهاد النفس..
وهناك صور شعرية مبتكرة لا بد أن نشير إليها كإضافات لمجازات وصور قصيدة النثر العراقية :
( يطالبني بالصبر !…أنا أيضا متعبة
من دور الأنثى ..
من جر محراثي وبرامج التلفاز
ذكرياتي والتافهين ..أنا متعبة ( من قصيدة ومضات ص 19)
( اسحب مني رصيد العيد ،
وأعطني فرحة ليلة…
زي القس لا يناسب الذي سيولد في الرواق
ما بين قلبك والوريد لا تقفن أبكما……( من قصيدة أحجاره ص25)
ثم تقول بعد أن هدها اليأس وضاعت نداءاتها سدى:
وداعا ضفائري ..
نامي في الدولاب مع الجوارب
عاشقك مات ..فمن يتفقد ليلك ،
ويغوص في موج اسود (قصيدة ضفائر ص 87)
أخيرا نلاحظ أن رحلة  الشاعرة سمرقند الجابري بدأت ببوح الأنثى وهي  تحمل  الذكر في كيانها الحي المتفتح للحياة  باعتباره جزءا مكملا  لكيانها ، لكنها حين ترآى لها أن هذا الخطاب قد ظل طريقه وبقى بوحا في فضاء التمنيات المستحيلة فأنها تقفل ديوانها بقصيدة (أزقة) التي تدون فيها وحدتها :
للمدن أزقتها ..
ولي خطاي
الوجد تركني نصفين
الأول سمر …
والثاني قند
أيهما الآن أنا؟؟
للتوجه بعد ذلك إلى مناجاة النفس لتكمل سيرتها التي تمجد دورها وإنسانيتها  :
غسلت يومي بزهر خطاك ليطهر
لان كل النهارات ملوثة بالتكرار
سأرفض مناطق رمادية بين نعم ولا .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

تعليق واحد

  1. أمير ناصر

    رائع جدا ،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.