د. علي داخل فرج : عبقُ المكان الشعري قراءةٌ في (ديوان طنجة)* لسعدي يوسف

الاحتفاء بالمكان أو لنقل تشعيرهُ سمة لا يُخطئها من يقرأ شعر سعدي يوسف، ولا سيما في دواوينه الأخيرة، فالشاعر المذكور ما زال ينتزع صوره من محيطه المكاني، وما زالت البيئة المكانية تشكل رافدا من روافد الصورة عنده( ). وربما تشهد قراءةفي (ديوان طنجة) الصادرعام 2012م على صحة ما ذهبنا إليه، فالمتلقي يستطيع بسهولة أنْ يرصد المكان، وأثر المكان في قصائد الديوان، وفي عدد من عنواناتها التي هي أسماء لأماكن بمرجعيات مختلفة (مدن، حانات، فنادق، مقاهٍ، حدائق، سماوات، أنهار…). والمكان في (ديوان طنجة)، وفي شعر سعدي يوسف بعامة، حمَّالُ أوجهٍ ووجوهٍ تُطلّ منها أزمنةٌ وشخوصٌ وأحداثٌ وذكريات، وهو يتلوَّن ويتأثثُ بأدواتٍ شعريةٍ خالصة،يتّسع مرةً، ويضيق أخرى، بل هو يتأنسن ليحاور القارئ، ويشاكسه، وربما يخادعه ويراوغه ليلتبس عليه الواقع ويكتسي صورة حلمية هي عينها صورة طنجة (الحلم) التي استيقظت في أولى قصائد الديوان التي وسمها الشاعر باسم المدينة نفسه، فكانت أغنية الشاعر- البحّار الذي يبحر مبتعدا عن (سمائه الأولى):
طنجةُ تستيقظ/ لستُ أنا من يوقظ طنجةَ../ من قالَ الحلمُ ينام؟/ ………./  طنجةُ سيدةُ الأنوار السبعة /  أغنيةُ البحّار!
وطنجة- الحلم التي استيقظت في هذه القصيدة تتماهى بـ(عائشة) في قصيدة (وشم القرنفل):
أنتِ عائشةُ الجميلةُ/ لا تقولي، الآنَ،شيئاً!/واترُكي لي قُدْسَ هذي اللحظةِ…/اتَّـرِكي على شفتَيَّ وشماً من قرنفلةٍ ووردٍ/ ثـمّ نامي.
وفضلا عن وجه عائشة تطل علينا في قصائد الديوان وجوه أخرى ، وجوه لفنانين وشعراء وأدباء وأناس عاديين احتضنتهم – يوما ما- جنبات المكان وبقي  في ذاكرتها شيء منهم يروي قصة عشق، أو لقاء عابر، أو قصة ضياع أو تشردلا يبوح المكان بسرها الا لشاعر أو فنان، وربما يكون وجه القاص والروائي محمد شكري الذي بدا الشاعر متتبعا خطواته في (الخبز الحافي) وهو يعيش حياة التشرد في طنجة من أبرز هذه الوجوه، نقرأ في قصيدة (فندق رتز/ Ritz Hotel ):
أتذكَّر أنَّ محمد شكري كان هنا…/ في الغرفة!/ غرفته في طابقها الأول/ وأنا أيضا/ أتكون الغرفة 15؟/ الآن سأسألُ:/ من يسكن في الغرفة 15؟
أما قصيدة(لي بيتٌ لطيفٌ)، فقد اكتسى المكان فيها بطابع إيروسي يمكن القول إنه أصبح سمة من سمات شعر سعدي يوسف، ولا سيما بعد مجموعته (ايروتيكا) الصادرة عام 1992م حيث نقرأ:
تكونينَ بيتي…/ كلّما ضِقتُ بالسُّــرى/ دخلتُ ســريعاً فيك./ بابُكِ ضيِّقٌ/ صقيلٌ
ورطْبٌ../ غيرَ أني أُريدُهُ على ضِيقِهِ./تلك الرطوبةُ نعمةٌ من الله./ إنْ جئت العشية لاهثا/ زلقت بها…/ ما ألطف البيت جنتي!
واللافت في القصيدة هو هذا التأثيث الشعري للمكان (البيت) الذي يمكن أنْ يُذكّرناوسمُهُبـ(الصغير)بإشارة باشلار إلى ميل بعض الكُتّاب إلى “أنْ يخلق بيوتا تستقر على حبة فاصوليا”( )، غير اننا يمكن أنْ نلمح في(البيت الصغير) الذي استقر على (حبة فاصوليا) سعدي يوسف باباً مشرعاً إلى طفولةٍ طالما نستشفُّ ملامحها في الصور الشعرية التي يرسمها الشاعر، فالطفولة هي الموطن السحري للبيوت الصغيرة التي تعد مكانا رحبا يأوي أحلام الأطفال ومرحهم ومشاكساتهم البريئة،بل إننا نستطيع أنْ نلمس مظهرا تقديسيا للمكان الذي كانت رطوبته (نعمة من الله)( )غمرت الشاعر وفاضت به حتى ليمكن القول إنَّ هذه الرطوبة الشعرية المقدسة  تجاوزته إلى المتلقي.
وفي قصيدة (يانبعة الريحان)( ) يُطلُّ مكان الطفولة البعيدة – القريبة من نبتة تتلوَّن بصوت أغنية شعبية تشد الشاعر إليه، ليكفر هذه المرة بـ(مقدس) آخر يحاول أنْ يغتاله ويبعده عنه:
يا نبعة الريحان/ حِنّي!/ إنني أمسيت في الوادِ المُقدَّسِ في طوىً/ لكنني أرنوا إلى غير المقدَّس[….]/ يا نبعة الريحان../ حنّي../ إنني الولهان/ حنّي/ الليل أقسى والحياة أشقُّ إنْ لم تصطفيني/  أو تحنّي/ يا نبعة الريحان.
وتستمر الأغنية، أغنية الشاعر عابقة في أرجاء المكان….

هوامش :

———

) صدر الديوان عن دار التكوين بدمشق عام 2012م، وهو منشور بأكمله في موقع الشاعر الالكتروني: http://www.saadiyousif.com
1 ) ينظر: شعر سعدي يوسف، دراسة تحليلية، د. امتنان عثمان الصمادي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 2001م: 121.
2 ) جماليات المكان، جاستون باشلار، ترجمة: غالب هلسا، دار الجاحظ للنشر (كتاب الأقلام/1)، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد،1980م: 177.
3 ) اعتاد الفقراء في العراق ولا سيما في الجنوب على وصف كل متعهم البسيطة بأنها (نعمة من الله)، وقد ربُّوا أطفالهم على التلفظ بهذه العبارة حتى مع كسرة الخبز التي قد لا تسد جوعهم.
4) مطلع أغنية شعبية عراقية تقول كلماتها: يا نبعة الريحان/ حني على الولهان/ جسمي نحل والروح ذابت وعظمي بان…..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.