طلال سالم الحديثي : فائز الحداد شاعر في مهب الالتباس

بل بين التباسين.. التباس في الذهن والتباس في المفردة يراد بهما محاصرة هذا الشعر الجميل الذي يكتبه فائز حداد، وهو يدين الواقع الملتبس أيضاً وبمرارة مشربة بالإلحاح إذ يقول:
صرنا كالحلاقين
نستبدل الرؤوس بالرؤوس
والمقص واحد…
وقبل أن أكمل هذا النص المقتبس من قصيدته «علامة رفعي الفلوجة» في مجموعته الجديدة (مدان في مدن) الصادرة في ذؤابة العام الماضي 2011، وأستأنف التوضيح فأقول: إن الالتباس الأول عتبته النصية القائلة: قبل بدء العزاء، أغني.. للديمقراطية العربية، على منع تداولي قرائياً في الشارع العربي، فأنا موشوم بالإرهاب، وعلى جبهتي صليب الشعر دليل إدانة…!!
والالتباس متأت من حقيقة أن لا ديمقراطية عربية واقعاً.. فرياح الربيع العربي الجديدة مسمومة، وملكيات وإقطاعيات حكمنا متخلفة، والنموذج الأمريكي للديمقراطية مزيف، ومن الطبيعي أن يحاصر الصوت النظيف مثل صوتك يا فائز.
أما الالتباس الثاني وهو التباس المفردة.. مفردة الديمقراطية التي منذ اشتقت من اسم واضعها الفيلسوف، وهي في دوامة الالتباس المتأتي من تغير الفهم حتى صار كالثياب التي تفصل على مقاسات الأجسام ولذلك تعددت أشكالها ومفاهيمها وكل يرى نفسه على صواب، يقول الدكتور عبد السلام المسدي مصيباً: في ثقافتنا العربية، وفيما بين الأنظمة في أوطاننا العربية، كثيراً ما تضررت السياسة بفعل تقلص حرية التفكير، وأهم ما نجم عن هذا الغياب هو ارتهان الجميع داخل الثنائية الحدية الظالمة: «إن لم تكن معي فأنت ضدي»، وهي ثنائية تسود العلاقات العربية فيما بين الأفراد، كما تسود العلاقات فيما بين الأنظمة، وكذلك بين الأنظمة، وكذلك فيما بين الأنظمة والأفراد داخل الوطن الواحد، إنها الثنائية التي تلغي درجات الطيف فتحول الكون إلى أبيض أو أسود، وتحول الوجود إلى التزام مطلق أو عداء مطلق.
وأنت يا فائز الحداد واحد من الشعراء الذين يقفون بتوصيف المسدي أيضاً على عتبات الحلقة المرتبكة في فضاء الحرية الفكرية التي منها ينبثق السؤال المحرق والذي هو فاتحة الأبواب: أي نموذج من المثقفين يريد الحكام العرب أن ينتشر في أوطاننا؟ وأي ضرب من ضروب العلاقة بينهم وبين أهل الرأي يسعدون؟ طبعاً دعاة الدمقرطة بنموذجها الأمريكي في عراقك لا يرتضي قولك:
فما سلوتك.. زهرتي الفلوجة،، الطلع والهوى
ولا يتم جرحي بغير ملحك،
فلوجتي البتول…
ولا بقولك:
لكنني مبتدأ مرفوع الرأس..
وعلامة رفعي الفلوجة
لماذا؟ لأن الفلوجة لم تعد مدينة فحسب.. بل صارت رمزاً.. صارت معنى.. معنى للمقاومة ثابت لا يزول.
وليقرأ من يقرأ قصيدتك  «على صهوات الدفوف» ليقرأ فيها قولك:
يالبهاء أسمائها الفلوجة الحسنى.
يا التي من ذهب الجباه النازفة…
حياءً على المنابر الصدئة
يا صوت أمي الغائر بالصدى
لا.. لن أشرب الماء من كف دجلة بعزة العبيد
ولا أحمل ثديها ملحاً، إلا وجبينها..
يرتفع في النسغ الطالع جلالاً
لن أطوق خصرها بسنا بغداد
إلا وشهرزاد..
تنفض عن شعرها غبار الرعاع!!
لك وجعي العراق..
تميمة حب مثقبة الجنان
أحملها على خريطة وسخة…
سيرتها المسابح قبوراً مرقطة
سأحرقها بزفير فتية يتلونها في الفجر…
دون ترابك الفردوس.. أيتها المنتهى..
وقصائد المجموعة «متوترة» المفردة فيها محملة بالمعنى حد الانفجار، ولكنه يصوغها بابتكار لا يستنسخه من أحد ولذلك انطبعت بميسمه وقدرته التخيلية الواسعة، فالقارئ يتفاجأ بالتشبيهات البكر التي تملأ قصائده، عندي أن التناسق الشعري في قصائده تناسق عفوي، ففائز الحداد لا يفتعل، أعرفه جيداً يقتصد.. يقتصد بالكلام حتى لا يقول معاداً، ويقتصد بالنشر حتى لا يتكرر، وعنده مجموعة شعرية متزنة خير من عشر يسودها الغثيان، وهو كذلك البستاني الذي يريد من النخلة ثلاثة عذوق ناضجة الرطب خير من عذوق كثيرة ورطبها «خشف».
في شعره تناقضات ناضجة وأنساق بلاغية وجماليات فنية كثيرة لا يسعفني الوقت للوقوف عندها فقط أطلب من القارئ أن يتمعن معي هذا المقطع كخاتمة لهذه العجالة.
فيالغنائمي القادمة… من قبائل الأيتام
وأنا.. أرمل السيف، وحائر الجهات…
في المدن العاهرة…
أبادل الملوك.. رسائل زعامتي المنهوبة
وأغازل الغزوات.. بقهقهات الشظايا..!!
سأدور في مزاد النساء..
أستجدي المحسنين.. جارية من ملح
أقايض بأفخاذها دولاً..
لا تمنح العذر لعذراء
جارية.. كوزيرة أمريكية سوداء
لا ترى.. غير الذهب الأسود مدناً فاضلة..!!
سأقدم لها.. عرش الخيزران
على طبق اعتمادي.. سفيراً للضائعات..
موشوماً بإرهاب الشعر..؟!
فشياطين الحلاج، لا ينامون كساعات بغداد.
إلا.. بملء عيون المها على الجسر..
ليعطوا الليل.. حق الليل..
ويناجزون (الهمرات) حسنات أصحابها
فالصحراء.. لا تنام والنياق عطشى
وفي دمي يكمن سر الماء…!!
وسلام على فائز الحداد الشاعر الشاعر.

7/6/2012

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.