زياد جيوسي : صباحكم أجمل/ من أرطاس إلى العبيدية.. جمال لا يوصف (الحلقة السابعة)

ما زالت جولتي في بيت لحم تنقش أثرها في روحي ولا تفارقني، وما زلت أينما ذهبت وتوجهت أشعر بهمساتها تنسكب شلالات من جمال وعشق في أذني، وأشعر بالحوريات الكنعانيات اللواتي نقشن الحكاية كالنسمة الربيعية تمر عليّ، فكل بقعة وكل منطقة ومكان في بيت لحم ترك أثره في الروح، فاتجهنا من برك سليمان إلى الجنة المقفلة بلدة أرطاس، فقد كانت نسمات الجمال فيها تبدأ من برك سليمان، فنزلنا المنحدر الذي يصل إلى البلدة الكنعانية الأصيلة وذات التاريخ العريق، فهي بلدة ذات موقع استراتيجي مميز ومياه عذبة ووفيرة، فكانت عبر التاريخ مطمعاً للغزاة وخصوصاً من يريدون السيطرة على القدس، فمن يريد احتلال القدس كان لا بد أن يبدأ بأرطاس لسيطرتها على التغذية المائية للمدينة المقدسة، ولذا تعرضت عبر تاريخها للمذابح وعرفت بأنها بلدة المذابح السبعة إضافة إلى الجنة المقفلة.
حين بدأنا بالنزول باتجاه الوادي لبلدة أرطاس التي تقع بين جبلين متقابلين، حتى بدأت جنائنها بنثر عبقها وآيات الجمال، فهمست لصديقي خالد الصيفي الذي أدين له بدعوتي الثانية لبيت لحم حين وصلنا بقايا بوابة أرطاس التاريخية: توقف فعدستي وروحي بدأتا بالتمرد كما أطيافي المتمردة، ونزلت من السيارة فوراً وبدأت بتأمل آيات الجمال والخضرة، وبدأت عدستي بالتقاط الصور، وشعرت عندها بأحفاد كنعان والسواعد السمراء الشابة كم ضحت وبذلت لبناء هذه الجماليات، وشعرت بأرواح الحوريات الكنعانيات ترتدي الأثواب المطرزة وتحمل سلال الفواكه وتجول مبتسمة، فهمست بداخلي: لله درك يا مها السقا وبارك الله بجهودك يا حافظة التراث.
أكملنا المسير إلى الجسر الحجري التراثي القديم الذي يوصل إلى دير أرطاس، وكان الجو حاراً فتوقف الصديق خالد تحت شجرة في الظل ونزلت من السيارة غير آبه بحرارة الشمس، وكنت أشعر أني أريد التهام كل ما أراه التهاماً ذهنياً، وعدستي لا تتوقف عن التقاط صور الجماليات والتراث والتاريخ، فهذا الدير أقيم في العام 1895م، ويقال إن سيدتنا مريم العذراء اختبأت مع سيدنا المسيح عليه السلام بمنطقة الدير خوفاً عليه، فبني الدير تقديساً وتخليداً للمكان وسيدتنا مريم وسيدنا المسيح، ونلاحظ أن كافة الأديرة التاريخية في منطقة بيت لحم بنيت على كهوف، وهذه الكهوف ارتبطت بحركة سيدتنا مريم وهي تحمل طفلها سيدنا المسيح رسول السلام وتجول به لحمايته.
وأرطاس بجذورها بلدة من بلدات كنعان، وتشير بعض المصادر إلى أنها تأتي بعد مدينة أريحا بنشأتها، وتوالى عليها الرومان وغيرهم، ففي تلك المراحل التاريخية كان وجود الماء هو الأساس لنشوء البلدات والممالك، وتحتضن القرية أربعة عيون للماء: عين عطاف، وعين الفروجة، وعين صالح، وعين البرك، وهذه العيون تلتقي بمياه (برك سليمان) وتجري بأراضيها في قناة واحدة إلى أن تصل بيت لحم فالقدس، حيث تمتعت قرية أرطاس بأهمية خاصة لكونها تضم في أراضيها نظاماً مائياً فريداً من نوعه، كان يزود مدينة القدس بالمياه في الفترة الرومانية حتى مطلع القرن العشرين، فبعد أن انتقلت القدس إلى موقعها الجديد فوق الهضبة القائمة عليها تقريباً الآن تم إنشاء نظام مائي بالفترة الرومانية المبكرة في وادي أرطاس، لتزويدها بالمياه عبر قنوات مائية، اهتمت العهود التي تتابعت على فلسطين بترميمها وحمايتها، وهذه العيون جعلت (أرطاس) جنة خضراء تكثر فيها البساتين.
واسمها الحالي مستمد من أصل لاتيني يوناني وهو (Artasium) وترجمته الجنة أو البستان الشبيه بالجنة في الأذهان، بينما عرفت في فترة الاحتلال الصليبي بإسم (Hortusa Conclusu)، ومعناه الجنة المقفلة، وذلك لطبيعة موقعها بين الجبال وخصب أراضيها وينابيع الماء، بشكل جعلها كجنة مختلفة عما يحيط بها من مناطق أخرى
في أرطاس معالم تاريخية كثيرة، وكل منها يرتبط بفترة من فترات تاريخ أرطاس، فهناك برك سليمان التي تحدثت عنها في الحلقة السابقة، وهناك المسجد العمري الذي ارتبط بدخول الجيوش الاسلامية بقيادة عمرو بن العاص، ومرور الخليفة عمر بن الخطاب في بيت لحم، وإن كان من الصعب تحديد تاريخ البناء بدقة بسبب هدم المسجد القديم وبناء آخر مكانه، إضافة إلى وجود آثار كثيرة منها البرك التي ارتبطت بروايات وقصص مثل بركة (المرجيع) والتي يقال إن سيدنا يوسف ضاع ووجده إخوته هناك فأرجعوه معهم، كما توجد لوحات وآثار لوجود طواحين الغلال العاملة بقوة الماء في أرطاس أيضاً، إضافة إلى أن الكثير من تلال وكهوف ووديان أرطاس ما زالت تحمل اسم القادة الذين مروا بها عبر التاريخ،  وتتحدث المصادر التاريخية أن أرطاس والتي سيطرت على طرق التجارة بين الخليل والقدس، عرفت باسم رأس عرقوب نسبة لقرى العرقوب التي بلغ عددها 24 قرية في المنطقة، وشهدت ازدهاراً كبيراً في الفترة المملوكية كونها كانت معفاة من الضرائب مقابل حماية مصادر المياه لبيت المقدس، ما أوجد فيها زعامات متعاقبة وآثار بقايا لقاعة محكمة وسجن معروف الآن باسم (الحبس) يتوسط القرية شرقي الجامع، وفي الفترة العثمانية تركت آثار ترميم برك سليمان وبناء قلعة مراد لحماية مصادر المياه وضمان وصولها إلى بيت المقدس، وفي بداية القرن الماضي غيرت الحكومة العثمانية قناة الماء من فخارية إلى معدنية تحت إشراف مهندس يوناني، وفي وسط القرية ما زالت معالم لكنيسة بنيت في عهد الإحتلال الصليبي في الجهة المقابلة للمسجد موجودة.
وتحيط بأرطاس العديد من الخرب التي تحمل أثاراً تتحدث عن تاريخ أرطاس العابق بالجمال منذ أبدع الكنعانيون باختيار المكان، مثل خربة الخوخ وبصة والعليا والبيرة، وهذه الخرب يوجد بها آثار بيوت مهدمة وآثار وأرضيات من الفسيفساء وأحواض ومدافن منقورة بالصخر وصهاريج مياه، إضافة إلى آثار دير البنات الذي دمر في القرن الخامس الميلادي أثناء الاضطرابات التي سادت المنطقة.
وتشتهر أرطاس حالياً بمهرجان الخس السنوي، وهو من أهم المهرجانات التي تبرز تاريخ وخصب وتراث أرطاس والمنطقة، وعرف عن أرطاس أنها كانت معشوقة للأوربيين في المرحلة الماضية، فشكلت نقطة جذب للمستشرقين والبعثات التبشيرية، فدون الكثير منهم تاريخها بالكتابة والصور وتراثها ونباتاتها وحكاياتها الشعبية، وتغزل بها شعراء من إيطاليا وسكنها الأمير هنري ابن الملكة فكتوريا وأشترى بها ارضاً إلى العام 1850، اضافة إلى بيتر ميشولام وهنري بالدنسبيرغر وشقيقته لويزا، وهنري هو صاحب كتاب صاحب كتاب (الشرق الذي لا يتزحزح) الذي نشره في العام 1913، وتحدث فيه عن أرطاس بشغف وحب، إضافة إلى علماء من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأدخلوا لها مزروعات جديدة، ولعل أهمهم على الإطلاق دكتورة من فنلندا اسمها هيلما غرانكفست، والتي سكنت أرطاس عدة سنوات وعرفت باسم (حليمة) وأطلق عليها لقب (درويشة أرطاس المتيمة)، وقد أتقنت العربية بلهجة أهل البلدة، وكتبت خمسة كتب عن أبناء الوطن الفلسطيني، وقد حاولت باحثة بريطانية استكمال أبحاثها في سبعينات القرن الماضي.
كان الوقت يدهمنا بعد هذه الجولة الطويلة، فكان لا بد من اختصار الزيارة قليلاً لنتمكن من الوصول إلى دير مار سابا في العبيدية، فاكتفيت بهذه الجولة السريعة في البلدة ما بين قديمها وحديثها، وخصوصاً أن أرطاس تحتاج إلى وقت أطول للتجوال وتنسيق مسبق مع أحد أبناء البلدة الذي يعرفون خباياها والجماليات المستورة فيها، فوعدت نفسي بزيارة أخرى لأكمل ما بدأت.. وبدأت المسير برفقة صديقي خالد الصيفي باتجاه بلدة العبيدية حيث كان ينتظرني منذ وقت مبكر الأستاذ الفاضل محمد الردايدة (أبو وائل)، وولده الشاب وائل الذي أصر بكل ما عرفته من إصرار أن يستقبلنا في العبيدية وأن يكون مع والده الفاضل رفاق التجوال في منطقة دير(مار سابا) والعبيدية، والذي سيكون مجال الحديث في الحلقة القادمة من بوح المحبة لبيت لحم بأهلها وناسها والأمكنة والدروب.
صباح آخر من صباحات رام الله العشق والجمال، نسمات الصباح كانت فيها حارة قليلا، ولكنها لم تمنعني من معانقة رام الله ومراقصتها مع أول خيوط الشمس، فتنشقت عبق الياسمين وعدت لصومعتي قبل أن أذهب لعملي الوظيفي، فاحتسيت القهوة بجوار حوض النعناع، وبدأت أكتب بعد توقف طال عن سلسلة (صباحكم أجمل (بسبب الوضع الصحي الذي مررت به، والسفر والغياب من أجل العلاج، فيشدني الشوق إلى بيت لحم، ومع شدو فيروز يزداد الشوق وهي تشدو:
(أنت لي أحلى أماني وأحلام شبابي
أنت لي شوق البوادي المنسيات العذاب
أنت لي عمر الندى في الربيع المزهر
أنت لي فيض الهناء وصفاء المنهل)
فاشتعل شوقاً وأهمس للحمامة البيضاء الراقدة بين الورود على نافذتي: أبلغي بيت لحم محبتي وأشواق تتراكم في الطرقات، ووعد بزيارة أخرى.. وأبلغي كل قرائي: صباحكم أجمل..
(رام الله 10/5/2012)

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| شكيب  كاظم : ” پيدرو بارامو ” رواية غرائبية عسيرة الفهم  ذات  لمحات  إنسانية .

وأنت تقرأ رواية( پيدرو بارامو) للروائي المكسيكي( خوان رولفو )(١٩١٨-١٩٨٦) تناجي نفسك وتحاورها، ما ألذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.