مؤيد داود البصّام : آفاق فلسفية جورج الفار يعيد اكتشاف الأمكنة والناس والأفكار

ينطلق د. جورج الفار في كتابه آفاق فلسفية من حالة بسيطة وعمومية، مر بها اغلبنا في حياته وهي السفر، إن كان سياحة أو عمل أو غربة، ولكنه يكتب لنا في كتابه هذا، ليس آراء انطباعية لمشاهداته وما حصل معه كما في كتب كثيرة ظهرت، إنه يكتب لنا عن الأمكنة والناس وأفكارهم ورأيه فيما يرى من خلال عين تلتقط وتخزن، ثم عقل يحلل ويقارن، انه لا يستمتع في السفر وحسب، وإنما يتابع هذا الاستمتاع بعين البصيرة، ويدق أبواب المعرفة لفهم الظواهر التي يشاهدها أو يسمع عنها، فرحت أجمع الملاحظات، من خلال أسفاري إلى هذه المدن ص17. ويبحث في الكتب فيما عصي الإدراك عليه، بجهد العالم المثابر لمعرفة الأشياء على حقيقتها دون الوقوع في الأوهام وتكوين الرأي الخاطئ، ويسوح في أفكار وحياة مفكرين وكتاب ممن أعجب بهم وتلاقحت أفكاره بأفكارهم، أشخاص منهم من غادرنا ومنهم ما زال بيننا، لينتهي إلى مشروعه النهضوي بعد أن يكون قد قدم له عبر، الأمكنة والناس والأفكار ، هذا الطرح الذي يناقش مسائل معقدة بروح شفافة ونفس عالية التطلع للأمام، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يعتبر سفر معرفي يتجول بنا بين الاستمتاع برؤية الأشياء وبين معرفتها بدقائق أمورها، وبين التدقيق في معتقداتنا وآرائنا.
الكتاب صادر عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، يقع في 264 صفحة من القطع المتوسط. بعد المقدمة التي سماها تمهيد قسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب، الباب الأول الأمكنة. وبما توحي بالقول، لما يمثله المكان من بيئة طبيعية، ووعاء جغرافي حاضن للإنسان ص5 . يقسم هذا الباب إلى ثمانية مواضيع قوس أسفاري،( أهناك مدن للأنوثة وأخرى للرجولة؟ ( أهناك مدن حائرة وأخرى واثقة؟ ( أهناك مدن للجمال وأخرى للهشاشة؟ ( أين موقع القدس بين العواصم؟ ( أهناك قرى منسية؟ ( مفارقة تاريخية في ضيعة أردنية،( جدلية العلاقة ما بين المبدع والمكان، . والباب الأول كما هو واضح من عناوينه يهتم بتأثير المكان على الإنسان، وأجمل الأماكن التي زرتها هي تلك الأماكن التي تحقق فيها انسجام طبيعي بين الإنسان والمكان ص11. وفيها يحاول أن يستنتج من خلال ما قرأه وما شاهده، مع التحقق من الأشياء للوصول إلى حقيقتها، ونلاحظ غلبة التفكير الفلسفي في طرح الأسئلة والبحث عن الإجابة، بلغة مبسطه وسهلة وسلسة، فهو يتحدث بسرد منفتح ولكنه يضم بين دفتيه أسئلة وجودية في غاية العمق والتمحيص، وهذا يتأتى من كون د. جورج الفار يعمل مدرساً للفلسفة في الجامعة الأردنية، ولعل العناوين التي يغلب عليها التساؤل، تشي بالبعد الفلسفي الذي يقود الحوار والسرد والتحليل، ففي مشاهداته التي ينقلها، منذ مفتتح الباب الأول قوس أسفاري التي يتحدث فيها عن سفرته إلى جبال الألب يقول، اكتشفت أن الإنسان هو هو في كل مكان مع اختلافات طفيفة في طرق التعبير ص15، وفي وصفه للأنوثة وتأثير المكان على بناء المرأة ، يتناول النساء في منطقة بلاد الشام لبنان ، سوريه ، العراق من خلال ما عرف بنساء الحر ملك ، ويعرفه هو نظام هندسي اجتماعي مقتصر على النساء، أبتدعه الرجال منذ قرون بعيدة، إلا أن الدولة العثمانية اشتهرت به، وعملت على تكريسه، ونشره في نواحي الإمبراطورية الممتدة ص18. ومن خلال رؤية تاريخية وعصرية يصل لوصف العالم الذي أخترعه الرجل لهن. وفي سؤاله، أهناك مدن حائرة وأخرى واثقة؟ يسوح لاكتشاف الفوارق الحضارية، من باب أن المدن تعبير عن سلوك البناء الحضاري لأي مجتمع، ويورد لنا نماذج عن المدن الحائرة بأنها ظاهرة واقعية وموضوعية، يعاني العالم النامي وجودها، ص38. وعند عنوان أهناك مدن للجمال وأخرى للهشاشة؟ يقارن بين أمثلة من مدن أردنية وبين مدينة فلورنس الايطالية مثالا على المدن التي اشتهرت، وفلورنسا قطعة فنية لما تحويه من إبداعات فنية تمثل ثلث ما أنتجه فناني عصر النهضة، وأهم ما فيها إن الحضارة تعيش بكل مكوناتها الفكرية والفنية بين الناس، تلمسهم ويلمسونها، يتعايشون ضمن الرقعة الجغرافية التي يعيشون فيها، فتتمثل روحها فيهم.
وإذا ما تحدث عن المكان فانه يعرج إلى مدينة القدس بعنوان مثير، أين موقع القدس بين العواصم ، للقدس عروس العروبة قصة حزينة، وأنا ما أزال إلى اليوم أتساءل متى سيكتب السائقين على سياراتهم القدس عمان دمشق بيروت ( وبالعكس 52 وفي نهاية الباب يأتي على ما هو مهم، جدلية العلاقة ما بين المبدع والمكان وكأنه يعيد للذاكرة كتاب جماليات المكان لجاستون باشلار ترجمة غالب هلسه، الذي يذكره كمثال على تأثير المكان على المبدع في رواية غالب، سلطانه التي يتحدث فيها عن قريته قرب مدينة مادبا.

الباب الثاني وقصته مع الناس..
في هذا الباب يتناول مجموعة من المثقفين والمفكرين ليحاورهم، بأسلوب سردي مبسط ينم عن عمق ووعي لما يريد أن يقوله ويوصله، أسلوب السرد القصصي أو الحكواتي، وبهذا فهو يبسط المشكلات المعقدة، ليطرحها أمام المتلقي بتعدد مستوياته، فعندما يتحدث عن مدبرة منزله، حين كان يمارس الكهنوت كراعي لأبرشية في قرية السماكة ، يتحدث عن كائن له ميزات خاصة وفريدة موجودة حالات فردية منتشرة في المجتمع ولكنها مجتمعة فيها، انه ينتقي مفرداته بخصوصية العين المتحسسة، فعندما يكتب عن صديقيه منذر ومحمد يتجاوز الشكلية إلى أفق أبعد لبث ما يربط العام بالخاص، ويتحدث عن عالم تنتفي فيه تبادل المصالح، يكتب عن علاقات الصداقة الصافية بوجود الانسجام العقلي والإنساني من دون النفعيات. وفي معرض تقييمه لمن تأثر بهم، يكتب عن د. هشام غصيب، إذ يمنحنا هذا الانطباع بأنه يكتب عن عالم واعي لوجوده الاجتماعي، وواحد من العمالقة في الفكر العربي في الزمن الحاضر، الذي قرن النظرية بالتطبيق العملي، ومن القلة التي كرست حياتها وجهدها العلمي والمعرفي، لخدمة قضايا الأمة، وكيف توصل من خلال الاطلاع والمعرفة بان يهضم الفكر الماركسي وتكون دراسته للفيزياء العون على اكتشاف الحقائق التي يجهلها الكثير، فخرج بمحصلة معرفية أراد لها أن تكون منهجاً لطريق نهوض الأمة، ألا هو مبدأ الاستغراب أي أخذ الأدوات والوسائل المعرفية التي استطاع بها الغرب في النهوض، وامتلاك ناصية التطورات الحضارية السريعة بالأخذ ب المنهاج النقدي ، لإدراكه إن الغرب لم يدخل الحداثة إلا من خلال الأسلوب النقدي للفكر والعمل، وهو إذ ينطلق من تحليله الماركسي للواقع المادي، يجد أن الأمة العربية قادرة على النهوض عندما تمتلك الوسائل، إن فهم حراك هشام غصيب يتأتى من خلال المادة الكتابية الضخمة التي نشرها، والتي ضمت معظم آراءه التنويرية، واستمراره في فاعليته العضوية من خلال الندوات والاجتماعات التي يعقدها لاستنهاض المجتمع نحو تثوير العقل. ويتناول الكاتبة ليلى نعيم، مقدماً إياها من خلال بلدتها طبريا ، في وصف جميل عن تأريخ المنطقة والبلدة، فليلى المولودة في مدينة طبريا، عاشت طفولتها فوق الهضاب الأردنية الغربية المشرفة على فلسطين، ومن خلفها البحر المتوسط، لأب لبناني من جذور سورية، ولأم فلسطينية، فكيف لا تكون هذه الشخصية الديناميكية الحارة وليس الخاملة الباردة، ولا تسكنها مختلف الانفعالات والعواطف الجياشة، وتتفاعل مع محيطها .
إن جورج الفار لا يكتب في الهامش، إنما من خلال تلمسه للواقع معرفيا واجتماعيا لهذه الشخصيات، فهو إذ يكتب عن ناصيف عواد، يكتب عن التطابق والتعارض الفكري، فهو معجب به مفكراً عربياً أصيلا، ليس من باب الاخوانيات إنما إعجابه كان قبل أن يلتقي ويسمع آراءه ويناقشه، لهذا جاءت آراءه في الحديث عن الشخصيات التي كتب عنها مدعمة بالقراءة النظرية والقراءة العملية عند لقاءه بهم، وكذلك في تناوله لما سماه المفكر المغيب شبلي الشميل، شأنه شأن صادق جلال العظم، فهو يتناولهم من خلال الرؤية الفكرية لنشاطاتهم في تحريك الجماهير نحو الثورة والتغيير، ومن خلال التزامهم النهج الماركسي الذي نهض به الماركسيون العرب لأحداث الثورة والتغيير في المنطقة العربية.

وجوه أردنية في صلب الحدث..
وإذ يتناول وجوه أردنية وعربية، فهو يتناولها لأنها تركت بصماتها في الثقافة والأدب ومن أجل إعادة الاستذكار، فمثقف عضوي مثل تيسير سبول والشاعر الثائر مصطفى وهبي التل والكاتب المناضل والثوري غالب هلسه، وآخرون قدموا تضحيات على صعيد الإبداع وعلى صعيد النضال من أجل تغيير الواقع العربي والأردني، يجب أن يتم استذكارهم باستمرار، حتى يعرف الآخر أن الطريق لم يعبد إلا بتضحية ونضال الذين سبقونا، من أجل فتح آفاق يمتلك فيها المواطن حريته ويبني دولته المؤسساتية، ويضع المفكر بركات حليم وأطروحاته موضع النقاش للوصول إلى الطموح بما يمكن أن يقدم للأمة لبناء وحدتها وتغيير تركيبة العلاقات… وفي انتقاله إلى الباب الثالث أفكار ، يصل بنا إلى تحليل المقدمة في البابين الأولين ليطرح مشروعه الفكري الذي يركز فيه على الإنسنة، والعمل على تثوير العقل العربي، من خلال إيجاد الصيغة التي سماها العقلانية المتوازية ، التي ترفض وحشية الرأسمالية، وتتجاوز شمولية الشيوعية المادية التي لا تهتم بالفرد، مما يجعل مشروعه يأخذ الصفة الإنسانية، العلمية، الفلسفية، غير مقيد بنوع واحد من الأنواع، ومن خلال استعراض تجربته الشخصية في دراسة اللاهوت والفلسفة، والفروقات والمتعارضات والاتفاقات فيما بينهما،، وكيفية تحوله من رجل دين لاهوتي، وحيازته على درجة الدكتوراه في علم اللاهوت من روما، بعد دراسته الفلسفة والإطلاع على ما يغير قناعاته، لتكون الفلسفة قناعته التي أرادها في تحويل الواقع، وبها يقول العلم في حاجة إلى الفلسفة، كما أن الفلسفة في حاجة إلى العلم، ليحلا بدل كل الإيديولوجيات التي سيطرت على العقل الإنساني 188 189.
ويعطينا أمثلة لما سماهم شهداء الحقيقة الذين ضحوا من أجل سيادة العقل ألفيلسوفه الأسكندرانية هيباتيا والراهب الفيلسوف جوردانو برونو والفيلسوف وعالم الفلك والرياضيات جاليليو وآخرون .

السؤال المعضلة…
عندما يتوجه بالسؤال لماذا تقدم الآخرون وتأخرنا نحن؟ وكيف سنتقدم؟، يبدأ مشواره باستعراض المشاريع التي أجهضت قبل اكتمالها في تحقيق طموح العرب في تحرير فلسطين وبناء دولتهم الموحدة، كما حدث لبقية الشعوب على الكرة الأرضية، وما هي الأسباب لفشلها من وجهة نظره، من أجل أن يتوصل لصياغة مشروعه الذي يحاول فيه أن يستثمر كل الأخطاء بإتباع النقد واكتشاف الخلل، وما هي المؤثرات من الداخل والخارج التي كانت السبب في الفشل، ليعرج على الثورات العربية للشباب في بعض الأقطار العربية في وقتنا الراهن، وتحولات الثقافة منذ النهضة العربية في بداية القرن العشرين، ولحين ظهور انتفاضة الشباب، متمثلا ذلك بثورة قصيدة النثر على القصيدة العمودية، وصعود نجم الرواية العربية على بقية الأجناس الأدبية، وانتقال الفاعلية الفكرية والثقافية من المركز القاهرة إلى الأطراف، وروح النقد التي بدأت تأخذ مكانتها في عقلية الإنسان العربي الأكاديمي والبسيط.
وإذ يختم كتابه بما وصل وتوصل إليه الطريق والخيار الثالث ، يضع جملة من المقترحات ذات التوجه الإنساني من أجل ضمان عيش كريم لإنسان متحرر من كل المخاوف والهواجس، وبرأيه هذا يتأتى من خلال تلاحم عناصر الثقافة والاقتصاد، واشتغال جيل من الفلاسفة والمفكرين والاقتصاديين لإخراج الحل إلى الوجود.
أن كتاب د. جورج الفار آفاق فلسفية ، يستحق أن يقرأ بعناية للوصول إلى المفاهيم العميقة التي طرحها ببساطة وروية، وكما قال المفكر هشام غصيب في معرض تقديمه كتاب الفار، إمام الحقيقة عارياً إني أحثكم، خصوصاً الشباب منكم على قراءته بعقل مفتوح ومناقشته بالجدية التي يستحقها .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هانم داود : الألعاب الإلكترونية .

الألعاب الإلكترونية تسبب انطوائية للشخص المدمن عليها أكثر من غيره ،فهى تعزله عن أسرته وعن …

| مهند النابلسي : “فلسطين الصغرى: يوميات حصار”* .

مع انطلاق مهرجان عمّان السينمائي الدولي- أول فيلم، اليوم، سيتاح لمحبي السينما مشاهدة أفلام مختلفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.