حسين سرمك حسن : العودة العظيمة؛ تحليل قصة زيد النار لجابر خليفة جابر (2)

فأمر المتوكّل بأن يقطع لسانه من قفاه !! فاي عقل “جراحي” مرعب ابتكر هذه الطريقة .. ويا لوحشية الإنسان !!
وإذ يتداعى طه والراوي إلى موقف تاريخي مقاوم في مواجهة الطغاة اتخذه إبن السكّيت ، وقبله ومعه موقف زيد النار وثورة الزنج وغيرها ، فإنهما إنما يقفان في بؤرة لهيب المحنة نفسها : محنة الإختيار بين موقفين أدنى نتائجهما الموت بشكليه المعنوي والفعلي . وفي كلا الشكلين تتواجه وتتصارع عملية “الهبوط” و”الصعود” . فأي موقف تراجعي منخذل حتى لو كان “معقلنا – intellectualized” تحت أغطية “التقيّة” المهادنة برغم تبريريتها الظاهرة ، هو عملية “بقاء” مادية أو “صعود” وقتي ، ولكنه سقطة “هبوط” معنوية تعني الإنثكال بالذات إلى الأبد ، وفناءها كإرادة ومعنى . وأي موقف تقحّمي وتعرّضي يعني الموت و”الهبوط” المادي النهائي ، ولكنه يرسم مثابة “الصعود” الذروة في حياة مذلّة على ذرى الكينونة المقتدرة والمؤمنة الباهرة . وبين كل موقفين هناك “مرحلة” إختيار بقدر “لحظة” هي الآن لحظة سردية تجري على درجات السلّم العباسي في وقفة الراوي عليها وهو يخيّر بين اتجاهين : اتجاه يهوي بذاته إلى الأسفل مرة واحدة وإلى الأبد ، واتجاه يحلّق بها إلى أعلى الوجود ليرصع جبينه بدمه والمدخل شسع نعل لا غير .. فيا لبساطة المجد ويا لتعقيدات الذلّة . ومرحلة الإختيار / المخاض / اللحظة تجري أمام بصر طه وبصيرته ، وينقلها إلى الراوي الذي كان “منأخذاً” في الزمان على الرغم من ثباته في المكان :
( تهبط الأرض إلى ما تحتها , على درجات السلم العباسي تهبط , تتذكر البصرة , زيد النار يحرق بيوت العباسيين ؛ تشتعل البصرة , تتمناه .. تشد الرحال إليه , تراه , وتصّاعد روحك وتصّاعد البصرة معك , أشعر بها معك ، بقلبك تنبض وبقلبي , كلانا ينبض لها , لانتفاضة الزنج , لزيد النار , لحرائقه في البصرة ولضريحه على الفرات . تتذكره وسامراء فوقنا ومعنا , تتدحرج وتهبط , حولنا وأمامنا , وتحيط بنا وتتدحرج بأجسادنا , تصبغ السلّم ، تلوّن حوافه بالخضرة وتتكسر عليه , ترابها يتكسر والطابوق أصفر أصفر وخابط ، والسلم طويل , في انحداره طويل وفي صعوده , وفيه روح ما , نبض سري وجاذب , يسحرك ويأخذ بك , يأخذنا خفيفا الى عوالم أنقى ودرجات عالية . مقامات تذهل فيها , عن نفسك وعني ، وكنت أنا منتبها ، وكنت تختض , أنظر إليك , تهبط مأخوذا , جسدك ينزل وروحك تتعالى , درجة , درجة , تنزل بك قدماك ودرجة درجة تتعالى , يشدك الضريح المذهب فتهفو إليه , وأصبر , أنظر إليك , تختض وترتعد , وجودك مغيب وهيأتك حضور , أمامك بركة المتوكل . تنزاح عن مكانها أو تترجرج , لا أعرف كيف , تغادر حوضها مقتربة منك , تنهض إليك , بمائها الغائب وإمائها الغائبات , ويتحرك القصر العباسي تحت سامراء , سامراء تتحرك والارض كلها تجاه قبة الذهب , والبركة أمامك ومقاصير الجواري , ولكن , لا أتراك ولا خلفاء , وحده الطابوق المتصخر والتراب , عطش وأحمر , والبركة تقترب فتذكرت ابن السكّيت والمتوكّل , احسست بك تتذكرهما , فقد نظرت إلى نعلك وسكت ) .
وهذه الفقرة الطويلة نسبيا ، في الوقت الذي تُغني فيه الناقد والقارىء عن عناء جهد تفسيري في جانب معيّن ، فإنها تتطلب هذا الجهد وتفرضه في جوانب أخرى من هذا المشهد من الحكاية ، وهو مشهد – وكما تؤكده المشاهد اللاحقة – يستمر فيه أولا توالي صوت المتكلم مع صوت المخاطَب – بفتح الطاء – من الجانبين : طه والراوي ، على الرغم من الشعور المتأصّل في نفوسنا بأنّ الصوتين إنما هما صوت واحد ومصدره واحد ، يعبّر عن “لسان” واحد تمظهر في لسان إبن السكّيت ، الذي يُستعاد موقفه الآن معبّرا عن اللحظة التي يتحوّل فيها وجود إنسان بأكمله ، بل فكرة وموقف أمة ، إلى مجرّد لسان . والحكاية كلّها هي حكاية “لسان” . هذا اللسان الذي يتوحّد الآن بمداورة ماكرة من القاص فيكون لسان طه المُحتبس الذي يجاهد للإنطلاق لاستكمال الكينونة المهددة والصوت المُحاصر مرة ، أو لسان الراوي “المنجذب” الآن وهو يعود ليستعيد الموقف اللسان الخلاصة لابن السكيت وهو ينظر إلى حذائه الرطب ذي الجلد الرديء واقفا على السلم العباسي مرة ثانية ، أو لسان الوجود الغامر لابن السكيت الذي يقطر دما على درجات السلم العباسي ويلوّن بركة المتوكل مرّة ثالثة ، أو لسان العودة ، لا الإستعادة ، العارمة لزيد النار كتعبير عن لساننا الجمعي الذي أضعناه مرّة رابعة . وكل هذه “الألسنة” يتصدّى جابر لجمعها في حركة سرديّة شديدة الثراء والتماسك :
( كأنك تنظر ولسان ابن السكيت يلون السلم العباسي بدم شهيد , يقطر ويقطر حتى الان وأنا أنظر إليك وقد نسيتني على الدرجة الأخيرة من السلم تركتني مرتبكا ونسيت , أين كنت ؟ وإلى أي زمان مضيت ؟
لعلك خارج كل أين ووراء كل متى . ولعلك لم تكن انت ؛ ولكني حقيقة أراك وأشعر بك , بأنفاسك , أحاطني المعسكر بوحدته وحدوده وأنت قربي , تحرر وحدتي وتطلق الحدود هادئا تسبح كنت أراك , لينا وملونا تغادر القصر , البركة , إلى أين ؟ البصرة تحترق قلت لي , والجنوب نار , تعال معي . قلت ورفعتني من إبطي فطرت , رفحا بحراسها البدو تحتنا , والبصرة أيضا , حراسها البدو , وساحة سعد , زخات رصاص ورشات دم , ومنهم من ينتظر , قلت لي , سمعتها منك , ونظرك شاخص تحتك حي الحسين , تشب حرائق وعلى المصلى سجدت المنارة مع الشهداء , قلت لي : ستقتل إن لم تغادر , رأيتك تغادر , وأنت تقف قريبا مني , وأي قرب كنت ذاهلا عن كل شيء , عن ذاتك ووجودك وعني , عن الأرض وعما يحيط بنا , كلمتك , لم ترد . وربت على كتفك وكنت تعلو وتبتعد , طيرانك نور , منجذبا إلى نور , قلت لي نور على نور . تراءى لي أنك قلت شيئا كهذا : نور على نور . فأخفتنى , ما بك ؟ ما دهاك ؟ سألتك بفزع وهززتك . فتوقفت عن القراءة , قراءة رسالتي , رأيتك تتوقف وتبكي … ) .
ومع البراعة في اللعب على وتر تعددية الأصوات ، هناك البراعة المتجددة التي تنامت الآن في التحكم بحركة الزمان منطلقين من وقفة الراوي على درجات السلم العباسي ، المذكّرة و”المتناصّة” مع وقفة إبن السكّيت ، في مناخ حرائقي هادر عام يستولي على البصرة ويضيّق على روحها ، “يتناص” مع مناخها ، و “زيد النار” يضرم النيران في مكامن الطغاة . وإلى اللحظة الزمانية “الماضية” لوقفة إبن السكّيت متأرجحا على “سلم” المتوكّل الإختباري المميت والتي يعيشها الراوي حاضرا وطه قربه ، يرفع نظره إلى أعلى ؛ نحو بداية السلّم فيراهم قادمين ، بثيابهم السود ، وأرديتهم الزيتونية مسلّحين بالسيوف والرماح ومدجّجين بالرشاشات . إنه المشهد نفسه – وقد صار مركّبا زمانا ومكانا – واللسان المطلوب نفسه . لقد اتسعت بركة المتوكل الحمراء لتصبح شط عربٍ داميا كل شيء فيه ينذر بالموت ، ويغص بغيلان الفناء التي كانت تقتل كل شيء ولا تكتفي بقطع الألسنة فقط . وكلّما اخترقت رطوبة ماء شط العرب الجارحة في أواخر شعبان عادة – شهر الحريق المهول ولاحظ التضاد بين الحالتين – تذكّر الراوي وقفة بن السكّيت ولسانه ؛ وقفة عزوم يشع بياضها في أن لا يتخلى المرء عن صاحبه . في تناوب محكم بين صوت طه ، الذي صار حضوره مباشرا ، وبين صوت الراوي الذي يمتزج معه ويتعشق بنبراته الخاشعة والمثيرة للرهبة حتى ليكادا أن يصبحا صوتا / لسانا واحدا ، هو لساننا المفقود :
( توقفت عن القراءة , سبحان الله , أحدهم هزني ، طه قربي , شعرت به والتفت إلى الأعلى , نحو بداية السلم ورأيتهم قادمين , بأرديتهم الزيتونية وبرشاشاتهم , وأنا على الدرجة الأخيرة من سلم القصر العباسي ,هل كنت أقرأ شيئا ؟ رسالة ربما ؟ أمامي كانت بركة المتوكل , تحت سامراء وأذيال الماء ترش ساقي تبلل الحذاء ، والجلد رديء . تمسني الرطوبة فأقشعر ؟ شط العرب قارس أواخر شعبان – قال طه وأقشعر – أنظر إلى حذائي لحظات , وإلى الماء أتذكّر نعل قنبر على وجه المتوكل , أتذكره وأراهم ينزلون مسرعين ولسان أبن السكيت يقطر دما , تتورد البركة بألوانه , تحمرّ , تغدو نارا وهم ينزلون قفزا , قفزا ينزلون , أرديتهم , رشاشاتهم , وأنا على الدرجة الأخيرة والبركة ملأى , دامية وملأى , تغص بالخليج وبشط العرب , ناعما وأزرق – باردا ومميتا يقول طه في رسالته – شط العرب قطعة ثلج , تقرص بقسوة وأنا أعوم , صاحبي يعوم , أمامي يموت , شط بارد وعريض , وورائي الموت . حرس وسلاح . والحي يحترق ، البصرة كلها , بيتا بيتا , والجنوب نار . أعرف أنهم سيأتون فقصدت الشط , أعرفهم , الصدور المطرزة بالرصاص أعرفها ، أعرف الجدران وأعرف شط العرب , المد عالي وبارد والحرس يقتلون أية حركة ولو ليمامة أو سمكة .. ) .
والجوهر المكين لكل هذه العودات – لا الإستعادات – هو محاولة الحصول على “الإسم” ، و”الهبوط” على سويداء روحه لتأمين “الصعود” بها إلى مواقع و”درجات” لن يكون من الممكن ، أبدا ، تحقيق مثل هذا الصعود المتفرّد . إن العودة المباركة للبحث عن فعل زيد النار وابن السكّيت التاريخي هو إنعكاس لنزوع ضاغط من قبل الراوي للإمساك بمعنى “الإسم” الذي ضاع منه طويلا . فنهضتا زيد النار وابن السكّيت العارمتين اصبحتا متضمنتين في إسميهما . وكل ما يرتبط بهما من مخزون ذاكراتي ماضوي يستلهمه الراوي وصاحبه طه تتفجّر شحناته التمثّلية من خلال تمثّل إسميهما . فطه – وعلى الرغم من خور قوى صاحبه وهما يحاولان الخلاص من رجال المتوكّل الجديد عبر قطع شط العرب القارص سباحة – لم يتخل عن صاحبه هذا . وعاد به مخلّصا إياه من الغرق – بالمياه أو الرصاص – إلى الجرف الذي يقف عليه ، متربّصين ، حرس المتوكل الجديد ورشاشاتهم تفتك بكل شيء . عاد لأنه رآها “سفينة النجاة” تشقّ الظلام بيضاء وكأنها فجر فاقع . بيارقها خضر خفّاقة والظلام من حولها نور . إنه “نور على نور” .. وتذكّر رفيقه الراوي وقصّته “الرجل الغريق” وكتابه القصصي “طريدون” . والقصّة والكتاب يدوران في إطار نفس الإيحاءات “المائية” الإنقاذية ذات المسحة الصوفية . وهما في الواقع عودتان وليس استعادتان ، فاستعادة أي شيء من زمانه معناها محاولة إفساده ونزع شروط بقائه تمهيدا لموته . نحن لا نستعيد “باك” أو “زيد النار” أو “ابن السكّيت” .. في هذا موتهم .. نحن نعود إليهم لنكتسب من حياتهم ما يحيي مواتنا إرادة ورؤى . وأطروحة “الإستلهام” التجاربي من سيرهم ما هي إلا إخدوعة علينا أن نحذر منها وقد ردّدناها طويلا . إن أسماء “باك” و”زيد النار” , “ابن السكيت” .. و”الحسين” باقية هناك على محور الزمان الماضي الذي هو حاضرهم الذي تتلألأ فناراته في أعيننا المتعبة وأرواحنا المُجهدة من بعيد . ومن قصّة جابر / المؤلف الحي الذي لا يموت ، “الرجل الغريق” – وقد ورّطه “طه” بهذه الإحالة فأقحمه إلى مسرح الحكاية بشخصه وتاريخه ولحمه الحي – التي تتحدّث عن رجل يلقي بالحياة أناسا وموضوعات طرّا خلف ظهره ، و”يغوص” في الماء للخلاص من عالم “الديناصورات” المتوكّلية إذا ساغ التعبير ، والتي أحرقت الزرع وأيبست الضرع ودمّرت حياة الناس و”أخصتهم” بالخوف على الرغم من هشاشاتها وأنها تحمل مفاتيح مقتلها على صدورها . من هذه القصّة يكفيني أن أنقل خاتمتها المدهشة المتمثلة في “الورقة الرابعة” لارتباط منابع رؤيتها بمنابع الرؤية الموحّدة والرائقة التي تتدفق نصوص جابر جميعا منها :
( حال انتشاله من النهر، أُرسل الرجل إلى مستشفى المدينة الكبير ووضعَ تحت العناية المركزة حيث أجريت له فحوصات دقيقة وشاملة وتخطيطات للقلب، قررَ بعدها كبار الأطباء إجراء عملية جراحية لاستئصال جسم إشعاعي غريب بدأ بالنمو سريعاً داخل أنسجة قلبه.
لم تمضِ سوى لحظات على اتخاذ الأطباء لقرارهم حتى عرف الرجل الغريق بما قرروه، ولم يضع الرجل وقتاً فأرسل عينهُ الجنوبية لتقصّي نوايا الجراحين ومعاينة صالة العمليات الكبرى، مُستبقياً عينهُ اليسرى لتراقبَ بيقظة ما يدور حوله….
وبُعيد لحظات من ارسالها عادت العين الجنوبية لتخبرهُ بما رأتهُ في صالة العمليات من أمر ذلك الغريق الذي طُرحَ على سرير أسود اللون والشراشف كانَ  صدَر الغريق مفتوحاً وقد تناثرت محتوياته على منضدة سوداء قريبة بينما أحاطَ الجراحون بقلبهِ الموضوع بعناية على صحيفة زجاجية تحت عدسات مجهر الكتروني حيث شرعوا بتشريحهِ بمشارطهم بحثاً عن حلمٍ يشبه الورم الخبيث يزعمون ان قلب ذلك الغريق مصاب بهِ….
وما ان انتهت العين الجنوبية من نقل ما رأت وعادت إلى وجههِ، ادرك الرجل الغريق ما ينتظره على أيدي هؤلاء، فحزمَ اوراقه وغادر المستشفى عائداً بأقصى سرعتهِ إلى أعماق النهر ).
أمّا كتاب جابر / الراوي ، القصصي “طريدون” ، فيهمني أن أحيل القارىء الكريم إلى دراستي الطويلة عنه : “طريدون .. والكتابة القصصية الجديدة” . وفي تحليل “الأثرين” نجد أولا أن جابر قد صنع له “اسماً” – حسب هاجس جدّنا جلجامش “أريد أن أصنع لي اسما .. أريد أن ترك لي ذكرى ، وهو يبرّر رحلاته المميتة في الملحمة العظيمة – بين كتاب القصة العراقيين والعرب . وهو – ثانيا – يمتح من نفس نبع ديانة الأمومة “المائية” برغم تمظهراتها المتنوّعة التي قد تربك المتلقي وحتى المحلل أحيانا من خلال تجسّدها في فعل الإبن المغدور مثلا . فالديانة اليهودية – وهذا رأي خطير – هي ديانة  الأب : قاعدة العين بالعين … إلخ ، و “الإنسان ضد الطبيعة : humanbeing against nature ” من الناحية الحضارية ، أما الديانة المسيحية فهي ديانة الأمومة وأصلها الديانة العشتارية الأولى – قاعدة كلّهم أبنائي و “الإنسان ضمن الطبيعة : humanbeing among nature”  من ناحية البناء الحضاري ، وأما الديانة الإسلامية فهي عودة إلى الديانة اليهودية كديانة أبوّة ، لكنها أثمرت “مذهبا” أموميا ممثلا بالمذهب الشيعي الذي شكّل الإطار الفلسفي العام لنشاط جابر خليفة جابر – سردا وشعرا وكتابة نثرية عامة – . ولعل من أهم رموز هذا المذهب الأمومي (روح الأنوثة الخلّاقة) هو الماء ( وخلاصة دوره في الوصف الإلهي : “وجعلنا من الماء كل شيء حيّ” .. والذي قُتل من أجله وبه الإمام الحسين الإبن والسبط العظيم ) وما يرتبط به من رموز ثانويّة معبّرة في مقدمتها ما انغرس في وجداننا الجمعي ، وهي السفينة البيضاء .. سفينة الأمومة وصدر زمانها .. مخلّصة أوتونبشتم / وزيوسودا ، الجدّ الأسطوري الأول (السومري والبابلي على التوالي) للبشرية ، ونوح الجد الديني الأول للبشرية من غضب الآلهة والله – على التوالي – في الطوفان العظيم . وهذه عبارة مركّزة ومعبّرة من كتاب “طريدون” لجابر تلخّص ما نريد قوله في هذا المضمار :

(” باك ” أيها الحكيم في أي طريدون حدثت قصتك، في تلك الغارقة قبل الميلاد أم التي بعده بألفي عام أم بينهما من طريدونات وموانيء ؟ ) .
ولا يجد الراوي – الوريث ، وما أقسى أن تكون وريثا حسب “غوته” – من منفذ للخلاص بعد أن عرف “أسماء” المخلّصين كلّها ؛ أسماء الأبناء الأمينين حدّ الفناء على مواريث الأمومة وبركاتها المنعمة التي فيها خلاص الذات والجماعة من الطغيانات الساحقة لكل متوكّل قديم أو جديد . وبالنسبة للإثنين : الراوي وصاحبه “طه” ، فإن الطريق الأعظم للفعل الإنقاذي ، هو التشبّث بسفينة الخلاص .. من الماء جئتَ وإلى الماء تعود .. هكذا وجد طه سبيل خلاصه الذي لا يخيب ، وهو يحكي لصاحبه الراوي في رسالته مصوّرا محاولته في “الصعود” الأخير والفذّ :
( صوبوا رشاشاتهم وكادوا , لولا أنني رأيتها , شقّت الظلام فرأيتها , كأنها فجر, وشقت الشط وأنا أسبح وصاحبي يغرق , يغرق بالرصاص وانا أسبح , كأنها فجر , رأيتها , سفينة من بياض , بيارقها خضر خفاقة والظلام من حولها نور . فتذكرت – يقول طه في رسالته – تذكرت قصتك ( الرجل الغريق ) وتذكرت (طريدون ) باخرتك البيضاء أو كتابك القصصي , تذكرتهما وتمنيت لو أنك كنت معي , والمد قوي وسفينة النجاة تقترب , الفجر يقترب ,أسبح تجاهها وتقترب بيضاء , قبة الذهب فوقها , سامراء فوقها وهي تقترب , بيارقها خضر والحرس على الجرف يقتلون أية حركة ولو ليمامة وأنا اقترب من الفجر … وتمنيتك معي ) .
.. أمّا الراوي / القاص الوريث ، ففعله يعلن أن لا وقفة حيرة على السلم العباسي بين “الهبوط” و”الصعود” بعد الآن ؛ فعله أكثر مباشرة وقوّة في العودة إلى الرحم الأمومي المنعم والحامي ، فعل قرّره بإراة حديدية وعزم لا يلين ، رغم تزامنه النفسي العميق مع فعل “طه” في رسالته :
( فأغلقت القراءة – رسالة طه أغلقتها , ونظرت إلى اعلى السلم العباسي لقصر البركة , كانوا يقتربون , الحرس العباسي يقتربون بأرديتهم السود – بضع درجات – برشاشاتهم ورأيتها , سفينة النجاة , تعترض الأمواج ترد ارتطاماتها وتنتفض , على قلب الحمرة المشرقية رأيتها قبة من ذهب وبياض , قلت : من ركبها نجا , وقرأت على صاريتها ( صدر الزمان ) بأحرف من رضا , قرأتها وقفزت إلى الماء … ) .

# ملاحظات ختامية مهمة :
—————————
1 – كتب جابر خليفة جابر نصّه هذا في مدينته الأسطورية ؛ مدينة المدن ، البصرة ، بين شهري كانون الأول وكانون الثاني من عامي (1998 و 1999) ، وتأريخ النص شديد الدلالة والخطورة لأبطال الوقت الضائع (مع الإعتذار لمارسيل بروست) المنتفخين الآن يستعرضون عضلاتهم البلاستيكية ، بعد أن خرج الجمهور من ملعب النظام السابق .
2 – بعد 9 / 4 / 2003 ؛ أي بعد احتلال بغداد المحروسة من قبل الأميركان والبريطانيين الخنازير الغزاة ، كتب الناقد المثابر “مقداد مسعود” في صحيفة “الوحدة” البصرية مقالا بعنوان : ( جابر خليفة – الشجاعة في حينها ) ، تحدّث فيه عن الجرأة والشجاعة ( وحسب وصف بعضهم التهور ) في نشر هذه القصة في العدد 11 من اصدارات ( البصرة اواخر القرن العشرين ) الذي صدر عام 2001 .
3 – هذا النص – والملاحظة من جابر بصورة شخصيّة – هو النص الرئيس لكتاب قصصي عنوانه (صدر الزمان ) . وثمة نصوص قصيرة اخرى معه . ( لكن لم استطع – كما قال جابر – إكماله لتورّطي بالنص السياسي الكبير- من عناوينها – : ” تبارك تشرب الشاي” ، ” هؤلاء هم اهلي – اقصد الشهداء اصدقائي واحبتي – ” ، “كانوا يحتفلون” ، ” بيتنا خارج الباب” (عنوان قصة أو كلمة لبورشرت حين عاد من الحرب ، ووجد بيته مهدّما ) وغيرها ، سازودك بها تباعا إن سمح ظرف الانتخابات الثقيل ) .
وبالمناسبة وحسب معلوماتي فإن جابر من الذين عادوا من الحرب ، ومن الذين هدم بيتهم !!
4 – وارتباطا بإشارة جابر في الملاحظة الثالثة أعلاه إلى أنه لم يكمل كتابه القصصي “صدر الزمان” بسبب تورّطه – وهذا اعتراف نبيل – بالنص السياسي الكبير ، أستطيع القول وبحزم إن السياسة قد تكون ربحت جابرا لبعض الوقت ، إلا إنها من العوامل التي جعلته “يعود نادما” حسب التعبير العسكري الدارج في العراق ، ليربحه الأدب السردي العراقي طول الوقت .

هوامش :
————
(1) زيد النار – جابر خليفة جابر – قصة قصيرة في العدد 11 من (جماعة البصرة أواخر القرن العشرين ) الصادر في عام 2001 .
(2) اللغة والمرآة – أطروحات عربية في التحليل النفسي – د. حورية عبد الواحد – تعريب : حسن عودة – دار بدايات – دمشق – الطبعة الأولى – 2006 .
(3) الفتوحات المكّية – إبن عربي .

شاهد أيضاً

خليل مزهر الغالبي: الخطاب العابر للأدلجة لرواية السماء المقَسَمة للروائية الالمانية كريستا فولف ترجمة الدكتور رياض احمد طه

الكاتبة الألمانية ” كريستا فولف (1929-2011)كاتبة حرة من جمهورية “المانيا الديمقراطية” انذاك، حصلت على عدة …

مسرديات عز الدين جلاوجي اجتراح تجريبي لنوع أدبي جديد
صباح الأنباري*

أولا. المسرديات القصيرة: الكلمةُ أو المقدمةُ التي افتتحَ بها عز الدين جلاوجي مسردياته القصيرة جداً …

روايات مترجمة: (8)أناس في ليل الصيف (من الأدب الفنلندي) فرانس ايميل سيلامبا
ترجمة: كاظم سعد الدين
قراءة: ناطق خلوصي

يقول توماس ووربرتن في الدراسة التي كتبها عن الروائي الفنلندي ” فرانس ايميل سيلامبا” ان …

تعليق واحد

  1. جابر خليفة جابر

    أزاء هذا النص النقدي التحليلي المدهش لي شخصيا على الاقل ،لايسعني الا ان اقف اعتزازا بفامتك المعرفية الفارعة والمتفردة واعترف بأن هذه الدراسة كما أراها قد تجاوزت النص الاصل لتحيله الى هامش لها ،بعد أن سبرت اغواره وارشدتني الى مكامن وكشوفات عميقة لم التفت اليها من قبل، بل وجعلتني اعيد قراءة زيد النار قصتي بوجه جديد ومتغير /تحياتي للناقد الفذ الدكتور حسين سرمك واعجابي بقدراته المتوازية كما ونوعا على صعيد الابداع العراقي المتحرر من عقد الذيلية والانبهار النقائصي المريض..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *