مسلم السرداح : خاطرة نقدية ؛ عبد الفتاح ألمطلبي وقصته القصيرة “ثمن الحرية البخس”

لا يمكن للأديب الرصين ، إن يكتب عن أي موضوع ، وان يبدع فيه إلا إذا حاول أن يعيش جو الموضوع أو يتقمص ظرفه الموضوعي  . وذلك بان يضع نفسه  داخل قالب الحدث  الذي يريد الكتابة عنه . ويصبح بالتالي هو من يقوم بدور البطل ولأجل ذلك   يتوجب على الأديب القاص ان يقوم بدراسة الحالة التي يتعرض لها ، دراسة شاملة تسبق مرحلة المعايشة ليضمن صدق الرؤية وملامستها لما يريد النص أن يقوله ناقلا بذلك الرؤى عبر إشارات دالة تستطيع إشباع فضول القارئ و اجتلابه للنص .
في قصته القصيرة الموسومة ” ثمن الحرية البخس ” يذهب الأديب  المبدع ” عبد الفتاح ألمطلبي ” إلى   تقمص حالة  الموظف الجالس هنا في السيارة الكبيرة والذي سوف يصل وشيكا إلى موقع عمله في مفوضية شؤون سجناء الاحتلال التي تعمل على المساعدة بإطلاق سراح المسجونين من  سجن تابع لسلطة الاحتلال . وبالطبع إن ، السجن هو السجن ، سواء أكان أمريكيا أم عراقيا أم أيا كان ولكن كاتبنا أراد إن لا يجعل فكر القارئ يشطح إلى البعيد نائيا عن الفكرة الأساسية للقصة عن طريق جعل السجان مجرد وجود  غير قابل للتفسير ، ووجهات النظر .
لقد ساعدت المرآة الكبيرة ، الخاصة بالسائق المسئول عن الوصول  اليومي هنا كما يبدو  ، الموظف بطل القصة ساعدته إن يرى الناس من خلال المرآة وهم ينعكسون متجاذبين مع روحه الساقطة في مكان ما من جسده .
إن الموظف الذاهب إلى عمله هو ليس ضمن السجناء بالطبع ، وليس هو السجان . ولكن روح الكاتب ، هي التي تشعر بالسجن بسبب ذلك العمل الروتيني اليومي غير المنتج . ولذلك هو يسعى للحرية شان السجناء وهو لهذا السبب تراه يشتري عصفورا يطلقه لروحه في نهاية النص .
الفكرة متعلقة بالحرية ابتداء من عنوان القصة إلى   نهايتها . والمشكلة هنا . فنحن نرى صائد العصافير الذي هو في نفس الوقت بائعها يعبر عن تلك الظروف القاهرة  و أساليب الإغراء و الاستدراج للسجناء والذي يطلق سراحها  الحب والعاطفة وسعي الأهل للمطالبة بذلك لكن بائع العصافير هو الذي يقوم بإعادتها للقفص مرة ثانية عن طريق الإغراء والغدر  وهو يمثل أذرع الاحتلال العاملة وسط الشعب و بائع العصافير يعرف إن ذلك يدر عليه منفعة ومصلحة وقد تماهى صائد العصافير وبائعها مع المحتل بواسطة دس تلك الإشارة الواضحة  وهي القبعة الأمريكية . إما الشبه بين بائع العصافير والأمريكان من خلال قبعة الكاوبوي فان كلاهما سجان وكلاهما منتفع وأيضا إن كلا منهما يطلق العصافير( السجناء ) ليعود لاصطيادهم .
ويصح هذا الكلام على صاحبنا الموظف وابنته  ، ينتظر الراتب في نهاية كل شهر ليوفر لها ماهو مطلوب . وبغض النظر عما إذا كانت لديه ابنة أم لا فانه بحاجة للراتب ولقد ضرب ألقاص بفكرة إن الإنسان لكي يعمل لابد له من ثمانية أطفال أو أكثر أو اقل قليلا لتضطره الحاجة للعمل . الحاجة المادية  ووجود الابنة كلاهما قيد ويا له من قيد !!
ألمطلبي وهو يصور و يتقمص بطله   الموظف لايختلف بشعوره عن السجناء المخفيين عن الأنظار وهو ينتظر ساعة الفرج ليتخلص من هذه الوظيفة المشكلة ربما لان أبناء جنسه من العراقيين هم المسجونون والسجان أمريكي بالطبع وها هو ذا يعمل لدى الأمريكيين من اجل لقمة الخبز ليس إلا . وحاله هنا هو نفس حال بائع الطيور .
القصة جميلة لما فيها من الصور التي تظهر دائما في قصص   ألمطلبي القصيرة . ومن تلك الصور منظر الأهالي وهم يتوسلون إلى قوى الطبيعة الخفية من خلال واسطة صغيرة معنوية هي العصافير يطلقونها لتخليص أبنائهم  من السجن وهذا يشبه إلى حد بعيد ما ذكرته إنا كاتب السطور في قصتي القصيرة “المتسولة ” وكيف يسترضي الإنسان قوى الطبيعة الغاضبة عليه بلا سبب يقترفه . وهذه مشكلة الإنسان الشرقي والعراقي على وجه الخصوص منذ أيام الخصب الديموزي الذي لايحصل إلا حين يحل الجدب والجفاف في أيام الصيف القاحلة .
وهناك المشكلة الكبرى التي لا مهرب منها هو العمر الذي ينسرب بهدوء غامض راسما ملا محا بشكل شعرات بيض تمثل المظهر الخارجي لشيء عميق تشوبه الحسرات وهو مرور السنين في كل يوم بشكل أكثر مهزلة وسخرية مما قبله لو صح إن نطبق مقولة هيغل و ماركس إن التاريخ يتكرر في الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة . إذن حياة الموظف تبدو في كل يوم مهزلة اكبر من اليوم الذي قبلها .
انه بالتأكيد يشاهد نفسه في كل يوم سواء من خلال مرآة السائق التي اعتاد الجلوس أمامها كعادة الموظفين الذين لايغيرون مقاعدهم في باصات نقلهم . أو مرآة الحلاقة أو تمشيط الرأس . ولكنه يظن – باعتقادي – انه يرى نفسه لأول مرة .
الملاحظة الجديرة بالقاص عبد الفتاح ألمطلبي انه يتعامل مع الطيور والأطفال كصورة من صور الحرية المطلقة والنقاء والبراءة في كل كتاباته . وهذا لعمري شعور يشترك فيه جميع الأدباء المبدعين .
الشيء الذي يميز الاديب ألمطلبي كقاص  انه عميق في نفس الوقت الذي يمكّن القارئ من فهمه وبذا يكون منتجا . أي انه جميل بواقعيته وليس جماله للجمال فقط وهذا ما لمسته  بمجمل قصصه .
من التعابير الجميلة في القصة التي تحتاج التوقف عندها :
1-    بين فضائين يحيطهما الإسمنت من كل جانب رأى روحَه تترسب بعيداً في مجاهلِ جسده ِ الذي لم يعد كما عهده من قبل،
2-    منهمكين بإزاحة ما التصق بوجوههم من خيوط البؤس والقنوط وهم يختفون وراء ضحكات مبتسرة و أحاديثَ لا تتعلق بهم
3-    بدا كلُ شيءٍ مستقراُ في مكانه ِلا يتزحزح في كيانه المدجّن
4-    كان الرجل بائع العصافير يعتمر قبعة أمريكية من مخلفات مواقع الاحتلال التي ينتقلون منها لمكان آخر سيتركونه يوما مخلقين ورائهم أنقاضاً وفوضى، رفع قبعته كما يفعل الكاوبوي في الأفلام
ـ ربما يا سيدي فالقمح والشوفان يغري العصفور والعصفور يفقد ذاكرته عند الجوع
ـ إذن هل يقبض العصفور ثمن سجنه شوفاناً و دُخناً، ما أبخسه من ثمن؟!
تحية للكاتب الأديب الكبير عبد الفتاح ألمطلبي في قصته الجميلة ثمن الحرية البخس التي يجدها القارئ بعد هذا الكلام .

ثمنُ الحريةِ البخسُ / عبد الفتاح ألمطلبي
بين فضائين يحيطهما الإسمنت من كل جانب رأى روحَه تترسب بعيداً في مجاهلِ جسده ِ الذي لم يعد كما عهده من قبل،
وعندما تحرك الباص مبتدئا رحلته اليومية كانت المرآة الكبيرة التي يضعها السائق لرؤية ما يقع خلفه تتيح له أن يرى وجهه من فوق كتف السائق، نظر ملياً إلى كفه المعروقة بشكل لم يلحظه من قبل ثم انتقل بعينه إلى فودهِ الأيسر الماثل في المرآة ، شاهد تلك الشعرات الدقيقة الملتوية ذات اللون الأبيض التي انتشرت بشكل ملفت متخللة اللون الأسود وود لو لم يفسح ذلك السواد مكانا للبياض الذي ينبئ بشيخوخة مبكرة و إن الوقت يتقدمه كثيراً و عليه أن يحاول ما استطاع تفهمَ وقبولَ ما يجري لروحه التي بدت مثل لُقيةٍ ملقاة في قعرٍ سحيقٍ، ود في تلك اللحظة أن يبكي بكاءً مراً فقد كانت الأحلام مجرد وهم أحسنوا صنعه والآن لا شيء من تلك الأحلام غير شعور بالإحباط والأسف وعندما تلفت حوله رأى الجميع في الباص الكبير (علامة فورد) منهمكين بإزاحة ما التصق بوجوههم من خيوط البؤس والقنوط وهم يختفون وراء ضحكات مبتسرة و أحاديثَ لا تتعلق بهم فكتم رغبته واكتفى بالوجوم، بدا كلُ شيءٍ مستقراُ في مكانه ِلا يتزحزح في كيانه المدجّن على مواصلة هذه الرحلة التي يمارسها يوميا كفعل ميّت في حيّز روحه من لحظة ركوبه الباص حتى دخوله بوابة هذا القفص الكونكريتي الضخم حيث يزاول عمله، جلس إلى الطاولة التي تشاركه انقباض صدره منذ تدرب على مجارات هذا الانقباض من أجل طفلته و لأول مرة عند انطفاء تيار الكهرباء أحس بالاختناق رغم إن ذلك حدث كثيرا لكن روحه لم تتضاءل لهذا الحد من قبل، أراد الفرار بيدَ إن أسوارَ البناية المحروسة جيدا بعربتي (همفري) و بالنظام والمدراء ورغيف العائلة الذي يوفرهُ ببيع روحه لهذا الكونكريت المتعالي لحد إشعاره بالعجز، هذه الأسوار التي تعمد إلى وأدِ رغبته تلك،شعر هذه المرة أن روحه أللائبة قد بلغت التراقي، خارت قواه ولم يقاوم رغبته بالفرار بما تبقى له من هواء خارج البناية التي دأبت على تلفيق قناعته بوجوده بين جدرانها، تقدم بقدم ثابتة ولكن بعينين زائغتين نحو رب عمله:
ـ أستاذ هلاّ سمحتَ لي بالذهاب إلى البيت؟، هناك ظرف استثنائي يخص عائلتي !
لم يمانع الرجل لكنه شك أنه مريض وإن ظرفه الذي تكلم عنه ليس بعيدا عما يعانيه الجميع هذه الأيام،وخلال المسافة التي تفصل بوابة مفوضية شؤون سجناء الاحتلال التي يعمل موظفاً فيها عن البوابة الخارجية لسياج الكتل الكونكريتية العملاقة تسرب خيط من الشعور بالذنب لعدم تمكنه من مواصلة تمشية الملفات الكثيرة للسجناء التي تنتظر الحسم منذ زمن طويل وحين اخترق الحاجز الأخير من الإسمنت شاهدَ أهاليَ السجناء آباءً و أمهاتٍ وزوجاتٍ شاباتٍ وأطفالاً ينتظرون مناداتهم من خلال النافذة الصغيرة المعدة لهذا الغرض، زاد شعوره بالأسى وتفاقم ولم ينقذه من شراسة هذا الشعور غير تلك الجلبة والزحام على شيء ما غيرَ بعيدٍ عن البوابةِ، غلبه الفضول فراح يخطو نحو تلك الجلبة، وسّع له المزدحمون المكان وانشقوا كما انشق البحر لقوم موسى حين هروبهم من فرعون فاستغرب هذا التصرف منهم ولكنه حين رأى بطاقة التعريف الحكومية التي لازالت تتدلى من عنقه كفّ استغرابه وحمد لها هذا الصنيع وانحسرَ بحرهم المتلاطم عن رجلٍ وابنهِ يذودان عن قفصٍ من الأسلاك المتينة بعيون صغيرة وقد امتلأ بعصافير الحقل العادية الوجِلَةِ، تقدم إلى الرجل مستفسراً، قال: ـ فكُّ رقبة! يا سيدي، إطلاق سراح عصفور بألف دينار لعل الله ينظر بعين رعايته للسجين ويطلق سراحه، إنه رزقنا يا سيدي إننا لا نفعل ما يخالف القانون، صاحت امرأة وهي تلوّح بورقتين من فئة الألف أعطني عصفورين لأطلقهما لوجه الله فأنا أم لسجينين عند الأمريكان، صاحت الأخرى، عندي ثلاثة، أخرج ورقة من فئة الألف قائلا أعطني واحداً لأطلقه لروحي، أخذ العصفور الذي كان يزعق بفزع وأطلقه،تابعه وهو يطير نحو فضاء عميق الزرقة غير مصدقٍ بحريةٍ كانت قبل قليل ضرباً من الأحلام لعصفورٍ يائس، أحس براحة لم يألفها وهو يعي أنه قد حرر عصفورا للتو من سجن يُطبق عليه، فكر أن العصفور ربما انتابه الشعور ذاته الذي شعر به عندما كانت تُطبق عليه جدران الإسمنت وتخنق روحه، راقب العصفور و قد انطلق في فضاء لا نهاية له ساحباً خيطا من روحه نحو ذلك الفضاء الكبير لكنه ليس كالعصفور سيعود بقدميه لقفصه الكونكريتي غدا بمجرد أن ينظر لعيني طفلته الصغيرة، يحصل نهاية كل شهر على رزمة من الأوراق النقدية مقابل هذه الروح التي تدخل إلى سجنها على مضض وتساءل هل تقبض الروح ثمن سجنها ؟
في اليوم التالي تعمد النزول في البوابة الخارجية متعللا بعذر، اتجه إلى حيث بكّــر بائع العصافير قال له:
ـ من أين تأتي بكل هذه العصافير، وكيف فكرت بهذا الأمر، الحق إنه عملٌ رائجٌ ، من منهم لا يشتري عصفورا ويطلقه من أجل فأل حسن لسجين حبيب؟
كان الرجل بائع العصافير يعتمر قبعة أمريكية من مخلفات مواقع الاحتلال التي ينتقلون منها لمكان آخر سيتركونه يوما مخلقين ورائهم أنقاضاً وفوضى، رفع قبعته كما يفعل الكاوبوي في الأفلام وقال:
ـ أوه يا سيدي أنا لا أملأ قفصي بالعصافير بسهولة، أنا أنفق الكثير لكي آتي بها إلى هنا و أنت تعلم إن العصفور صار أكثر حذرا من ذي قبل، ولكن الحاجة إلى الطعام أقوى من الحذر إنها أرزاق يا سيدي إن للحرية ثمنها، لاشيء دون مقابل.
ـ ربما ..ربما هي العصافير ذاتها التي يطلقونها تعود لقفصك مرة أخرى
ـ ربما يا سيدي فالقمح والشوفان يغري العصفور والعصفور يفقد ذاكرته عند الجوع
ـ إذن هل يقبض العصفور ثمن سجنه شوفاناً و دُخناً، ما أبخسه من ثمن؟!
سمع الرجل الجملة الأخيرة ورأى إنها مقبولة لتمشية أموره.
ـ ماذا تقول يا سيدي … ها .. لم أفهم؟
ـ لا عليك أنا أكلم نفسي، هاك الألف وأعطني واحدا، تناول العصفور أطلقه نحو الفضاء أحس براحة وشعور بالغبطة وهو يحرر العصفور ثم واصل طريقه نحو البناية الكونكريتية وصوت الرجل بائع العصافير يتناهى إلى سمعه :
ـ يا بلاش فك رقبة بألف فقط حرر عصفور لعل الله يحرر ذويك من سجنهم، يا بلاش الحرية بثمن بخس حرر عصفور يحرر الله أحبابك
وعندما دلف إلى جوف البناية الكونكريتية انقطع صوت بائع العصافير، جلس إلى طاولته راح يقلب أوراق الملف الأول، ذهل حين قرأ اسم السجين (علي حسين مهدي) فقد كانت حروفه الأولى ذات حروف اسمه (عمر حامد مصطفى).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

تعليق واحد

  1. عبد الفتاح المطلبي

    شكرا لأخي الأديب مسلم السرداح لكريم جهده في هذه الإضاءة النقدية الجميلة لقصتي الموسومة ثمن الحرية البخس متمنيا له كل الخير والتقدم
    عبد الفتاح المطلبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.