د. عبد الله ابراهيم : حوار لا تنقصه الصراحة*

* أجرى الحوار: علي كاظم داود

ـ اخترتم السرد مجالاً لاشتغالاتكم النقدية، ما السبب وراء ذلك؟ وهل في سيرتكم الذاتية ما عزز هذا الاختيار ورسخه؟
*اعتبر عملي في مجال الدراسات السردية استمرارا لبداياتي الأدبية، إذ كنت شغوفا بكتابة القصة القصيرة، وأصدرت مجموعة بعنوان “رمال الليل” في عام 1988، وكنت أعد نفسي بصورة جدية للكتابة الروائية التي أراها المجال الأنسب لي في الكتابة السردية، لكن النقد كبح كل ذلك وعطله، وأعاق استمراره. على أننيأحاول ضمنا تعويضتلك الخسارة بدراسات متصلة بالمنطقة الأحب إلى نفسي، وهي “الكتابة السردية”. وعلىالرغم من كل ذلكفلم انقطع كلية عن ممارسة كتابة فيها كثير من العناصر السردية، كالسيرة الذاتية، واليوميات، والأسفار، وهي مادة ضخمة لم أنشر منها شيئا، وأخطط لأن أتولى أمرها، تحريرا ونشرا، في المستقبل القريب.

ـ ما المشروع الذي أخلصتم له، ونذرتم منجزكم النقدي من أجله؟
*المشروع الذي أخلصت له هو الدراسات السردية. وقد مر بمرحلتين، مرحلة أولى نظرت فيها إلى السرد باعتباره وسيلة أدبية مخصوصة بالكتابة الأدبية فقط، وظهر ذلك في كتبي الأولى، وفي أثناء عملي الأكاديمي في عدد من الجامعات العربية أستاذا للدراسات السردية والنقدية. ثم مرحلة ثانية طوّرت فيها مفهوم السرد حينما ربطته بـ “المركزيات الثقافية” فانفتح المفهوم على دلالات جديدة شملت المرويات الدينية، والتاريخية، وكافة السرديات الحاضنة لفكرة الهوية، والحداثة، والأعراق، الأقليات، ومجمل التخيلات التي ترسمها المجتمعات لنفسها ولغيرها. وأُعد هذه المرحلة، أقصد “مرحلة السرد والمركزيات الثقافية” هي البؤرة المركزية في عملي النقدي.

ـ ما تقويمكم لما هو متحصّل من نقد للفنون السردية العربية المختلفة، على المستويين التنظيري والتطبيقي؟ وهل ثمة تفاعل نقدي ايجابي مع هذه الفنون؟
*الظاهرة السردية قارة لم تُستكشف بعد كما ينبغي، وتحتاج إلى جهود كبيرة للالمام بها تحليلا وتأويلا. وما زال النقد يتكيء على حواشيها شرحا ووصفا، ولم يتغلغل في صلبها. وفي العموم يفتقر النقد العربي إلى الجرأة، وتنقصه المنهجية الثاقبة، وتغيب عنه روح المغامرة الهادفة إلى الكشوفات الجديدة، ومعظمه مدونات تعليمية يحاكي فيها تجارب نقدية انجزتها ثقافات إنسانية أخرى بأساليب مدرسية جافة لاحياة فيها إلا ماندر.

ـ ربما يعتبر السرد ديوان الإنسانية، والعرب أيضاً، لا الشعر..هل ترون ما يؤيد هذه الفكرة أو يخالفها، ولماذا؟
*يؤيدها تماما؛ فبالسرد وقع تمثيل مسار التاريخ البشري منذ بدء الخليقة إلى الآن. وهو ما يتعذر على الأنواع الأدبية الأخرى القيام به. وأستطيع القول، فيما يخص الظاهرة السردية العربية، بأنها كانت الأكثر قدرة على تمثيل رمزي لمجمل الوقائع الكبرى للمجتمعات العربية والأقليات التي تحتضنها منذ العصر الجاهلي إلى يومنا هذا، فيما كان الشعر، في معظم الأحيان، تعبيرا فرديا عن أحداث مخصوصة، ولا مجال، في تقديري، للمقارنة بين ظاهرة قامت بتمثيل آمال الأمم وتطلعاتها وبين نصوص شعرية متفرقة عبرت عن رؤى فردية للشعراء. ولاينبغي اهمال حدود الأنواع الأدبية، ووظائفها، وجودة الكتابة فيها، ومع أن قيمة القول الشعري في تراجع مطّرد منذ عقود، فإنه حتى في أوج أزدهاره، لم يفلح في تمثيل الأحداث الكبرى كما فعل السرد. ولهذا ينبغي على الدراسات النقدية أن تفتح الأفق أمام الظاهرة السردية فتربطها بالمخيال التاريخي والديني والاجتماعي للأمم.

ـ ما هو تصوركم لواقع السرد العربي، وكيف يمكن تطوير آليات الاشتغال به، وعليه؟
*الظاهرة السردية منفتحة على العالم، لها قدرة على ابتكار تقنيات جديدة تمكنها من التعبير عن موضوعها بأفضل الطرق الممكنة، شرط أن يكون الكاتب عارفا بما يريد قوله، فحيثما التفت الناقد وهو يحلل السرد يجد طرائق تعبير جديدة، وتقنيات جديدة، وأساليب جديدة، وأبنية جديدة. فما أن تستقر نظم السرد إلا وتنهار أمام نظم جديدة يدفع بها السرد كالأمواج الهادرة, ومع أن السرد العربي الحديث قد انفتح على إتجاهات جديدة لم تكن معروفة من قبل، مثل: التخيّل التاريخي، والسرد النسوي، والسيرة الروائية، وموضوع الهوية، وموقع الأقليات، وتمثيل التجربة الاستعمارية، وهي موضوعات شديدة الأهمية، فإن معظم الروائين العرب، نساء ورجالا، يلازمهم خمول ظاهر، ويستبد بهم كسل معلن، فلم ينتبهوا إلى القوة الجبارة للسرد، فكتبوا أعمالا أدبية مترهلة، كثير منها مملوء بالإنشاء الجاف، والوصف الساكن،فالحبكات رتيبة، والشخصيات نمطية، والنهايات شاحبة، والأساليب اللغوية تقليدية، فيعزف عنها المتلقّي، فلا تجد اهتماما يذكر بها لا من  طرف القراء ولا من طرف النقاد، وأرجع ذلك إلى عدم فهم الوظيفة التمثيلية للسرد. وبالإجمال، فأرجّح بأن معظم الكتاب يشتغلون بمعزل عن الظاهرة السردية في العالم التي قامت بتمثيل أحوال الأمم بدرجة رفيعة من التمثيل، وهو ما يندر وجوده في السرد العربي الحديث إلا عند عدد محدود من الكتاب بين المئات الذين يتدافعون في الساحة الأدبية متوهمين أنفسهم كتابا نابغين. وإلى ذلكفغياب الحرية، وضحالة التجربة الذاتية، وقلة الإطلاع، وعدم الاهتمام بقيمة القول السردي، جعل السردية العربية متأخرة عن مثيلاتها في اليابان والصين، وفي أمريكا اللاتينية، وفي أوربا. الكتابة الانشائية سمة عامة في الكتابة السردية العربية، وهي نقطة ضعفها الأساسية، ويجب تداركها بسرعة. وفضلا عن ذلك فقد أصبح السرد وسيلة بحث في أشد القضايا أهمية، مثل قضايا الدين، والعرق، والنوع الاجتماعي، والعلاقة مع الآخر، والتاريخ. ومعظم هذا ما زال شبه غائب في السرد العربيأو أنه لم يستأثر بالاهتمام الكافي. ينبغي على الكاتب العربي أن ينتبه إلى أن عصر اصطناع حكاية متخيلة يهيم بأحداثها القارئُ قبل نومه قد انتهى، وانخرط السرد في معمعة الصراع السياسي والثقافي والديني.

ـ ما هو المأمول لمستقبل الإبداع السردي العربي، بعد أن دخل عصر التواصل التقني العالمي، وانفتح المكتوب الورقي على الالكتروني؟
*إن لم يعجّل في توظيف تقنيات التواصل الجديدة فسوف يترك مهجورا، فلا يعرف به أحد، فقد وفرت تلك التقنيات امكانات تواصل عظيمة سوف تترك أثرها في أساليب الكتابة، وفي تداول النصوص السردية.

ـ كيف ترى وضع المبدع والكاتب الاعتباري في المجتمع؟
*وضع مؤسف وهامشي، فالكاتب غير معترف به على العموم، ولم يرتق إلى أن يصبح فاعلا اجتماعيا يحظى بالاهتمام كما هو الأمر في حال رجل الدين، ورجل السياسة، وزعيم القبيلة. يكاد الكاتب يكون أشبه بلوحة زيتية ملعقة في ركن معتم لا تثير إلا فضول أقل عدد من الناس، وتأثيره محدود في الميدان العام، ولم ينجح في تشكيل أية مرجعية ثقافية أو أخلاقية للمجتمع الذي يعيش فيه.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هايل علي المذابي : حوار مع الفنان والناقد المسرحي العراقي د. محمد سيف .

“أي أمل هذا الذي لا زلنا محكومين به أيها السيد المبجل” الفنان والناقد المسرحي العراقي …

| حوار تربوي يجيب عليه المشرف التربوي فراس حج محمد .

فريق منهجيات: وصلني عبر البريد الإلكتروني، هذه الأسئلة من موقع مجلة منهجيات التربوية (بدر عثمان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.