حسين سرمك حسن : العــــــودة العظيمة؛ تحليل قصة “زيد النار” لجابر خليفة جابر )(1)

( نحن بحاجة الى الجنوب , نحن بحاجة الى نبرات صافية , وبريئة , ورقيقة )

                                                                  ( نيتشه )
( تظنون كل هذا خيالا – ألا تسمعونني ؟
لا تسمعون
مع أنها ماساتكم
وقد رايتها فجأة
فجأة – فانجرحت –
يا من لا تتعرفون على صيحتكم في صيحتي – ألا تسمعونني ؟ )

                                                              ( اراغون )
( ما لا يُحكى هو ما يُكتب )
                                                         ( محمد شكري )

( … فأغلقت القراءة – رسالة طه أغلقتها , ونظرت إلى اعلى السلم العباسي لقصر البركة , كانوا يقتربون , الحرس العباسي يقتربون بأرديتهم السود – بضع درجات – برشاشاتهم ورأيتها , سفينة النجاة , تعترض الأمواج ترد ارتطاماتها وتنتفض , على قلب الحمرة المشرقية رأيتها قبة من ذهب وبياض , قلت : من ركبها نجا , وقرأت على صاريتها ( صدر الزمان ) بأحرف من رضا , قرأتها وقفزت إلى الماء … )

                                                     ( جابر خليفة حابر )
                                                       قصة (زيد النار)
يستهل “جابر خليفة جابر” قصته القصيرة “زيد النار” (1) بالقول :
(أهبط درجات السلم العباسي …
وجه المتوكل عليه بصمات العذارى الناعمات , سياط الأتراك القاسية وروائح العبيد . أدوسها بحذائي، وأهبط نازلا إلى قصر البركة , سامراء فوقي , تتصاعد درجة , درجة ، وأنا أهبط و”طه” معي . وكما لو أن رسالة وردتني منه , من حفر الباطن أو … أهبط , ويهبط قلبي . رأيت إنني أغادر بريد العشار , كنت خارجه أتمشى , جدار واطئ يتراجع خلفي , أمزق حاشية الظرف وأقرأ …) .
فيضعنا وبصورة مباشرة – وهذه من سمات فنه السردي الأسلوبية – في مركز لعبة زمانية تبدو في الظاهر ، ومموّهة ، بالتناول اللغوي ، وكأننا نقرأ النص معه في “الحاضر” . وهو – في هذا النص مثلا – يهبط – وبفعل اشتراطات البنية الزمانية للفعل “أهبط” المعبّر عن راهنية الفعل واستمراريته ، درجات السلّم العبّاسي ، على الرغم من الإيحاءات المباشرة لاسم هذا السلّم وتاريخه ، ولاسم الخليفة المتوكل ومعاني شخصيته الغائرة في القدم . لكن التأمل الهاديء – والمتعاطف ، وأؤكد على شرط “التعاطف” هذا الذي لا يمكن فهم أي نص وفك مفاتيح مغاليقه من دونه لأنه يوفّر الأساس “التحتي” العاطفي – وبالتالي اللاشعوري – لتأسيس بنية الإدراك والتحليل “الفوقية” – ؛ المتعاطف سيجعلنا ننسحب ، شيئا فشيئا ، مع جابر عبر آصرة انفعالية غير محسوسة حيثياتها منبثّة في أعماق تربة لاشعورنا الجمعي ، نحو ما يمكن تسميته بـ “مكمن” كتابة النص الذي هو الموقع الذي تموضع فيه الكاتب وهو يكتب نصّه على حدّ الإلتحام بين منطقتي شعوره ولاشعوره ، وهي عادة منطقة رخوة ومرنة بدرجة كبيرة تذكّرك بالمناطق الحدودية “المشتركة” بين الدول حيث يتحرك السكان بين الدولتين بحرّية على الرغم من أنهم فعليّا “يخترقون” خطوطا غير مسموح بها قانونيا . وعند هذه المنطقة “الحدودية” من الوعي يمكن للكاتب أن يرسم لنا مصيدة العلاقة الزمانية التي هي غريبة على الشعور – بل هو يرفضها أساسا – فيستدرجنا من الواقع الحاضر الذي نعيشه وقت القراءة ، إلى واقع القراءة “الحاضر” الذي هو “ماضي” الكاتب وأرشيف الوقائع القصيّ . فليس الحديث – الآن – عن حركة الراوي – وهذه القصة تُحكى بضمير الأنا المتكلم المفرد – وهو يهبط درجات السلم العباسي ، ويدوسها ، ومعها وجه المتوكل والعذارى الناعمات وسياط الأتراك ووروائح العبيد ، مزج بين حوادث ورموز ماضية وأخرى حاضرة ( الغائب “طه” وحفر الباطن ) بل هي “كتابة” و”صوت” يأتي من الماضي ، لأننا بمجرد أن نبدأ بالحديث عن الحاضر فمعنى ذلك أنه قد اصبح “ذكرى” وبالتالي فقد صار ماضيا . لكنه الماضي الذي يضم في أحشائه الحاضر والمستقبل لائبين ، وينتسج الكاتب خيوط حضورهما من حركة نوله الهادر التي لا تهدأ . هذه الحركة هي الحركة المدوّية لصندوق الذاكرة الأسود الذي يشتغل القاص على موادّه .. وكلها ماض يحيله الكاتب البارع إلى حاضر ومستقبل مراوغ ننخدع بهما حدّ الإنفعال الحيّ والمؤثر .
ومن دون إدراك هذه السمة المركزية والحاسمة لا يمكن فهم نصوص جابر خليفة وكتبه القصصية مثل : طريدون ، وأصوات أجنحة جيم ، وحكاية الرجل الغريق .. وحتى نصوصه القصصية المفردة . وكونك تقرأ نص الكاتب في الحاضر – وقت القراءة – في اللحظة الممتدة التي تكون فيها معه في “مكمنه” الذاكراتي الماضوي الذي صار حاضرا وسيبدأ بالتشكل ليستحيل مستقبلا هو روح فعل المخيّلة التي توصف في فعلها كـ “فنطازيا” في نصوص جابر . فجوهر الفنطازيا ليس التلاعب بالماهيات والكينونات المتعارف عليها شعوريا ، وتصويرها وفق مشتهيات اللاشعور حسب ، بل هي هذا “التصرّف” بعلاقات أبعاد الزمان الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل ، وخلخلتها لجمعها في نقطة البدء ، وقد انفصلا عنها طويلا وتجوهرا . وبمجرد أن أدخل الراوي اسم “طه” الذي لم تتضح ملامح وجوده لنا حتى الآن ، و رسالته التي وردته من مكان “حاضر” اسمه “حفر الباطن” – لنتصرف وكأننا لا نعرفه على الرغم من أنه “مكان” الماضي الذي تهشمت فيه أعمارنا بلا رحمة – حتى أربك مسارات العلاقات المؤسسة والراسخة في ذاكرتنا الفردية والجمعية .
والفعل “أهبط” الذي تكرر خمس مرّات في هذا الاستهلال ، لا يشي فقط بالعودة الزمانية المحكومة باتجاه الحركة عبر المكان إلى الماضي ، بل توحي بمعاني “الهبوط” أو “النزول” النفسيّة من “علو” التماسك إلى “أسفل” هوّة القلق والتحسّب . يعزّز سخونة هذا الإحساس إيحاءات اسم المكان المركّب : حفر الباطن ، حفر باطن العالم الأسفل بالنسبة لنا كمتلقين عراقيين تحديدا حتى لحظتنا المرعوبة الراهنة ، وكذلك حركة “هبوط” القلب المتأسّي ؛ حركة تتزعزع فيها روابط أبعادها الزمانية من جديد حين يعيدنا القاص إلى حقيقة أنه “يرى” أنه يغادر بريد العشّار حاملا رسالة “طه” . وكل هذه الحركات التذبذبية تتكفل بها وتؤججها “اللغة” حيث ألقت الصيغة الإحتمالية : ” وكما لو .. ” بظلالها على كل مجريات الاستعادة الزمانية السابقة واللاحقة .
وجابر صانع محترف يذكّرني بالعبارة المفتاح التي كررتها كثيرا ، والتي يقول فيها “هينه” شاعر ألمانيا ” يتحدثون عن الإلهام ، وأنا أعمل كالحدّاد ” . فقد صمّم جابر البناء اللغوي لهذا الإستهلال – ثم للنص باكمله كما سنرى – وفق حجارة حركية مركزية مفتتحها ولحمتها الأساسية هي الفعل “أهبط” الذي استهل به نصّه والذي جعل من القصة بأكملها واقعة “هبوط” سنتبين ملامحها التفصيلية لاحقا ؛ هبوط يستدعي بالضرورة متضمنات نقيضه : “الصعود” ، والتي ستتمتع بدور أقل حسما من الناحية “الكمّية” . وهذا لن يلغي فعلها النوعي حتى لو كان وجيزا أو إيحائيا . ففي الإستهلال هناك الأفعال والمسميات والأحوال : أهبط ، وأدوس ، ونازلا ، وتصعد ، و “حفرْ” “الباطن” ، وأغادر ، وأتمشى ، ويتراجع ، وأمزّق ، وأقرأ . وكلّها تبعد النص من السكونية الحدثيّة “الستاتيكية” للمكونات البشرية والمادية ، إلى الحركية “الدينامية” الخلّاقة . وقد جعل حتى الجدار الواطيء “يتراجع” خلفه ، في حركة ينفصل فيها عن ذاته ليصبح مراقبا ومشاهداً : “رأيت إنني أغادر .. ” وهو أمر “لا منطقي” بالنسبة لحسابات شعورنا ومنطقه الرياضي البارد . لكن المبدع يكتب بلاشعوره إذا جاز الوصف ؛ هذا اللاشعور الذي يشتغل وفق آليات منطقه الخاص ، هذا المنطق الذي يقرّ الآن أن ينطلق صوت الغائب ، وهو يقرأ رسالته ، وهي بين يدي الراوي “الآخر” المتكلّم الذي هو أحقّ بهذا الصوت :
(خذ إليك رسالتي …
خذها يا صديقي . لعلّها ليست الأولى ولا الأخيرة . خذها إليك إن سلمت واجتازت البرّ بكثبانه المتحركات وبعطشه . ليسلّمك الله وأنت تقرأ وتتأمّل .
فستصلك – إن وصلت – بيضاء إلا من حبرها وإيحاءاتها , ممهورة بلغات شتى وأختام حمر , عليها من غربة المخيم ألوان ومن حسراته بصمات , تطرزها خدوش الأسلاك الشائكة وحراب البدو والمارينز وتنز من بياضها العراقي الحزين , جراح الأسر وذرات الرمال .
وتمهّل يا صديقي وانت تقرأ .. ) .
وقد يعتقد المتلقي أن التحوّل إلى ضمير المُخاطب ؛ صوت “طه” وقد أصبح راوياُ ينقل إلى الراوي الأصلي عذاباته الجسيمات في معسكر الأسر في حفر الباطن وهو يُحاصر بحراب البدو المارينز الكلاب ، سيجعل “زمن” الصوت حاضرا ومؤكد الحضور . لكن القاص قد شوّش الهوية الزمانية منذ أن جعل رسالة طه تأتيه ، وهو يهبط درجات السلّم العباسي ، ويدوس على وجه المتوكّل وسياط أتراكه القاسية ، وروائح عبيده .
إن مجيء هذه الرسالة هي حركة “صعود” في الواقع النفسي العام للرسالة . فالراوي يقرأها مسرعا مع إيقاعها الراقص لولا أن المُرسل يدعوه – وهو يرسم له منذ الأسطر الأولى “دليلا” لقراءتها ، هو في حقيقته وبتخطيط من القاص الماكر “دليل” قراءة المتلقي لحكاية جابر – إلى أن يتمهل وهو يقرأ . وكأن الراوي كان يسارع إيقاع نبضه القرائي النفسي ليجاري “زخم” الرسالة التي قطعت آلاف الكيلومترات وطوت آلاف الرسائل ، وتخفي كلماتها – من الناحية البلاغية الدلالية – تلالا من الكتب ، مثلما أراد القاص أن تُخفي حكايته التي تحرّشت بمعطيات واحدة من أخطر مراحل الحياة العراقية وقت نشرها في عام 2001 في العدد الحادي عشر من سلسلة (جماعة البصرة أواخر القرن العشرين) . وعبر هذا التأويل فإن هناك “رسالة” أصلية تتنقل عبر ثلاثة اصوات هي صوت القاص / المؤلف الذي لا يموت ، وصوت الراوي كتمظهر لشخصية القاص في جانب من جوانبه ، وصوت “طه” الذي لا أعلم كيف يوصف بأنه “ضمير غائب” وهو كامل الحضور ، وهو تمظهر ثان لشخصية الكاتب . هذه الرسالة ثلاثية المحطات تُنقل إلينا عبر رسالة “طه” الأسير .
ومثلما واجهت الرسالة الأخيرة مخاطر ماحقة ، وهي تجتاز البرّ بكثبانه المتحركات وبعطشه ، ووصلت ممهورة بلغات شتّى وأختام حمر ، عليها من غربة المخيّم ألوان ومن حسراته بصمات ، تطرّزها خدوش الأسلاك الشائكة وحراب البدو والمارينز ، وتنز من بياضها العراقي الحزين جراح الأسر وذرات الرمال ، فإن رسالة جابر –وتحت ظلال تلك المرحلة الخانقة والمميتة – ويقولون لك أن النص يُفصل عن حاضنته الاجتماعية !! – ستصل – الأصح وصلت – وعليها أثقال هائلة من عمل اللغة السردية التي يُطلب منها أن تكشف من الحقائق بنفس القدر الذي تُخفيها فيه ، وهي حركة تقابل حركة الهبوط والصعود التي ستحكم مسار الحكاية . إنها حركة “موجيّة” إذا دقّ الوصف . وطه قد خطط كي تصل رسالته كما يقول “بيضاء إلا من حبرها وإيحاءاتها” ، مثلما يخطط جابر لحكايته كي تصل  – إن وصلت – وهي مقلوب “قصديّة” الصوت الثالث ، وعليه فسنكون نحن المتلقين الذين تنطبق عينا وبصورة أكبر دقّة “وصايا” “طه” :
– ليسلّمك الله وأنت تقرأ وتتأمّل .
– وتمهّل يا صديقي وانت تقرأ .
وعلينا أن نقف – مثلما يتوقف الراوي “الآن” – على أدق تفصيلات الرسالة في بنيتها اللغوية والحروفية – وجابر متشبع بأهمية الثقافة الحروفية فهو من مدرسة “كن فيكون” التي تحيي فيها اللغة الموجودات وتُميتها – لنمسك بدلالات ابسط المتغيّرات في هذا الخطاب / الرسالة وخصوصا أحد حروفها ؛ هذا الحرف المنقّط تحديدا الذي يلتم على سرّ الرسالة وجوهرها :
(فانتبه وتأمل :
باء البسملة أم باء البصرة ؟ )
ولإدراك الحد الدلالي الفاصل بين باء البسملة وباء البصرة ، و مقدار امتزاجهما الجدلي ، علينا أن نخضع للوصية الثالثة التي يطلقها طه في أذن صديقه الراوي :
(وطه معي , قال : انتبه ، وقال : تأمل , سيظهر لك المعنى مرة أو يتجلى , ويختفي مرات ؛ يخف ويتخافت تتشربه حروفها ودلالاتها وتتكتم عليه , فتشبث به إن بدا , وإن توارى إسع كل السعي في طلبه … )
وهذه ليست وصيّة من وصايا “الصوفيّة” بقدر ما هي تعليم من تعاليم ستراتيجية التلقي العراقية . إن الأسرار التي تتحرّك ، وتحيا وتتنابض ، وتتداور وتموج ، يمكن أن تتمحور حول “نقطة” في روح النص / الرسالة ، علينا أن “نهبط” إليها ، متحفّزين لعثرات التأويل مثلما يتعثّر الراوي في عملية “هبوطه” المتخيلة والفعلية في الوقت نفسه :
(كدتُ أقع . وتعثرتُ . قال طه : إنتبه . فانتبهتُ وتأملتُ . السماء زرقاء ليّنة ، ونتف بيض من غيمات صغار يمرحنَ فوقنا ، وسامراء تتصاعد ، درجة درجة ، كلّما أهبط ، تنشد لسمائها ، وأنا أهبط . وطه معي . قال : إنتبه ) .
والكاتب يُحكم الحاجة لـ “الإنتباه” في أذهاننا ويؤججها ، كلّما “هبط” درجة على سلّم حكايته . فهو يضع بين أيدينا – وخصوصا من ناحية الضرب على وتر تعددية الأصوات – حكاية تشبه حكاية / أحجيّة “الصورة المقطّعة” التي علينا أن نعيد تركيب أجزائها بعناء لنظفر أخيرا بالصورة الكلّية الأصلية . يتحقق هذا من خلال الإحاطة بـ “زمن” الشخصيات . ففي الوقت الذي ترسخ في اذهاننا أن “مكان” طه هو في حفر الباطن، وأن صوته يأتي من ماض قريب (حاضر متماض !) عبر رسالته ، فإنه “يحضر” مع الراوي وهو يهبط السلم العباسي ، مثلما يسير معه في شوارع البصرة مغيّبا لا يرى إلا مشاهد انتقائية تفرضها محنتهما المشتركة :
(وستقرأ وانت تقرأ …
وكنت أقرأ الرسالة ماشيا , لا أرى الرصيف المحاذي لحديقة الشعب ولا مشنقة ( الحاج جيتا ) . أقرأ الرسالة وأرى المنابر مشنوقة في ساحة أم البروم . أنعطف تجاهها وأخترق الزحام إلى شارع الكويت وطه يطل برأسه من بين السطور , يطل ويكرر : وسترى وانت تقرأ .. فترى الحبر لكنك لا ترى شقائقي ولن تشعر بقلبي ، وستجهر , ربما , بقراءتها او تخافت , إلا انك لن تسمع نحيبي لحظة الكتابة ، ولا تستحضر روحي , وستصلك رسالتي إذ تصل .. ) .
ولو انتبهت – الآن يتحول الناقد إلى استخدام ضمير المخاطب بالعدوى – أيها القارىء الكريم ، إلى بداية وختام هذه الفقرة فستجد – وهذا ما اقتبسناه عامدين – أنها تبدأ بجملة توجيهية هي :
– وستقرأ وأنت تقرأ ..
وهي في الحقيقة ختام الفقرة التي تسبق هذه الفقرة والتي هي خطاب من “طه” ، وسترى أن السطر اللاحق وهو خطاب الراوي يبدأ بـ :
كنتُ أقرأ الرسالة ماشيا ..
أما ختام الفقرة – وهو خطاب طه أيضا – فهو :
– وستصلك رسالتي إذ تصل ..
فيلحقها السطر الأول من خطاب الراوي :
(ولم اصل البركة بعد , السلم طويل , وطابوقه عتيق ومتصخر , ومويجات تراب عباسي ناعم على زوايا درجاته , كأنه رمل..) .
إن القاص – وغير هذه المواضع كثير – يوثّق ارتباط مكونات جسد قصّته من خلال هذا “التناول” .. مفردات وأفعال تتواصل هي اشبه بعصا لعبة عدو البريد التي يفشل جهد المتلقي وتنهار “اللعبة” كاملة إذا لم نحكم الإمساك بها ونحافظ عليها . هو خيط المحنة أو حبلها أو سلسلتها السوداء التي يحاول طه الأسير مستميتا أن يشعر صديقه الراوي بأنها تمتد من بؤرة كارثته الفاجعة إلى بؤرة محنة الراوي وأهله . وهي في الحقيقة محنة اللغة التي حاول “هيدجر” مفكر النازية الحداثية عبثا أن يجعل العقل البشري سجينا لها ومرتهنا بها ، ثم جاء “فوكو” لواطي ما بعد الحداثة ليجعل المفردة سجّان العقل ومرتهنه . سيرى الراوي حبر رسالة طه ، ولكن من المستحيل أن يرى شقائقه ويشعر بقلبه المحطّم .. ولن يسمع نحيبه الممزق ولن يرى روحه المحطمة . لن تنقل الكلمات غير “الكلمات” . أما ما خلفها من عواطف وشحنات دامية فيتكفل بها تواصل لاشعور المتخاطِبين : طه والراوي ، اللذين يلتحمان على الرغم من أن مسافة مادّية هائلة بآلاف الاميال تفصل مكانيهما . لكن اللاشعور يركب الزمان ويخترق المكان . وأتذكر أن جابر خليفة جابر قد اتصل بي هاتفيا قبل أسبوعين ، وقال لي أنا أفكر بأحوال أصدقائي ليس من الناحية المادية حسب ، ولكن عليّ أن أشاركهم وضعهم النفسي المتأزم كذلك ، تأسّيا بما عبّر عنه ((الإمام جعفر الصادق الذي يرى إن عليك أن لا تقوم بمدّ يد العون لصديقك في محنته فقط ، بل أن تضع نفسك في موضعه في محنته لتشعر بمراراته وانكساراته ولهيب خيباته)) .
وكأني هنا – ووفق هذه الرؤية الإيمانية – بالراوي – ومن وراءه القاص طبعا – يريد أن يقدم لنا برهانا ثبوتيا على ما يجترحه اللاشعور على فعل الأرواح المؤمنة الجريحة التي تتعالى على الأسوار والأسلاك والكثبان والمفازات وحراب البدو والمارينز . فحتى الرسالة يضمن طه وصولها إلى صديقه لأنه قارئها المرتجى ( كان المحلل النفسي “كارل غوستاف يونغ” يقول أن المسلمين تصل رسائلهم لأنهم يكتبون على الرسالة : تصل إن شاء الله !! ) . ولولا أنه قارئها المرتجى فإنها لن تصل إليه ؛ وصولها مكفول بإذن الله وبالآلام الباهضة والجراحات المفزعة والإنثكالات الجسيمة ، مثلما ستصلنا “رسالة” القصّة لأننا قراؤها المرتجون الذين تريد . ومثلما وصلت رسالة طه إلى الراوي جملا قصارا راقصات كما يقول المرسل فإن رسالة القاص ستصلنا – وهذه من السمات الأسلوبية لفن جابر القصصي – جملا قصيرة مركزة .
وفي البداية سنواجه صعوبة في الإلتحام بما تحمله هذه الرسالة من هواجس حارقة وتحسّبات مرعبة لأننا لا نكون في الوضع النفسي الإستقبالي المناسب . فلكل نص حالته الاستقبالية الوجدانية المناسبة ، وذلك لأن لكل حالة استقبالية أساسها “الإنفعالي” التحتي الذي يتأسس على بناه الإستعداد الفكري والتحليلي . إن قدرة الراوي على فهم رسالة طه كانت تتصاعد كلما اختنق مجهشا بما يحيط به من مناظر الدمار والخراب في شوارع البصرة وأزقة العشار حيث التراب يخنق كل شيء ، وحيث يقرأ خرائط الألم وأطالس الجوع على وجوه المارة . وهنا يقلب شفرة “التسليم” حين ينظر إلى الرسالة ويقول :
– إلى هنا وصلت ..
فيتناغم معه صوت طه :
– وستصلك حين تصل ، عبر أيام من الرمل وأيام من الحدود
إن هذا التناغم اللغوي ، المفرداتي هو تناغم حروفي روحي أصلا ، لأن الحروف هي أرواح الكلمات .. هي “النَفَس” كما يقول إبن عربي ؛ هي المحور “الطولاني” الروحاني المستتر للعالم . فـ ( الحرف يمتلك عرضا وطولا . الأول يساهم في تكوين الطبيعة الماديّة للحروف المكتوبة ، المرسومة ، المخطوطة ، أما الثاني (الطول) ، فيتعلق بالأحرى بـ “اللامرئي” . وهو موجود في “النَفَس” الذي يرسم الحروف . فإذا لم يمارس هذا الطول ، يقول إبن عربي ، سلطانه في عالم الحروف ، فلن يكون بوسع هذه الحروف تركيب الكلمات . إن الحروف والكلمات لن تتمكن من الظهور دون طول “النَفَس” هذا . فالطول إنما هو داخل فعل القول ، فعل الصوت الذي ينتزع الكلام من عتمة الصمت مبرزا على هذا النحو ، فيزيائية للغة ، والبعد الصوتي للكلام .
لا يستجيب الطول ، ولا يشارك في أي نوع من أنواع المكانية أو في أي تمثيل موضوعي للمكان . فبوصفه فعل الصوت ، فهو بالأحرى فعل اللغة . إنه فعل خلق صور ورموز داخلية . وهكذا فإن عالم الغيب الذي يحدّثنا عنه إبن عربي ، ليس هو هذا العالم الحافل بالأسرار ، العالم الصوفي الأوقيانوسي ، ولكنه ذلك العالم الأشد إيغالا في الصمت حيث تصدر ” كنْ ” الخالقة ) (2) .
( لذلك أعطي النفخ وهو الهواء الخارج من تجويف القلب الذي هو روح الحياة ، فإذا انقطع الهواء في طريق خروجه إلى فم الجسد سمّي مواضع انقطاعه حروفاً فظهرت أعيان الحروف ) (3) .
وعليه فاللغة أخت الموت وندّه ، وصرخة الإحتجاج في وجهه . ولهذا كان العالم وسيبقى في حاجة ملحّة ودائمة للإبداع الذي يتلاعب باللغة . هذه الحاجة تتأجج وتستعر في أوقات المحنة . وها هو طه ، والراوي ، وخلفهما القاص – ونحن معهم كمتلقين عراقيين ؛ نقّادا وقرّاء – يفزعون إلى اللغة .. إلى الحروف .. نَفَس العالم وخلاصه . إلى القرآن يفزع طه وهو في معسكر الأسر محاطا برماح البدو الأجلاف والمجندات العاهرات .. يفزع إلى “أمّن يجيب المضطر إذا دعاه .. ” بعد أن عزّ عليه تذكّر وجوه أهله وأطفاله وزوجته ، لكنه يسلك الطريق المحقق والمنسي لاستدعائهم وهو : أسماؤهم . فالإسم هو الصورة ، حتى الله لم يكن بالنسبة لنا لو لم يكن له اسم ، جسد الله هو جسد اللغة ، وما نحن سوى أسمائنا :
( ظلام حفر الباطن يلفني , واسعا كان وعنيفا , وأسماؤكم أحرف ملونة ونقاط لينات , تطفو على ظلامه وتنبض , تشرح القلب بهجة والصدر ينشرح . ربما من فرح أو من خفة تطفون , وربما من ألم فانقبض ؛ تلتم روحي مختنقة ويتمزق الكبد لكم . أتضاءل حتى اغدو حبة رمل في مزارع الطماطة أو حنطة حين تجوعون . وأتضرع (( أمّن يجيب المضطر .. )) وأبكي .. لكم الله يا أهلي , لكم الله , أما زلتم تجوعون , تأكلون أجسادكم وقلوبكم وتجوعون , أطفالكم جوعا ونحافة وأقدامهم حفاة . أراهم وأراكم من فرط النحافة بلا ظلال ومن فرط المحبة تغوصون بوجوهكم السمر الممصوصة وبدمائكم . وأحيانا في غاية الثقل أراكم , بالغي الكثافة كثقوب سود , تغطسون حتى القاع القصي لقلبي , تلامسون طينه وتستقرون هناك . في الأعماق الحزينة تستقرون , تزيدونها حزنا وسوادا وبطمأنينة تسكنون . وكما لو كنتم شذرات فيروز أو عقيق أحمر حي تشعون تشعشعون الروح باخضراركم وتضيئون الذاكرة , إحمرارا ناعما ولطيفا , تضيئون جماعة وتشع أنت كلك تشع في ظل لا جاذبية فيه تشع ) .
ولو تأملت قطعة الخطاب / الرسالة السابقة فستجد محاولة “سجعية” جديدة من جابر متاثرا في الواقع بثقافته القرآنية والدينية العميقة عموما . هذه الثقافة التي تشرّب بها كاتب الرسالة أيضا ، والذي صار يشعر شعورا مقابلا لشعور الراوي به في تلك اللحظة وهو يقرأ رسالته في العشار بالبصرة ، حيث صار الأخير يراه في معسكر الأسر ملتهبا ، ينطفيء ويضيء ، وحوله كل شيء يحترق ؛ (الذاكرة ، ورمال رفحا ، والأسر وسياط الحرس الملكي ودم الجنوب ) . وهذه أول وقفة إيحائية بمتضمنات العنوان “زيد النار” والتي ستنسرب منها خيوط نسيج كل الآتي من الحكاية حيث “يحضر” الراوي مع طه مخترقا ومتجاوزا كل الحواجز الماديّة .
… وطه يرى صاحبه الآن تحت ضريح مذهّب يقبّل الأرض ويتضرّع ؛ يراه هابطا درجات السلّم العباسي فيتذكر البصرة وزيد النار يحرق بيوت العباسيين . يتذكران زيد النار وسامراء فوقهما تتدحرج وتهبط وهما على السلّم الذي يزداد خضرة . إنها الذكرى الموازية المضادة لحريق البصرة الذي عاشه الراوي والذي انطلقت شرارته من ساحة سعد . ذكرى تمثل فيها أمام أنظارهما – وهما على درجات السلم العباسي – بحيرة المتوكّل والمتوكّل .. فتلاحقهما – وضمن مناخ المحنة وبما يشبه الإرتباط الشرطي – صرخة إبن السكّيت في وجه المتوكل الذي شاهد إبنيه وقد أدّبهما إبن السكّيت أحسن تأديب ، فأراد إبتزاز ولاءه بمكر مسموم فخيّره بين محبتهما ، وبين محبة الحسن والحسين ، فكان الرد الصفعة التي يرى آثارها الآن الراوي على وجه الطاغية :
( إن شسع نعل قنبر خادمهما احب إلي منك ومن ولديك )

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| بكر أبوبكر : القدس والمسلمون في 22 نقطة أساسية (2/2)-السنة والشيعة.

لقد اختلفت الأمة عبر تاريخها حتى في العقائد، فظهرت الطوائف والتيارات والفِرَق، ولم تختلف على …

| جمعة عبدالله :  التناسل في  ملحمة كلكامش في رواية ” كلكامش … عودة الثلث الأخير ” للأديب واثق الجلبي .

يطرح المتن الروائي منصات متعددة في الصياغة الفنية  والرؤية الفكرية والفلسفية ,  من رحم  ملحمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.