شوقي يوسف بهنام* : في حضرة العراف؛ قراءة نفسية لبعض قصائد مجموعة (لو أنبأني العراف) للشاعرة لميعة عباس عمارة

مدرس
جـامعة الموصـل          
Mail:-shawqiyusif@yahoo.com

المحور الأساسي الذي يتمحور حوله الخطاب الشعري للشاعرة ( لميعة عباس عمارة ) في مجموعتها ( لو أنبأني العراف ) هو الرغبة في الحصول والوصول إلى  رجل ، أعني رجل محدد في حساباتها . ولا يهمنا ، نحن هنا ، من يكون الرجل وما هي هويته . المهم هو أن نعرف كيف كانت معاناة الشاعرة وما هي لوعتها في كفاحها من أجل ذلك الوصول . وسننطلق من الإهداء الذي سطرته يد الشاعرة على الصفحة الخامسة من مجموعتها (1) والذي يعد ، في تقديرنا ، إشكالية في حياة الشاعرة و في مسارها النفسي وتطورها الروحي . وهذا الإهداء إلى هذا الرجل المجهول ،بالنسبة إلينا والمعلوم بالنسبة للشاعرة ، هو بمثابة النور الذي ، من خلاله ، سوف يساعدنا على تحديد ورسم  ملامح شخصية الشاعرة . تقول في الإهداء :-
كل شعري
قبل لقياك سدى
وهباء كل ما كنت كتبت
أطو أشعاري
ودعها جانبا
وأدن مني
فأنا اليوم بدأت
**************
في هذا الاعتراف الصريح ، محاولة من قبل الشاعرة لنسف وإلغاء الماضي برمته . والماضي عند الشاعرة يبدو خواءا ، فارغا وبلا معنى . وينبغي أن نعرف أن قصائد هذه المجموعة ، ويضمنها هذا الإهداء بالطبع ، قد كتبت ما بين 1972و1978 ، علما أن ترتيب القصائد لم يأتي متسلسلا وفق هذا الترتيب الزمني . وهذا يجعلنا أن نتساءل ماذا كان منظور الشاعرة إلى نتاجها الشعري قبل هذا التاريخ ؟ هل هو سدى كما تقول في الإهداء ؟ علما أنها أصدرت أول مجموعة لها عام 1959 وكانت بعنوان ( الزاوية الخالية ) ويأسف الباحث ؛ كاتب هذه السطور ، انه لم يحصل على هذه المجموعة ولا بقية المجموعات إلا المجموعة موضوع السطور الراهنة ، حتى يتم بناء تصوره لمجمل جوانب شخصية الشاعرة وعالمها من خلال نتاجها الشعري بدءا من مجموعتها الأولى تلك وحتى المجموعة الراهنة . ولكن مع ذلك ، فأن التصور لن يكون مجحفا … كل الإجحاف … بل قد يكون بعضه ، وهذا ما يشفع لكاتب هذه السطور ، القيام بهذه المحاولة المتواضعة ، من خلال قراءتنا لهذه المجموعة . وسننطلق ، كما قلنا ، من اعتراف الشاعرة نفسها ؛ بأن كل أشعارها ، بدت لها دون معنى ، ولذلك فينبغي أن تلغى وتطوى … بل وحتى أن تحرق وتلقى في النار !! وتبدأ من هنا … أعني من قصائد هذه المجموعة . ولاشك فأن عنوان المجموعة ، يشير إلى العزلة المكانية وبالتالي العزلة النفسية التي تعاني من أثارها الشاعرة ، فهي مركونة في زاوية من زوايا غرفة مهملة ومن ثم في مكان مقفر وغريب من هذا العالم الذي لم  تستطع الشاعرة ، على ما يبدو ، من إقامة جسور الألفة والحضور معه ، ومن ثم كان هذا الإحساس الذي استبد بها والذي كان علامة فارقة من علامات وجودها …. كما سنرى لاحقا أثناء قراءتنا لإحدى القصائد الدالة على ذالك . وقد يعترض احدهم ، خصوصا ، من باب الأمانة العلمية والحياد والموضوعية ، أن في هذا الاستنتاج صورة من صور الإجحاف التي المحنا إليها ، قبل قليل . ولكن تطبيق المنهج النفسي في قراءة ومتابعة الدلالات من خلال عنونة     النصوص ومحاولة سبر غور تلك العنونات ، قد يخفف من حدة ذلك الإجحاف . هذا ليس بقانون ، بل مجرد وجهة نظر … على أي حال ، نحن نود أن ننطلق انطلاقة صحيحة وسليمة ، على الأقل إسنادا لوجهة النظر هذه التي نتبناها هنا . فيما يلي جرد لإعمال الشاعرة مرتبا ترتيبا زمنيا وهو على النحو التالي :-

1-الرواية الخالية – مطبعة الرابطة ، بغداد ، 1959
2-عودة الربيع – مطبعة اتحاد الأدباء ، بغداد ، 1962
3-أغاني عشتار – المطبعة التجارية ، بيروت ، 1969
4-عراقية – دار العودة ، بيروت ، 1971
5-يسمونه الحب – دار العودة ، بيروت ، 1972
6-لو أنبأني العراف –المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، طبعتان ،1980 و1985

*****************
وكاتب هذه السطور ، كما نوه إلى ذاك ، لم يتمكن من الحصول على مجاميع الشاعرة إلا المجموعة الأخيرة . وباستثناء المجموعة الرابعة والتي تحمل عنوان ( عراقية ) فأن المجاميع الخمسة الأخرى يمكن أن تتحمل منهج تحليل العنونة إن صحت مثل هذه التسمية وعلى النحو التالي :-
عنوان المجموعة                                 الدلالة النفسية المتقرحة
1-الزواية الخالية                                         عزلة مكانية واغتراب  نفسي
2-عودة الربيع                                              التشبث بالأمل وترقبه
3-أغاني عشتار                                          هموم واجترارات
4-يسمونه الحب                                          الخيبة في الخبرة وفقدان الثقة بالآخر
لو أنبأني العراف                                         قلق المستقبل  _5
****************

ولابد من التنويه ، قبل المضي في تفاصيل افتراضنا ، إننا استخدمنا مفردة ( مقترحة ) للدلالة النفسية المفترضة ولم نستخدم مفردة ( محتملة ) على سبيل المثال …. وهذا الاستخدام قائم على اعتقادنا ، بأن ثمة فرقا ، يمت إلى الموضوعية ومنهجية البحث العلمي بين المفردتين . فمفردة ( المقترحة) اقرب إلى الموضوعية ومنهجية البحث العلمي من مفردة ( المحتملة ) .  وهذا التفريق هو الآخر ليس إلا وجهة نظر . وجهة النظر هذه قد تساعد الباحثين والدارسين ، لاسيما في النقد الأدبي ، على الاستفادة  منها ، من جهة وعلى فحص وجهة النظر هذه من جهة أخرى ، للتسليط المزيد من الأضواء على مجمل تفاصيل الخطاب الشعري للشاعرة ( لميعة عباس عمارة ) .
إذن فالمجموعة التي وقع عليها الاختيار ، هنا ، تدفعنا تلقائيا إلى الاعتقاد بأن الشاعرة تعيش لوعة الفراغ ! أعني فراغ حياتها من الآخر ، وبالتحديد فراغها من رجل … رجل محدد . وهذا الفراغ جعل من الشاعرة أن تكشف شيئا من الغيرة إزاء أية علاقة بين رجل وامرأة . وليس بغريب أو مستبعد أن تكون الشاعرة مرفوضة من الآخر ، أو لم تتمكن من العثور عليه أو أن تعيش علاقة متخيلة ومن طرف واحد فقط ، لأسباب متنوعة ، على سبيل المثال أن لا تكون مقبولة جماليا ، أو لديها بعض العيوب الظاهرة ذات الآثار السلبية على مفهوم الذات ، على الأقل في بعد اللاشعور ، وهذا يفسر لنا لماذا أشارت الشاعرة إلى ذلك المفهوم ، أعني مفهومها عن ذاتها ، بصورة مبالغة فيها  بشيء  من الوضوح عندما ثبتت على الغلاف الأخير من المجموعة هذه العبارة :-
قد لا أكون
شاعرا كبيرا
ولكني
ما كنت يوما
أنسانا صغيرا
************************
وكان التوقيع بالطبع … لميعة . ولو حاولنا عقد مقارنة بين الإقرار الذي رأيناه في الإهداء وبين هذا الاعتراف ، لأتضح لنا بأن ثمة مفارقة تكشفها لنا تلك المقارنة ، حيث تتجلى تلك المفارقة في التباين الجلي في مفهوم الشاعرة لذاتها . ففي الإهداء تتجلى مشاعر الدونية إزاء الآخر ، هذا الآخر الذي بدأت معه حياتها الحقيقية وعثرت على معناها الصحيح من خلال تلك العلاقة . بينما نجد أن تلك الصورة في عبارة الغلاف الأخير مشحونة بمشاعر التقدير العالي لتلك الذات . وكأني بالشاعرة قد اكتشفت من جديد أن هذا الآخر ، هو الآخر ، ليس جدير بها ، تلك الجدارة التي كانت تتوقعها أو تطمح إليها . ألا يعني هذا أن هذه المجموعة تمثل قصة حب قد أصابها الفشل والإخفاق وخيبة الأمل ؟ .  وعلى ضوء العبارة الأخيرة ، يمكن القول أن ذلك الإخفاق كانس على أساس أن هذا الآخر لم يكتشف بعد من هي لميعة ؟ لميعة الإنسان  وليس لميعة الشاعرة . وعناوين قصائد هذه المجموعة ، على الوجه الأعم تعبر عن تلك الأزمة التي عاشتها لميعة وعانت منها … طوال حياتها على ما يبدو . أن الإلحاح والسؤال علامة الحرمان . والشاعرة على طول المجموعة تعيش بين قطبي الإلحاح  والسؤال . وبالطبع فنحن لن نتمكن من دراسة  قصائد هذه المجموعة بشكلها التفصيلي في دراسة واحدة تتحدد في صفحات معدودات كهذه . ولكن ما يشفع لنا القيام لنا بذلك هو أن قصائد المجموعة كلها تتمحور ، كما قلنا في البداية ، على الرغبة في الوصول والحصول على رجل ! ! . ودراستنا هذه يمكن أن تكون خطوة أولى نخطوها ، نحن أو يخطوها آخرين في سبيل فهم العوالم الجوانية للشاعرة لميعة عباس عمارة . ولنبدأ مع القصيدة الأولى للشاعرة والتي جعلت عنوانها ؛ عنوان المجموعة كلها . وعنوان القصيدة هو الآخر ينسجم مع الجو الانفعالي السائد في المجموعة . فهو ، كما نود أن نقترحه ، يشير إلى قلق المستقبل …. فالشاعرة تتمسك بأهداب رداء العراف وتمضي وراء نبؤاته كي يطمئنها من خفايا المستقبل . أن اللجوء إلى العرافين والكهان ليس بغريب ولا بالمستبعد في حسابات الشاعرة ، خصوصا إذا وضعنا في اعتباراتنا خلفية الانتماء الديني لها . وهذا هو في تقديرنا ، الدافع الذي جعل من الشاعرة ، أن تلجأ إلى هذه المفردات ، من دون الافتراض ، بأنها تؤمن بمضامينها كما هي ، أو كما هو متفق عليها ، وفقا لحسابات خلفية الانتماء تلك . هذه الملاحظة ليست إلا إشارة عابرة على أثر التنشئة الاجتماعية التي عاشت تحت مؤثراتها الشاعرة في تشكيل بعض أنماط تفكيرها وأثر ذلك تحديد صورها أو نظرتها إلى العالم . المهم هو المغزى النفسي  وراء ذلك اللجوء ، والذي يمكن أن يكون دليلا على مستوى اليأس ، وهو بالطبع  يبدو مرتفعا لديها … والشاعرة تعيش محنة أل ( لو) . تلك المحنة القاسية المليئة بالحزن والأسى ، المرافق لأحاسيس اليأس تلك . وهذه المحنة شبيهة بلك المحنة التي عبر عن معالمها الشاعر ( نزار قباني ) في قصيدته ( رسالة من تحت الماء ) فالبنية النفسية واحدة في القصيدتين . وهذا التشابه في هذه البنية ، يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الشاعرين متشابهين في جملة من النواحي ، سوءا أكانت على مستوى الأسلوب أو الجوانب الفنية ، أو على مستوى الخطاب النفسي … فكلاهما متجه بخطابه الشعري إلى الآخر المخالف له في بنية الجنس . إلا أن تفوق نزار يبقى قائما وجليا ، حيث كانت لشاعرنا القدرة على مخاطبة الآخر من دون اعتبار لعامل الجنس . وهذه الخاصية …. أو قل هذه القدرة لا يمكن تفسيرها إلا على أساس فكرة مفادها أن شاعرنا كان يمتلك من خصائص وسمات كلا الجنسي معا أو ما يطلق عليه الثنائية الجنسية( والتي تعني امتلاك المرء لأعضاء التأنيث والتذكير معا أو ممارسة النشاط الجنسي مع ذات الجنس والجنس الآخر معا أو امتلاكه لمشاعر ذكورية وأنثوية نحو شخص واحد)(2) . فشاعرنا أذن ، وفق هذا المنظور ، كان يمتلك تلك المشاعر الثنائية . تلك لم تكن إلا  إشارة عابرة حيث عالجنا هذه المسألة في دراسة مستقلة أخرى . .. وعلى الرغم من هذا الفارق ، فأن شاعرتنا ، لميعة ، هي الأخرى   قد عبرت عن هذه المشاعر الجنسية ذات الطابع المثلي  في إحدى قصائد هذه المجموعة والمعنونة (سافو) والتي سنتوقف  عندها بعض الشيء في وقت لاحق . قد يقع في ظن القارئ ، أن هذا الاستطراد لا مبرر له ويعد خرقا أو قفزا للمسار الذي بدأناه . ونحن على نقيض هذا الظن ، حيث أننا ما زلنا نحاول أن نحدد معالم الطريق المؤدي إلى عالم الشاعرة ، سوءا أكان ما يخص نفسها كانسان أو كشاعرة … ولذلك فنحن نعتقد أن هذه الإشارات لها ما يبررها ، لكن قد تكون  سابقة لأوانها بعض الشيء  .
قلنا أن الشاعرة تعيش محنة أل (لو) … هذا الحرف الذي يفيد في اللغة على حالة التمني أذن فهذا الحرف هو للدلالة على الرغبة . وهذه الرغبة   هي ( حالة شوق وإرادة شعورية أو أمنية شعورية للتخلص من مثير أو موقف مؤلم أو منفر(3) وهذا تعريف علم النفس . وما هو المؤلم أو المنفر في حياة لميعة ؟ أنه الفراغ والوحدة  . ولذلك فأن من الطبيعي أن تعيش حالة الأمنية ، ومن ثم حالة أحلام اليقظة  . ويبدو أنها قد وصلت إلى الذروة فكان ذلك اللجوء إلى rلنصغي إلى الشاعرة في قصيدتها هذه … حيث تقول :-                                                                            العراف
لو أنبأني العراف
أنك يوما ستكون حبيبي
لم أكتب غزلا في رجل
خرساء أصلي
لتظل حبيبي
المجموعة ؛ ص6))
***********************
هذا هو المقطع الأول من القصيدة . وواضح أن الشاعرة تحدد رجل محدد . ونحن كما قلنا ، لا يهمنا من يكون هذا الرجل . لان اختيارها هذا محض قناعة ذاتية …… المهم هو أنها وجدته أخيرا !! ومن ثم كان هذا الخطاب الموجه إليه .  القصيدة هي إذن خطاب إليه … وما هو مهم ، هو إشارتها الغير مباشرة إلى تلك الخبرة المؤلمة مع عالم الرجال !! الرجال الذين سبقوا هذا الرجل . لأنهم لم يفهموا شخصيتها، الفهم السليم ولذلك أصابها الإحباط. هذا الإحباط قد تلاشى الآن بحضور هذا الرجل .. وهذا الحضور قد أغرق ماضيها كله في بحر النسيان السعيد !! وسنرى في المقطع التالي كيف أن الشاعرة قد عاشت أحلام اليقظة هذه ، وهي تمارس أو تبدي سلوكا طفليا ويطغي عليه عالم الخرافة ، حيث تتمسك بأهداب هذا العالم بكل ما لديها من قدرة . تقول الشاعرة :-
لو أنبأني العراف
أني سألامس وجه القمر العالي
لم ألعب بحصى الغدران
ولم أنظم من خرز أمالي
( المجموعة ، ص7 )
******************************
هنا رجوع اجتراري  نحو الماضي . وهذا المشهد الذي تنقله إلينا ( لميعة )، من أدراج ذاكرتها ، إنما هو سلوك عبثي لا معنى له وهو دلالة على الحيرة وفقدان الأمل . ولا ندري كم عاشت
( لميعة ) هذه المشاعر وكم مارست تلك الطقوس والأفعال . وعلى الرغم من أن الجانب الرمزي وارد هنا ، إلا  أن هذا لا يلغي جانب الممارسة الفعلية منها . هذا الاجترار لأحلام يقظتها لن ينقطع ، على ما يبدو ، من تيار الشعور لديها … على الأقل في مجرى زمن القصيدة . وهذا ما نراه واضحا وجليا في المقطع الثالث منها فهي تقول :-
لو أنبأني العراف
أن حبيبي
سيكون أميرا فوق حصان من ياقوت
شدتني الدنيا بجدائلها الشقر
فلم أحلم أني سأموت
( المجموعة ص7)
*************************
هنا انغماس حتى الامتلاء في عالم الأسطورة . وهي صورة نجدها في وضوح في بنية و تركيب الحكايات الشعبية ، حيث الفارس المنقذ الذي يمتطي حصانا ، وينقذ فتاته من أسر الجنيات والعجائز الساحرات . ومن حقنا أن نتساءل هنا ، لماذا تحلم الشاعرة ( لميعة ) بالفارس الأمير ! وليس بمجرد فارس أحلام لا غير ؟ . هنا عودة أخرى إلى عالم الأساطير والحكايات الشعبية ، ومن الجائز أن يكون هذا الطموح ؛ الحلم بالأمير تعبيرا عن الرغبة في تجاوز الواقع الطبقي الذي تنتمي إليه الشاعرة ، على الأقل في بواكير حياتها الأولى . وليست الشاعرة هي الوحيدة … بل قل الانسانة الوحيدة التي تحلم بفارس أحلامها على هذا النحو … فهي أنسانة قبل كل شيء .. ألا تقول لنا هي كذلك على غلاف مجموعتها الأخير ؟ وهذا الإنسان ليس صغيرا وما كان في يوم من الأيام كذلك …. ولذلك فمن حقها بأن تحلم … وتحلم كما تشاء … وبأي شكل كان ، شريطة أن لا يكون هذا الحلم وسيلتها الكبرى والوحيدة … في التعامل مع ضغوط الحياة . إلا أن هذه الشرطية ! التي حددناها هنا ، لا نجد لها مكانا في هذه المجموعة ، فهي ، أعني هذه المجموعة حلم طويل الأمد ….. وطالما اختارت الشاعرة اللجوء إلى الأحلام فلها ما تشاء …. وإذا  كان فارس الشاعرة ، قد صورته وهو يمتطي حصانا من ياقوت ، فأن صورته ستأخذ شكلا آخر في المقطع التالي . هاهي تقول :-
لو أنبأني العراف
أن حبيبي في الليل الثلجي
سيأتيني بيديه الشمس
لم تجمد رئتاي
ولم تكبر في عيني هموم الأمس

( المجموعة ص 8)

*************************
ليس الليل الثلجي هنا ، ليلا قطبيا بحصر المعنى . أنه الليل الحزين الذي يخلو من دفء الحب … حب الآخر . الحب بكل أبعاده . وهذا لا يلغى هيجان الجسد وتتطاير حمم براكينه … أن الفارس ، فارس الشاعرة هو الخلاص الأكبر الذي سيملأ فراغ هذا الليل الثلجي بشمس الحب ودفء الالتصاق !! الشاعرة تعيش سبات الجسد .. الجسد المتجمد… الجسد الملتف حول نفسه ، الذي لا يعرف إغواء اللمس أو متاهات الاحتكاك !! ولذلك فمن الطبيعي أن تتجمد رئتا الشاعرة . وتستبد بجسدها قشعريرة البرد واصطكاك الأسنان . أنه ليس فقط البرد … بل هو الحرمان والخواء وطوفان الرغبة . ولابد من الإشارة إلى أن ( لميعة ) لا تعيش فقط أنجماد الجسد والمكان فحسب بل وتعيش أنجماد الزمن وانكماشه أيضا . أن مجيء الفارس الحبيب هو الذي سوف يساعدها على تجاوز هذا الماضي … بل نسيانه والبدء بالحياة معه . وكأنها على أعتاب ولادة جديدة . أن مجيئه يعني لها انسلاخا كاملا من ذلك الماضي … على أن مشاعر النشوة هذه التي تعيشها الشاعرة ، سرعان ما تتحول إلى مظاهر الخوف والتوجس والقلق . معنى هذا أن ( لميعة ) لا  ثقة لها بهذا الآخر . فهي تتوجس من هجره لها . وهذا ما نلمسه في المقطع الأخير من القصيدة ، فهي تقول :-
لو أنبأني العراف
أني سألاقيك بهذا التيه
لم أبك لشيء في الدنيا
وجمعت دموعي
كل الدمع
ليوم قد تهجرني فيه

( المجموعة ص8  )

**************************
ألم نقل أن العالم في نظر الشاعرة ليس إلا مجرد تيه ؟ ولكن لم نستخدم هذه المفردة بهذا المفهوم الذي تدل عليه . معنى هذا أن استنتاجنا لم يكن إجحافا بحق ( لميعة ) . ولذلك فأننا سوف نستمر في نفس الافتراض الذي تبنيناه وأنطلفنا منه . ليست إشكالية التيه هي الإشكالية الوحيدة هنا . أعني في هذا المقطع … فثمة إشكالية أخرى قد تكون متزامنة معها أو نتيجة لها  ولنلاحظ مدى ازدواجية الوجدان لدى ( لميعة ) فبعد الانتظار الممل والصبر الطويل ، تخشـى ( لميعة ) من الهجر وتخاف لو ! يتركها هذا الآخر أيضا . يا لها  من فجائع تلك التـي تعيشه (لميعة) وهل الدموع بكافية للخلاص من تلك الفجائع؟؟ هاهي قد أصبحت وحيدة في هذا التيه الملبد بضباب اللامعنى وهواجس الخواء والعدم . ( لميعة) معلقة مثل عرافها بين أرض وسماء !!!
**********************

إذا كانت ( لميعة ) قد عاشت بعضا من الأمل في هذه القصيدة التي حاولنا الإبحار في أمواجها ! فأن هذا ( البعض ) لن يكتمل أكثر مما هو . فطابع الحزن والأسى … بل اليأس والقنوط هما الطابع الرئيسي لقائد هذه المجموعة . وإذا كانت  ( لميعة ) في هذه القصيدة قد وجهت خطابها ولوعتها إلى رجل محدد ، فان هناك من الشواهد والقرائن ما يدلل على أن هذا الآخر ليس إلا محض وهم وليس له في أرض الخبرة المعاشة للشاعرة آي أساس . وهذا ليس استنتاجا … أو افتراضا … بل هو اعتراف الشاعرة نفسها . ففي القصيدة المعنونة ( شاعرة الحب ) نرى الشاعرة وهي تعيش اكتواء الوحدة ومحض علاقة متخيلة مع هذا الآخر ! ونلمس في هذه القصيدة ، مفارقة … بل اختلالا في التفكير ، إذا صحت أستخدام مثل هذه المفردة . ولا ندري أن كانت ( لميعة ) على وعي به .. أم أنه شطحة شعرية لا غير . وقفزتنا هذه من القصيدة التي تصدرت المجموعة إلى هذه القصيدة ، لها ما يبررها ، في نظرنا على الأقل ، لكي نصل إلى حقيقة هذه الخبرة التي عاشتها الشاعرة مع هذا الرجل ! و( لميعة ) في هذه القصيدة تسمي نفسها شاعرة الحب … أو تصفها على وجه أدق بأنها شاعرة الحب . فهي بهذا المعنى ، مثل نزار قباني الذي عرف على انه شاعر المرآة . وفي هذه القصيدة إقرار من الشاعرة على إنها لم تعرف … بل لم تذق طعم خبرة الحب ، بكل أبعادها ، وأشكالها ، ولذلك فهي خارج اللعبة وخارج دائرة الحب . وإذا كان هذا هو الواقع ، فان كل أشكال التعبير عن خبرة الحب ، سوءا أكانت في هذه المجموعة أو ي المجاميع السابقة لا تعدو أن تكون محض تخيل . وأن دقة التعبير وشاعريته لن يغير من الواقع أي شيء . .. وحتى لا نوغل في التحليل الشخصي أو نعمد عليه ، لندع الشاعرة لتخبرنا بنفسها عن هذا التصور الذي اقترحناه  عن تلك الخبرة … فهي تقول :-
وحيدة على شواطئ الأطلسي
ليس سوى ذكرك كان مؤنسي

في غرفتي
عفوا فليست غرفتي
بل محبسي ،
أراقب من شباكها الأحياء
ملء الشاطئ المشمس
عيد لكل أثنين
في مثل جموح الفرس .
مجردين ، غير خيطين ، بقايا ملبس

من غرفتي
أحكي عن الحب أنا
وعن هوى لم ألمس
كفيلسوف
يصف الخمر التي
لم يحتس

( المجموعة ، ص98-99))
***********************
هذه القصيدة هي مجرد  وصف انطباعي لمشهد كانت الشاعرة تراقبه … بل تلاحقه بعينيها الملئى بالغيرة والحسد . الغيرة من الآخرين … من رؤيتها لاثنين ملتصقين …! إنها ، كما قلنا ، لم تذق طعم التصاق الأجساد .. و لا لذة العناق … ولا رعشة الأيادي المتشابكة … لم يكن لديها أذن غير الشعر لإسكات الرغبة والتخفيف من جموح الشهوة . .. كان حال لسانها يقول .. لماذا لا أكون مثل هذه الفتاة وهذا الفتى … في حالة من …. ! والمقطع الأول من القصيدة تصف ( لميعة ) أوجاعها .. أعني أوجاع وحدتها وهي تراقب ، كما قلنا ، بحسرة وغيرة … وسنجد أن مشاعر الغيرة قد تجلت بوضوح في قصيدة أخرى . تعود الشاعرة  في المقطع الثاني لتنتقل من الخارج إلى الداخل … بعبارة أدق فأنها يأست تماما فعادت إلى الداخل .. إلى نفسها لتطلق على نفسها لقب فيلسوف يعيش مباهج التجريد على حساب لذة الأحاسيس المباشرة !! وهذا في تقديرنا ، ممارسة واضحة  لآلية دفاعية ناضجة هي آلية التسامي     هذا من جهة ، أما من جهة  أخرى فهي وسيلة من وسائل الإشباع المتخيل . وهكذا نرى ، انطلاقا من معطيات القصيدة ومن المقطع الأخير منها على وجه التحديد ، أنه ليس في حياة ( لميعة ) من وجود للرجل الذي تحلم به . هذا يعني انه رجل متخيل ووهمي ولم تحصل عليه قط . ولذلك ، كان من الطبيعي أن تغزوها وتتسلط عليها مشاعر الغيرة والحسد . وما دمنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة … بل قل إلى هذه الصورة ، أعني أن ( لميعة ) لا تعيش فقط تجربة حب مخيلة فحسب بل وتحيا أيضا أجواء الغيرة والحسد . ودليلنا هو أن هناك قصيدتين تساعداننا على تعزيز ودعم افتراضنا هذا . ولنبدأ بالقصيدة الأولى والمعنونة ( لست غيرى ) . لنصغ إلى ( لميعة ) حيث تقول :-
سيدي طفلي
ترى أين قضيت الليل
ليل الأحد ؟
مثقلا بالشغل
أم بين ذراعي أغيد ؟
يا ندي الثغر ، ثغري عطشى
لم يبرد ،
كم تمنيت بالأمس …
فما نمت عيني ،
ولا ضمت يدي ؛
أنا خوف مزمن تجهله
وحقول مرة لم تحصد
يائسا ترجع من وصلي
فأن قرب الشوق وسادا
أبعد

لست غيرى
أنت  وان أحببتني
عانق الأرض ونم في الفرقد

كله حب
فصدري صدرها
وبها مني لين المسند
وبها من حرقي أروعها
رعشة النار ، وحضن الموقد

ليس حبي الطوق
أفدي عنقا
هي عندي قطعة من كبدي

ساعة منك غطي عمرا
وترد الماء للنهر الصدي

أيها الطفل الذي أعشقه
أطل اللهو
لتبقى ولدي  ،

عش كما
فراشا ، بلبلا ، نحلة
أشرك معي
أو وحد شئ ت…

أنا أهواك كما أنت
أسترح
لا تبادرني   بعذر في غد

المجموعة 47-50 ))

***********************
في هذه القصيدة…  أنفاس لوم واضحة. هذا اللوم إنما هو نتيجة لا حساسها، على الرغم من طابعه المتخيل، كما حاولنا تحديد أبعاده، بأن الآخر قد تخلى عنها هجرها. ونجد في بعض مقاطع القصيدة طابع الاستعراضية (4) وهي تعني حب الظهور أو الاستعراض (4) ، أعني استعراضها لمفاتن الجسد الذي تملكه ، بغية المقارنة ، بجسد أمرآة أخرى ، قرر هذا الآخر الارتماء في أحضانها  .. وكأني به لم يستطع أقامة علاقة سوية مع شاعرتنا !! ومشاعر الاستعراضية التي أبدتها لميعة، كانت بمثابة إثارة له. هذا من جانب… أما على الصعيد النفسي، فأن عملية الاستعراض هذه إنما جاءت لتؤكد مشاعر احترام الذات واعتبارها لديها من جانب آخر . وعلى الرغم من مشاعر اللوم  الواضحة التي تملكت لميعة، فأن هذا لا يلغي مشاعر الغيرة من تلك المرأة التي قرر هذا الآخر أن يتخذها بديلا عنها. ولكن مع ذلك فأن احترامها واعتبارها لذاتها لم يكن حائلا أمام حرية هذا الآخر، وهذا ما نراه في قولها:-
ليس حبي الطوق
********************************

أن هذه المقارنة التي تقيمها لميعة بين جسدها وجسد هذه الأخرى، أنما هي أشارة إلى أن الحب لديها لا ينفصل عن الرغبة أو الشهوة الجنسية. وهذا يقلل من الطابع الرومانسي… بل العذري من العلاقة بين المرأة والرجل ليتخذ طابعا واقعيا لا إنكار فيه لحاجات الجسد وأهوائه.  ألا أن هذه الحرية الممنوحة للآخر إنما هي أثر من أثار حفظ ماء الوجه ! وكرامة واعتبار الذات لديها. لقد أعطته هذه الحرية على مضض إذن.  وهذا يذكرنا بملامح المرأة في قصائد ( نزار قباني ) ، حيث أن التعلق لديها ، هو تعلق اعتمادي و طفولي  …  وهذه السمات لا تظهر في عموم قصائد المجموعة، حيث أن الشاعرة يبرز لديها جانب آخر… بل قل سمات أخرى تتباين… بل تتناقض مع خصائص التعلق ألاعتمادي هذا. وهذه السمات الأخرى، تبدو ( لميعة ) من خلالها،  شخصية هي التي تقود الموقف. وهذه الشخصية هي ذكورية الطابع قائمة على أساس ( حسد القضيب  ) فتعامل الآخر وكأنه الطفل المدلل لديها. وتحاول إزاحة نزعاتها السلطوية ذات النمط الأبوي عليه، كما سنرى في وقت لاحق وبصورة صريحة في بعض قصائدها.
ما نراه لدى ( لميعة ) والذي يمكن أن يكون محورا رئيسيا تدور حول محوره، هو أن مشاعر تقدير الذات تبدو قوية… بل مفرطة في تلك القوة في بعض الأحيان لديها. ولذلك يمكن القول، على هذا الأساس، أن مشاعر الغيرة قائمة عليه. أعني مشاعر التقدير العالي للذات.  أن الحب لدى ( لميعة ) ، على الرغم من صور الانصهار أمام الآخر ، هو نزعة للامتلاك والصرف بهذه الملكية كما تشاء . فهي إذن نزوع نرجسي صرف، وما أعراض هذه الغبرة إلا مظهر من مظاهر النرجسية تلك. وتأخذ مظاهر الغيرة عند ( لميعة ) بعدا آخر آلا وهو الغيرة من العلاقة.. أعني العلاقة بين الرجل و المرأة نفسها بوجه عام. وتعيش ( لميعة ) نار الغيرة وتحاول إسقاط صور المحبوب لديها، على شاب لم تلتقي به قط !! ولكنها استقت الصورة من الحوار الذي جرى بينها وبين طالبتها في الجامعة التكنولوجية. ونحن لن نقف عند القصيدة فقط، بل سوف نحاول الدخول في رحاب الحوار الذي جرى بين الشاعرة وبين تلك الطالبة، لان هذا الحوار يكشف بعضا من دوافع كتابة القصيدة. لم تكن القصيدة التي تحمل عنوان ( قصيدة عرسكما هذه ) قد جالت في خواطر الشاعرة. الطالبة هي التي ألحت عليها لكتابتها. وكان الاستفزاز الذي حاولت الطالبة إشهاره بوجه ( لميعة) من الدوافع الأساسية لكتابة القصيدة. وكان الاستفزاز هو أن الطالبة أقامت مقارنة بين ( لميعة ) وبين الجواهري. وكانت هذه المقارنة هي التي دفعت الشاعرة إلى كتابة هذه القصيدة. وتقول الطالبة أن( الجواهري ) قد كتب قصيدة يصور فيها علاقة الطالبة التي تدعى ( نضال ) بصديقها المدعو ( محمد ). فأرادت الطالبة أيضا من ( لميعة ) ذات المحاولة، أعني كتابة قصيدة لها ولذلك الشاب. وقد امتنعت ( لميعة ) في البداية، وكان سبب الامنتاع، وهو سبب منطقي، هو أنها لا تستطيع أن تعبر عن خبرة لم تعش أبعادها.  وهذا أن دل على شيء فإنما يدل على مصداقية الشاعرة في التعامل مع انفعالاتها. أنها لا تستطيع كتابة قصيدة عن خبرة لم تذق طعم تفاصيلها.. ولكنها على الرغم من ذلك فقد كتبت القصيدة !! ونحن نعتقد أن كتابة هذه القصيدة، جاءت من مشاعر الغيرة أيضا. لكن هذه المرة كانت من الشاعر الكبير( الجواهري ) .    لقد اعترفت الشاعرة انه لا يمكن عقد مقارنة بينها وبين شاعر مثل ( الجواهري ) وهذا اعتراف من قبل الشاعرة على تفوق شاعرنا عليها، لا سيما في التعبير عن انفعالات الغير.  لكن استفزاز الطالبة هو الذي حرك مشاعر الغيرة من ( الجواهري )  . وراحت ( لميعة ) تحدث نفسها وتقول لها… لماذا لا أستطيع القيام بمثل ما قام به ( الجواهري ) به ؟  ويبدو أن ( لميعة ) لم تجرب مثل هذه التجربة ، أعني تجربة التعبير عن انفعالات  الغير .  معنى هذا أن المقارنة بينها وبين ( الجواهري ) هي التي حركت الشاعرة ودفعتها إلى الخوض في غمار هذه التجربة… وقراءة متأنية للحوار الذي سبق القصيدة ( أنظر ص60 )من المجموعة ، توضح أن هذا الاستفزاز قد جعل من ( لميعة ) أن تعيش محنة جديدة لم تكن في حسبانها. ( لميعة ) إلى هذه اللحظة تعيش بين جدران الذات ! ، بينها وبين العالم عزلة زمكانية… تجتر الأحلام وتمني النفس بلقاء تعيشه منذ سنوات. إذن كان هذا الاستفزاز بمثابة الصدمة أيقظتها من سبات وحدتها.  ومن المؤكد، وفقا لتفاصيل الحوار، أن هذه القصيدة قد أثقلت كاهلها زمنا له اعتبار لديها..  ولا حاجة للدخول أو تحديد مواصفات و خصائص فترة كتابة القصيدة لان أوجاع مخاض الإبداع معروفة لأصحابها ولدى الباحثين في خصائص وسمات العملية الإبداعية أيضا  ، علاوة على  أوجاع  وهموم الإبداع فأن هناك أمر مستثنى في أمر ( لميعة ) ، وذلك الأمر ، كما حاولنا التعرف أليه  ، هو أن هذه القصيدة بمثابة تحدي ، سوءا على مستوى القدرة على التعبير الشعري ، فهي في ظنها ليست أقل من ( الجواهري ) على الرغم من اعترافها  بذلك التفاوت .  وهي  تحدي على مستوى تقمص وترجمة مشاعر الغير ، وهي أخيرا تحدي لقدرتها للتعبير عن خبرة وجدانية غير معاشة من قبلها .  تلك إذن هي مستويات المحنة التي  ( لميعة ) في زمن كتابة القصيدة . كل تلك المستويات جعلت من ( لميعة )  أن تواجه مشاعر الغيرة التي حاولت كبتها منذ زمن طويل .  وعلى رأس هذه المشاعر هي المشاعر التي يثيرها موضوع القصيدة نفسه.  موضوع القصيدة هو الإعجاب بالرجل. رجل محدد معروف القسمات، موجودا في ارض الواقع..  والغاية الأساسية هو الوصول أليه، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى وما تحتمله من تأويلات…… إذن كيف عبر عن تلك الإشكالية ؟ هنا يتجلى عمل آلية الإسقاط. صحيح أن الطالبة قد رسمت ملامح ( محمد ) ولكن هل هذه الملامح هي بذات الصورة التي شكلتها ( لميعة ) عبر مقاطع قصيدتها ؟ نميل إلى الظن أن هناك تفاوت بين وصف الطالبة ووصف ( لميعة ) لهذا الفتى. كل واحد ينظر إلى الموضوع من زاوية ذاته، أي يمارس عملية إسقاط لحاجاته ودوافعه ورغباته إلى الموضوع موضوع النظر. لنرى كم من المعاناة التي كلفت ( لميعة ) حتى تخرج هذه القصيدة إلى النور… إلى الورق !! هاهي تقول:-

تأخرت أدري، ولن تسمعي
وأن كان شخصك يحيا معي
تأخرت أدري، وشاء القضاء
أن أتوانى، وأن تسرعي

قصيدة عرسكما هذه
تردت سوادا من المطلع
أكنت توقعت أن البحور
عليك ستنهل من أدمعي ؟
وأن القوافي ستمس عليك
نحيبا تكسر في أضلعي ؟

عناق حبيبين في مخدع
لذروته – مثلما كنتما-
تمازج روحين  في مصرع

( محمد ) من نفحة الأولياء
تسامى – مع الحياة – عن مطمع
فتى لم تغرر به المغريات
دعاه الفخار ولم يدع
وسيم كريم حيي أبي
تشبه بالأطيب الأروع
هو الموجع الفقد، يبلو الحمام
به شدة البأس في الموجع
وما ظن شيخا بهذا  التحول
مسامره الهم ، لم يهجع
سيبدو كبيرا على حزنه
كأن حنياه لم تصدع
يعلم كيف تفور الدموع
بعمق المصاب إلى المنبع
( المجموعة ،ص61- 63 )
*****************************

ذلك إذن هو التحدي الذي أظهرته شاعرنا ( لميعة ) إزاء قدرة الجواهري في نقل انفعالات الغير . هذا الغير الذي يفتقد إلى قدرة التعبير …. ولاسيما في مجال التعبير الشعري . إذن فالشاعرة قد برهنت ، حتى ولو بتفاوت ، إنها هي الأخرى تمتلك ذات القدرة ….. أعني القدرة على نقل انفعالات الغير . وهذا في تقديرنا محاولة لإطفاء نار الغيرة من الجواهري !! . لقد أثبتت أنها شاعرة … وشاعرة تتمكن من التحدي … ولا ندري هل أحست ( لميعة ) بالرضا والقناعة في لحظات كتابة هذه القصيدة ؟ وهل انتابتها مشاعر البهجة والسرور والانشراح لذلك الإنجاز الذي حاولنا تحديد معالمه فيما سبق من سطور …؟ نحن نميل إلى الاعتقاد إلى أن هذه الحالات الوجدانية ، قد غزت قلبها غزوا لايمكن مقاومته !! ونحن نميل إلى الاعتقاد أيضا أن هذا الغزو لم يكن غزوا داخليا باطنيا …. بل قد يكون طافحا على شكل سلوك مرئي وملاحظ … لقد انتهت تلك التجربة ، على ما يبدو ، الىالنجاح ومن ثم إلى الرضا عن الذات . وهذا هو الدافع الأساسي لكل عملية أبداعية … ولكن كل مظاهر البهجة والسرور تلك لن تكن كافية لإلغاء  ومحو مشاعر الغيرة التي تعد المحرك الرئيسي لمهمة أنجاز هذه القصيدة . ولا نبنعد عن جادة الصواب إذا قلنا إن الدافع  الحقيقي للإبداع هو محاولة من الفرد لأن يجد لنفسه مكانا بين أصوات الآخرين ، ومن هنا نشوء أو ظهور علامات المنافسة ، التي لن  تكون إلا قناعا لإخفاء مشاعر الغيرة … أيا كان السبب والدافع لهذا الأغراء الذي أججت نيرانه الطالة ، فأن ( لميعة ) قد خرجت ظافرة منتصرة . ولا يهم ، بحال من الأحوال شكل هذا الانتصار وهيئته . المهم هو الاستجابة للتحدي ومقاومة اغرائاته .
على صعيد آخر ، فأن مسار الغيرة ، وهذا هو الأهم عند ( لميعة ) وعلى صعيد لا وعيها  ، هو صورة الرجل الذي كتبت له القصيدة . صحيح أن تلك الصورة ، كانت لشاب ، ألا أن ( لميعة ) رتشتها يرتوش لا وعيها ..إذا صحت مثل هذه التسمية … بمعنى آخر فأن هذه الصورة ، وبهكذا أوصاف وقسمات وملامح وخصائص ، إنما تعود لرغبات وميول ( لميعة ) بالدرج الأولى . هي ترغب أن يكون فتاها ، فارس أحلامها على هذا النحو وعلى هكذا  شكل .. وقراءة متأنية للقصيدة … تكشف عن هذه النوايا . وعلى الرغم ، من أن أوصاف ( لميعة ) قد تكون متطابقة لما هو موجود في شخصية هذا الشاب … وهنا منشأ غيرة من نوع آخر  . ألا وهي غيرتها من هذه الطالبة  التي تمكنت من العثور على شاب بهكذا مواصفات … بينما ظلت ( لميعة ) سنوات وسنوات تلعب بحصى الغدران وتنظم من خرز أمالها ولم تعثر عليه بعد .
************************
تلك أذن هي مظاهر الغيرة عند شاعرتنا . وقد حاولنا تحديد أبعادها ومواصفاتها . والغبرة ليست علامة فارقة لدى ( لميعة ) بل هي رغبة طبيعية ومشروعة لها ما يبررها . وما يبررها هو عدم الإشباع وعدم العور على مصادر هذا الإشباع . وعلى هذا الأساس ،فأن من المنطقي ، أن تعيش ( لميعة ) حالة اللاأمل هذه … وهذه الحالة يمكن أن نتلمس  أبعادها في قصيدتها المعنونة ( مسدودة طرقي ) .  والمحور الرئيسي في هذه القصيدة هو إدراك الشاعرة لعجزها فبي الوصول إلى الهدف الذي تسعى وتصبو إلى تحقيقه . وهذا الإدراك  هو سبب محنة اللاأمل التي تعيشها ( لميعة )  . وسوف نرى من خلال مناجاة الشاعرة إلى هذا الآخر … الغائب الحاضر ! المعروف المجهول .. عبر مقاطع القصيدة .. كيف تفرغ الشاعرة موجة عارمة من شحناتها الانفعالية وهي تعبر عن حاجاتها ورغباتها في تحقيق هدفها المحوري والأساسي في الحياة . أعني الرجل الحاضر .. الغائب ، المعروف واللامعروف معا .  ولنصغي إليها وهي تحاوره … أو تخاطبه ، بتعبير أدق  ،  وهي في غاية الانسحاق والانكسار أمامه … وسوف نرى التناقض والتباين في الملامح التي حاولت ( لميعة ) رسم معالمها في هذه القصيدة عن هذا الرجل الغائب الحاضر .. هاهي ( لميعة ) تقول :-

مازلت مولعة ، تدري تولعها
مشدودة لك من شعري ومن هدبي

من دونك العيش لا عيش ، وكثرته
درب طويل . فما الجدوى من النصب
مر الخريف بعيد الصيف ، والتحفت
من بردها في تشرين بالسحب

ولا سؤال ، و أصداء من سمر
فهل لصمتك يا أفديك من سبب

عودتني ترف الاسمار يا ملكا
من ألف ليلة لم يخطر على اكتب
الله ! لو تحفظ الأسلاك ما حملت
فرائدا من عيون الشعر والأدب

نوادرا لم تكن مرت على شفة
عفوا تجيء التماعات كما الشهب

أراك مستوحشا الاظلال يا سعفا
ما كان أزهاك بي في موسم الرطب

بمن تعوضني يا من تقطعني
شبها بتلك ، وهذي ، إذ تمثل بي ؟

أظن قد جاءك الواشون عن غرض
مخضبين قميصي من دم كذب ،

وكان منك شفيعي مرهف فطن
وقد بدا لي تغاضيه من العجب

ما ذاك عتب ن وهل عتب يبلغني
لو ن مازن جادت بلا تعب
لكنها طرق مسدودة أبدا
و إن تباهت  بوفر الماء والعشب

عد لي صديقا ، أخا ، طفلا أدلله
عد لي الحبيب الذي كم جد في طلبي

عد سيدي ، تلك دون الشمس منزلة
أحلى المناداة عندي  سيدي وأبي
( المجموعة ، 64-67)
****************************

على الرغم من أن هناك عاما كاملا بين كتابة هذه القصيدة والقصيدة التي تناولناها قبل قليل ، ألا إننا نعقد أن الموضوع أو الفكرة  أو قل الرغبة التي تدور حولها ( لميعة ) لا تزال هي … هي . وهذا يعني أن الأزمة التي تعيش تحت  وطأتها الشاعرة لم تجد لها منفذا عل ارض الواقع بعد . وما كان إغراء الطالبة وغوايتها ، على ما يبدو ، إلا إثارة وتنبيها   لمكامن تلك الأزمة إذن . فذات الأحزان وذات الهموم و والالحاحات لا تزال تثقل كاهل ( لميعة ) وتصبح    محور الانشغال لديها . ونعيد هنا مرة أخرى ، القول ، أن هناك تقاربا وتشابها وتمائلا في الصور والأجواء والفضاءات التي يدور حولها هموم القصيدة لدى ( لميعة ) ولدى ( نزار ) وهذا يعني ، على الرغم من أن هذا التنويه ليس من صلب اهتمامنا ، ولكن له أهميته لدى العاملين في مجال النقد الأدبي ، أن هناك تأثرا وتأثيرا بين الشاعر والشاعرة . ونحن هنا أيضا لسنا بصدد تحديد من هو المؤثر ومن هو المتأثر . المهم هو أن مسألة التأثير بينهما أمر لا يمكن إنكاره أو التغاضي عنه .
في هذه القصيدة تبدو ( لميعة ) في حالة توسل للآخر . إذن فهو الأقوى … هو الغاية .. هو الهدف … هو الرجاء والأمل.. وفي المقابل ، فأن ( لميعة ) هنا مثل عصفور مهجور ، تائه ، يبحث عن عش يركن إليه … يطلق له زفرات الأنين ، أنين الوحدة والفراغ ، يطرح عند قدميه متاعبه و أحزانه .. متاعب الهجر وأحزان الانكفاء على الذات .. والآخر ، هنا ، كما تصوره ( لميعة ) مثقل بالحب ، مترهل به .. لا ..بل هو ( زير نساء ) . ( لميعة ) تحسده لفرط انشغاله بالأخريات .. دونها ، بل تلومه .. لا بل تعاتبه . هنا تعيش ( لميعة) محنة المقارنة ، مرة أخرى .. المقارنة مع الغير . أعني مع بنات جنسها ، لا ليشئ إلا لكي تفوز به لأنه جدير بها و بها فقط !! . وتحاول ( لميعة) استعراض رحلة السعي هذه مع هذا الرجل ، وهي رحلة ، على ما يبدو ، طويلة وشاقة . ونحن نميا إلى الاعتقاد إلى أن هذه الرحلة لم تكن رحلة مشتركة ، بل هي رحلة من جانبها وحدها هي فقط أو وفق التعبير الشائع ( حب من طرف واحد ) . وتلك هي في ، نظرنا، لب ألازمة لدى شاعرتنا . وما هو جدير بالذكر ، بالنسبة إلى معايير الصحة النفسية ؛ هو أن شاعرتنا تدرك ذلك تمام الإدراك ، أعني أنها تدرك أنها تعيش خبرة حب من طرف واحد . هذا يعني ، ووفق تلك المعايير أن ( لميعة ) لا تعيش حالة وهم مزمنة ، على خلاف بطلات ( نزار قباني ) اللاتي يغيب عندهن عنصر الاستبصار بحالتهن العقلية أو الوجدانية ، ويعشن محض تخيل ، يمكن أن يسمى مرضيا . ونذكر على سبيل المثال بطلة قصيدة ( إلى رجل ) . بطلة ( لميعة ) بل قل ( لميعة ) نفسها لا تعيش تلك الحالة المرضية ، بل هي على وعي تام من أنها تعيش على هامش أو خارج حياة هذا الرجل الذي تحيا لأجله . ولم تكن ( لميعة ) قد فشلت عندما أعطت لهذه القصيدة عنوانا يناسب مضمونها ألا وهو ( مسدودة طرقي ) . أنها تعيش محنة الإحباط .. والإحباط بكل تفاصيله وأبعاده . ومما يزيد في أستبصار (لميعة ) لحالتها هو أنها تدرك مظاهر خداع الذات لديها . وهذا  عنصر آخر أو ملاحظة أخرى يمكن أن تضاف إلى رصيد الملاحظات التي حاولنا رصدها حول الحالة العقلية لديها . فهي تدرك أنها تحاول إخفاء مشاعر الإحباط تلك في قولها :-
لكنها طرقي مسدودة أبدا
وان تباهت بوفر الماء والعشب

***********************
والتباهي هنا رمز أو إشارة إلى أنها غير مبالية لحالة الصد التي تعانيها من هذا الرجل . الماء والعشب رمزان من رموز الحياة والنمو والخصب والعطاء ومظاهر المواجهة والبقاء . وهذه الرموز كلها هي على النقيض من مظاهر التذلل والانكسار والانجراح بل والانحناء أمام جبروت الآخر وسحره وسطوته !! . و ( لميعة ) هنا تدرك تمام الإدراك أن ماءها وعشبها لا يمتان إلى عطاء  الربيع بصلة .. بل هما دموع الخريف وأحزانه !! . الخريف هو الذبول والانكماش واليبوسة .. ثم السقوط . هكذا هي طرق (لميعة ) وهذا هي سبلها وأحلامها … هذه المرارة إلى  تفوح من أجواء القصيدة ليست بالأمر الجديد بالنسبة إلى الشاعرة ، خصوصا في هذه المجموعة . ولذلك ، فان تطابقها وانسجامها  مع قصائد المجموعة أمر طبيعي .
وإذا كانت ( لميعة ) قد أخبرت مرارة التوسل وعذاب التذلل ، هنا ، في هذه القصيدة ، فأن هذه المرارة قد  جعلت من الشاعرة أن  تكون فاقدة الإحساس بلذائذ هذا العالم ومسراته . أنها أقصى حالات الاكتئاب ، وليس لديها لذة  أعظم  من لذة الانتحار . وتتجلى هذه المشاعر في قصيدتها المعنونة( رهينة الديرين ) . هذا العنوان مستعار من لقب ( المعري ) رهين المحبسين ؛ الدار والعمى . وذات الإحساس تعيشه ( لميعة ) وتعبر عنه في هذه القصيدة . فهي تقول :-

يعلم الله أنني أتعذب
رهبة من مشاعري أترهب

لا تقل لي ( أحب )

هذا بعينيك اشتهاء
ونزوة
سوف تذهب .
لست أيوب ،
لن تطيق وصالي
هو شيء من الخرافة أقرب
أن تراني وحشية التوق للحب
وتبقى معي الرفيق المهذب
أبعد الشعلتين _ كفيك _ عني
لا تلامس هذا الكيان المتعب
أنا رهن الديرين
أنساني الحرمان جسمي
ولذتي أن أصلب
(المجوعة ، ص،96-97

*************************

إذا كان المعري قد حدد أسباب مرهونيته  وهي الدار والعمى ، وقد عانى ما عاناه منهما ، فأن ( لميعة ) لم تحدد مثل تلك الأسباب. وواضح من القصيدة أنها سجينة الوحدة وصد الآخر عنها . ولذلك فهي أكثر شقاءا وعذابا إذا ما قورن ذلك العذاب بعذاب المعري . ولو للم تكن معاناتها أشد وطأة من أبي العلاء ، لما اتخذت منه نموذجا للمأساة والشقاء والعذاب . ومن هنا هذه الرغبة في الانتحار والسقوط في براثن العدم .وقد عبرت الشاعرة عن تلك الرغبة في العبارة الأخيرة من القصيدة ، اعني لذتها في الصلب ، وهي رغبة ماسوشية أي الرغبة في تعذيب الذات واللذة في إيلامها وإيذائها . ويمكننا الوقوف على دواعي وأسباب هذه الرغبة ، حيث يمكن إجمال هذه الأسباب ، بناءا على إقرار الشاعرة نفسها، بشعورها بالحرمان الأبدي من اللقاء بالآخر ! . انه شعور مفعم باليأس وخيبة الأمل . أنه شتاء بارد .. قارص .. ذلك هو عنوان قصيدة أخرى تعبر الشاعرة من خلالها عن شتائها النفسي ذاك ، وهي تعيش وحشة المكان وعزلته  .. أنه شتاء باريسي ، لا .. ليس إلا شتاء ( لميعة ) نفسها . صورة الشتاء عند (لميعة) يتكرر مرات عديدة في قصائد هذه المجموعة  . فهي تكثر من وصف الشتاء والليالي الباردة والرياح الثلجية والجلوس وحيدة والأبواب موصدة وليس لها من وسيلة للرؤية غير الشباك . راجع  ص 14 ،16 ،19  ،23 ،26 ،وفي رأينا  إن مثل هذا الإكثار من هذه المفردات ينسجم مع مزاج الشاعرة القاتم والليلي والحزين . وفي هذه القصيدة تتجلى هذه الأجواء  بصورة واضحو وجلية . وفي جميع القصائد التي أشرنا إليها وأخرى لم نشر إليها ، تجلى ذات المنة عند الشاعرة . ولذلك فأن الوقوف عند هذه القصائد لا يغير من الصورة التي حاولنا تحديد ملامحها عبر السطور السابقة شيئا يذكر . وان الوقوف عند كل قصيدة  لا يعني سوى التكرار والإعادة .
بقي أن نقول أن الشاعرة ، وهي في عذاباتها مع هذا الرجل ، قد وجدت نوعا من الرغبة المسكونة في دواخلها مع المرأة . أعني أن للشاعرة ميولا ورغبات جنسية مثلية سحاقية .  ولعل قصيدة (سافو) خير دليل على هذا التصور . ولذلك فان الوقوف عند هذه القصيدة هو بمثابة نهاية لرحلتنا مع الشاعر في مجموعتها هذه . فهي تقول في القصيدة :-
سافو تعشقني
تتمدد فوق سريري
تلثمني ،
لجت .. لكني أفلت ،
قالت : أنت مخيبة للضن
فأيدت
( المجموعة ،106)
*****************************
الصورة واضحة عن علاقة جنسية مثلية سحاقية .وما يزيد من وضوحها هو عنوان القصيدة ذاته  سافو الشاعرة اليونانية التي كانت تمارس العلاقة السحاقية مع النساء . (5) ونحن نميل إلى الظن إلى أن اختيار هذا العنوان ليس اختيارا عشوائيا ، بلهو أخيار ذو قصدية مؤكدة . ولكن يمكن القول ، وانطلاقا من سياق القصيدة ، أن هناك صراعا تعيشه الشاعرة في دائرة الرغبات الجنسية . فالشاعرة ، كائن أنساني تحتاج ما يحتاجه هذا الكائن من وسائل لإدامة الحياة بكل صورها وإبعادها . وللشاعرة رغبات جنسية طبيعية تحاج الإشباع و الارواء . ولا نريد أن نقول ، أو نبين مأساة اللااشباع وعذابات اللاارواء ، وبالتالي اللجوء إلى بدائل أخرى كوسيلة للتعويض ، سوءا بشكلها الرمزي أو الحسي ، والتي لا مجال للخوض في تفاصيلها هاهنا …
هنا ، في نظرنا على الأقل ، وجود سبب في كتابة ( لميعة ) لهذه القصيدة وإدراجها ضمن هذه المجموعة . فالمجموعة ، بمجملها ، رسالة حملتها كل عواطفها وانفعالاتها ووجدانها إلى الآخر المجهول … الغائب … المرتقب … الضائع … لقد تلمسنا ، عبر رحلتنا مع (لميعة ) في مجموعتها هذه ، حالة اللاأمل واليأس وما شابه ذلك من حالات الألم والحزن .    ولذلك فان لجوء الشاعرة إلى رمز أنثوي  ، مثل (سافو  ) لكي توحد به ، أو ممارسة ذلك التوحد على ارض الواقع كان بمثابة تعويضا لها . لان في القصيدة إشارات واضحة إلى ممارسة فعلية أ و رغبة في مثل تلك الممارسة . قلنا أن الشاعرة تعيش صراعا في انفعالاتها إزاء رغباتها الجنسية . إن قراءة متأنية لسياق القصيدة ، يكشف لنا ، مسار الرغبة المتخيلة لدى الشاعرة . ويمكن أن نحدد ذلك المسار على النحو التالي :-
سافو ………… تعشقني ………….. تتمدد فوق سريري ………… تلثمني
هذا هو القسم الأول من المسار لتلك الرغبة ، وهو مسار طبيعي لحركة الرغبة من دون اعتار لموضوع تلك الرغبة ، أعني اتجاه الرغبة ، أي العلاقة المثلية والغيرية على حد سواء . إلى حد هذه المسافة من هذا المسار ، نرى أن الشاعرة ، قد أذعنت ل(سافو) ، وكانت متفاعلة معها ، أو على الأقل إنها لم تبد أي من مظاهر الممانعة . ألا أن مسار الرغبة ، على ما يبدو ، لم ينتهي إلى ما تصبو إليه . ألا أن القسم الثاني من القصيدة يكشف لنا مسارا آخر وعلى النحو الأتي :-
سافو   ……….. لجت ………. أفلت
الإفلات هنا ، صورة واضحة من صور الرفض والتمرد وعدم الرغبة في إكمال المهمة مع الموضوع . ويمكن تعليل ردة الفعل هذه على إنها شعور بالذنب ومخالفة لأوامر ألانا الأعلى . الهو كان في المسار الأول منساقا لأوامر رغباته ونزواته . هنا يتجلى صراع ألانا  . الإفلات ، رمز من رموز قوة ألانا ، لأنه رفض الانصياع لأوامر الهو وامتثل لأوامر ألانا الأعلى . سافو أعلنت خسارتها… أنها لم تستطع الانتصار على (لميعة ) على الرغم من نجاحها في إغوائها عبر المراحل الأولى من عملية الغواية تلك . لقد انسحبت ( سافو ) بقولها ( أنت مخيبة  للظن ) . كانت الشاعرة قد حاولت قمع رغبات الهو من خلال الإفلات . لكن عندما نتمعن في عبارة ( فأيدت ) فأننا سوف نرى علامات الانتصار والقوة من جهة والحزن والخيبة من جهة أخرى . فمظاهر القوة والانتصار هما دليل على نجاح منظمة ألانا الأعلى في السيطرة على نشاط الهو . لكن ألانا ما لبث أن اظهر الحزن والخيبة ، لان الرغبة لابد لها من أن تشبع . ( لميعة ) هنا نجحت في القمع ، لكنها فشلت في الإشباع و الارواء . تلك هي مأساة ( لميعة ) في صراعها مع رغباتها الجنسية ، على الرغم من بعض مظاهر اللاسواء التي صورتها لنا الشاعرة  في تلك الرغبات في هذه القصيدة . ولا نريد التعليق على جمالية السياق لان هذا من شأن النقاد في الشعر وليس من شأن القراء النفسانيين له .
الهوامش :-

1- عمارة ، لميعة عباس ، 1980  ، لو أنبأني العراف ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، مطبعة أشبيلية ، بغداد ، ط1
2- د. الحفني ، عبد المنعم ،  1978 ، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، دار العودة ، بيروت ، ج 1 ، ص101 .
3- د. الحفني ، المصدر السابق ، ج1 ، ص 212 .
4- د. الحفني ، المصدر السابق ، ج1 ،287 .
5- د. الحفني ، المصدر السابق ، ج2 ، 257 .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *