ناظم السعود : درس مجاني لمن يريد أن يتعلم !

لأسباب كثر شرحها وجدت ذاكرتي الهرمة تسترجع في الأيام الأخيرة تفاصيل حدث ثقافي مجيد انبثق في شهر آذار من العام 2010 ، وتحديدا في الثالث عشر منه حين انطلقت مظاهر الفرح الجماهيري في بعض المدن الفلسطينية ( المحتلة ) ففي ذلك اليوم حلّت الذكرى السنوية لولادة  الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش  وتحولت المناسبة الى احتفاليات وطنية عامة ساهم فيها الجميع : الحكومة والمعارضة ، الجهات الرسمية والمنظمات الشعبية ، النخب الثقافية والناس البسطاء ..بكلمة واحدة أصبح  يوم ميلاد درويش… يوما وطنيا للثقافة الفلسطينية  وقدمت خلاله مختلف الفعاليات الثقافية ومن قبل عدة عناوين لتكون الحصيلة أعراسا ثقافية لا تغادر الذاكرة بسهولة   .
وفد انطلقت في  مدينة حيفا الفلسطينية  عشية يوم ميلاد الشاعر  محمود درويش ، فعاليات يوم الثقافة الفلسطينية ، بافتتاح معرض تشكيلي لبورتريهات أعلام الثقافة الفلسطينية في مقر جريدة “الاتحاد” المرمّم ، حيث تعرض لوحات الفنّان التشكيلي الفلسطيني وليد أيوب المقيم في رام الله. ويحتوي المعرض على بورتريهات لمحمود درويش ، إميل حبيبي ، توفيق زيّاد ، خليل السكاكيني ، عبد الرحيم محمود ، إبراهيم طوقان ، عبدالكريم الكرمي ، إحسان عبّاس ، غسان كنفاني ، معين بسيسو ، جبرا إبراهيم جبرا ، فدوى طوقان ، إدوارد سعيد ، وناجي العلي.
أمّا في رام الله فقد احتفي  بهذا اليوم بأُمسية احتفالية ، على أن يصير اليوم المذكور من كل عام موعدًا للاحتفاء بالثقافة الفلسطينية ورموزها وإبداعاتها في مختلف الحقول ثم تنطلق من حيفا إلى المدن المختلفة في أنحاء البلاد.
وفي مدن محتلة اخرى انطلقت فعاليات يومية تضمنت غناء لنصوص محمود درويش   ، وقراءَات لمحمود درويش بصوته ، وافتتاح معرض كبير لصور من مراحل حياة محمود درويش ، وحفل  موسيقي  للتّونسي أنور ابراهم الذي يستوحي موسيقاه من نصوص محمود درويش ، إضافة لفعاليات ثقافية أخرى.
ان ما ذكرناه آنفا بصورة موجزة يؤكد لنا أي حظوة وأي توقير تجده الثقافة ويحظى به المثقفون خارج المدار العراقي وكيف تتحول مناسبات الذكرى للأعلام والرموز الى أيام احتفائية وطنية والى مهرجانات شعبية يشارك بها الجميع للتعبير عن الفرح وتهيئة الفقرات والإمكانات لجعل المناسبة تخرج عن كونها ذكرى ميلاد فلان او رحيل علان لتصبح مساحة لأفراح وطن وانطلاقة ثقافية من قبل شعب يجّل مثقفيه ويبقيهم في ذاكرته وتاريخه ، وان هذا الفهم الراقي لا يأتي الا من الشعوب الحرة ولا تتصدى له الا مدن عشقت بنيها المبدعين فحق لهم ولها الخلود ، ومن المضحك هنا ان نصف مدن حيفا ويافا والناصرة بأنها مدن ( محتلة ) لان الذي يقيم أياما وطنية واحتفالات شعبية في ذكرى مبدعيه لا يمكن ان يكون الا حرا حتى لو وصفته المرحلة والمؤرخون بغير ذلك،  الذي يصدق عليه لفظ الاحتلال هو من أهان وأقصى ثقافته ويدفع بذاكرته التاريخية وروحه الجمالية الى كهوف التجهيل والنسيان ، وعلى المدن التي تدعي الاستقلال الا تدفع بنيها من أدباء ومبدعين الى خرائط الشتات او تحجرهم في زوايا الحاجة وفخاخ الضرورة .. عليها أولا ان تتعلم الدرس من نظيراتها ( المحتلة ) وان ترفع الأزاهير لمقام المبدعين بدلا عن إهالة الغبار عليهم أحياء او راحلين !!.
nadhums@yahoo.com

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *