حسين سرمك حسن : على مائدة الغداء : بين “علي كاظم” و “كارلوس فوينتيس” !!

على مائدة الغداء ، قال ولدي الأصغر “عمر” المولع بفريق ريال مدريد حدّ الإنهواس ، وهو ينظر إلى حفيدي “حيدر” وهو ضده مع فريق برشلونة ولكن باعتدال ، قال :
– إن بلدية العاصمة الإسبانية مدريد أطلقت إسم حارس المرمى “كاسياس” على أحد الشوارع في العاصمة تكريما له .
فجر اليوم التالي وأنا أقلّب ألف ياء الزمان كعادتي في أحد مكاتب الإنترنت قرأت في زاوية “زمان ثقافي” خبرا عن رحيل الروائي المكسيكي الشهير “كارلوس فوينتيس” وأهم ما فيه هو :
(توفي الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتيس، الذي يعتبر من أشهر الروائيين في الأدب اللاتيني بالقرن العشرين، عن عمر 83 عاماً في مستشفى في العاصمة المكسيكية مكسيكو. وأعلن الرئيس المكسيكي “فيليبي كالديرون” نبأ وفاة فوينتيس في رسالة عبر صفحته على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي، وقال آسف بشدة لوفاة كارلوس فوينتيس الذي نحبه ونقدره . واضاف إنه كان كاتباً مكسيكياً وعالمياً. .) .
أي أن الرئيس المكسيكي بحقّه وحقيقته أصدر نعيا لكاتب من بلاده .
وعلى مائدة الغداء أيضا نقلت الخبر لأفراد عائلتي . علق ولدي الأكبر “علي” ، وكان قد زار مقبرة الغرباء معي في دمشق أكثر من مرّة قائلا :
– يا والدي .. كم قبر شاهدناه لمبدعين عراقيين في مقبرة الغرباء في دمشق ؟
قلتُ :
– هناك قبور أخرى في بلدان أخرى : عبد المحسن الكاظمي ونوري جعفر ومهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي وغيرهم .
قالت زوجتي :
– لم نسمع في حياتنا أو نقرأ بأن رئيسا عراقيا أصدر نعيا ولو من سطرين لأي مثقف عراقي . حتى السيّاب والجواهري والوردي وجواد علي وطه باقر .. قائمة كبيرة وطويلة من عظماء خدموا ثقافة وطنهم وأثروا الفكر العربي والإنساني .
قلتُ :
– ولم يحضر أي رئيس عراقي مأتما لمثقف في يوم ما .. لم يقرأ سورة الفاتحة على روح أحد منهم .. ولم يمش في جنازة أحد منهم ..
قالت زوجتي :
– وفوق ذلك كانوا يطردونهم ويسجنونهم ويمعنون في إهانتهم وهم أحياء ..
ثم أضافت :
– لكن الظاهرة الغريبة هي أننا نصحوا ونشمّر عن سواعدنا ونتفنن في طرق تكريمهم بعد أن يموتوا ويغيّبهم الموت .
علّق ولدي المهووس بالرياضة والذي نقل لنا خبر تكريم حارس المرمى كاسياس في اليوم السابق قائلا :
– لا يوجد إسم لأي رياضي عراقي مخصص لشارع من شوارع بغداد .
ردّ عليه ولدي الأكبر :
– أمس عرضت قناة الشرقية ظهرا وفي برنامج ” صدى الملاعب” حلقة عن لاعب إسمه “علي كاظم” . كان معدّ البرنامج وضيفه يتوسلان بضرورة رعاية الرموز الرياضية في العراق من قبل الجهات الرسمية . واللاعب نفسه يتوسل ويقول لا أريد تكريما ماديا ، فقط حفل تكريم أسجله على شريط وأعرضه لأبنائي !! .
وقال ولدي أيضا أن عدسة البرنامج عرضت لقطات مزرية عن بيت هذا اللاعب ، وهو يتبادل الكرة مع مجموعة أطفال .. بيت قديم متهالك ومتآكل ومشقق الجدران وحديقته صغيرة قاحلة .
ثم سألتني ابنتي :
– بابا .. لقد عرفنا من خلال الخبر من هو فوينتيس المكسيكي هذا ، ولكن من هو “علي كاظم” ؟ .
قلت :
– صدّقيني يا ابنتي قرأتُ كل ما نُشر وترجم من أعمال للروائي المكسيكي الراحل “كارلوس فوينتس” .. وقد تندهشين إذا قلتُ لك أن “علي كاظم” من سكنة “الرحمانية” في بغداد ، وبالنسبة لي كمواطن ومثقف عراقي ، أهم من كارلوس فوينتس بكثير . وإن أردتِ دليلا أنظري إلى أعماق روحي ووجداني .. وافتحي تلافيف ذاكرتي لتري فضل هذا الإنسان على أبيك وعلى شعب كامل في السبعينيات .
قالت :
– هذا مستحيل .. لكن لماذا ؟
قلت :
– سترين شعبا كاملا كتب عليه الله الحزن منذ فجر الخليقة وهو يظفر بلحظة فرح تقدمها أقدام علي كاظم الذهبية .. شعب كامل مقهور ومغدور ومقموع ومعذّب ويائس ومتشائم وقلق ومتعوب وما مرتاح وأبوه مستلـﮔ ويتصبب عرقا في لهيب الحر العراقي .. يصرخ ويقفز فرحا وهو يتابع ما يفعله هذا المبدع في مباريات دورات الخليج العريي وبطولات كأس العالم العسكرية وصرخات مؤيد البدري تلاحق منجزات قدميه العظيمتين .
علق إبني المهووس بريال مدريد :
– إذن لماذا لا يطلقون اسمه على أحد شوارع عاصمتنا بغداد مثل ما أطلقوا إسم كاسياس على أحد شوارع العاصمة مدريد ؟ .
تدخّلت زوجتي المعلّمة وحسمت النقاش :
– أكلوا .. الأكل برد .. والحـﭼـي ما يخلص ..

شاهد أيضاً

ناطق خلوصي: دفاتر قديمة (الأخيرة).. حكاية رواية 

حرصت دارالشؤون الثقافية ودار المأمون على اختيار خبراء أكفاء مشهود لهم بالدقة والأمانة لإبداء الرأي …

شكيب كاظم: التأريخ الهجري جزء من منظومتنا الثقافية والقومية

ثمة تقاويم عدة أنتجتها الحضارة البشرية منها، التقويم العبري اليهودي ومازالت بعض صوره قائمة حتى …

متاهة سبعينية، عن مختار وصنوه أبو حمديه
حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو

( في هذا المقال سنستحضر بعض اﻷسماء ممن كان لها الفضل الكبير في دفعنا نحو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *