د. عبد الله ابراهيم : كلّ مركزية دينية أو عرقية إنما تستند في دعواها إلى ضرب من السرد المخصوص الداعم لها

حوار: نور الدين علوش (المغرب)

في هذا الحوار الممتع مع الدكتور عبد الله إبراهيم الذي يعتبر من رواد النقد العربي المعاصر. تطرقنا إلى مشروعه النقدي الكبير وأبرزنا خطوطه العريضة . كما تحدثنا عن واقع النقد العربي اليوم وإشكالية مناهج النقد. بالإضافة إلى إشكالية العلاقة بين المشرق والمغرب التي غالبا ما تثار في المجال الثقافي العرب .
والجدير بالذكر أن الدكتور عبد الله إبراهيم مفكر وأستاذ جامعي من العراق متخصّص في الدراسات السردية والثقافية، أصدر 22 كتابا وأكثر من 40 بحثا علميا في كبريات المجلات العربية. نال درجة الدكتوراه في الآداب العربية عام 1991 من جامعة بغداد، وشارك في عشرات المؤتمرات والملتقيات النقدية والفكرية. عمل أستاذا للدراسات الأدبية والنقدية في الجامعات العراقية، والليبية، والقطرية منذ عام 1991 لغاية عام 2003. وخبيرا ثقافيا في وزارة الثقافة بدولة قطر، ثم منسقا لجائزة قطر العالمية من 2003-2010. ويعمل حاليا خبيرا ثقافيا بالديوان الأميري، وهو باحث مشارك في الموسوعة العالمية.
من مؤلفاته:
1. المركزية الغربية، بيروت،المركز الثقافي العربي، 1997 وط2، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت،2003، ط3، الدار العربية للعلوم، بيروت،2010
2. المركزية الإسلامية، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2001، ط2، الدار العربية للعلوم، بيروت 2010
3. عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين، المجمع الثقافي، أبو ظبي،2001، وط2المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007
4. الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة، بيروت ، المركز الثقافي العربي، 1999، وط2 المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2004، وط3، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2010
5. التلقي والسياقات الثقافية،بيروت، دار الكتاب الجديد،2000وط2 دار اليمامة،الرياض،2001، وط3 منشورات الاختلاف، الجزائر،2005 6. السردية العربية، بيروت، المركز الثقافي العربي،1992، وط2، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، 2000
7. السردية العربية الحديثة، بيروت، المركز الثقافي العربي،2003
8. المتخيّل السردي، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1990
9. معرفة الآخر، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1990،ط 2، 1996
10.التفكيك: الأصول والمقولات، الدار البيضاء،1990
11.تحليل النصوص الأدبية، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة ‏،1999
12. النثر العربي القديم، الدوحة، المجلس الوطني للثقافة، 2002
13. المطابقة والاختلاف، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، 2005
14. الرواية العربية: الأبنية السردية والدلالية، كتاب الرياض، 2007
15. موسوعة السرد العربي(مجلّدان) بيروت، المؤسسة العربية للدراسات، 2005، ط2، 2008
17. الرواية والتاريخ، الدوحة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، 2006
18. المحاورات السردية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012
19. كتابة المنفى، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012
20. التخيّل التاريخي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011
21. السرد النسوي، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2011
22. الهوية والاعتراف، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،2011
# باعتباركم من الناقدين الكبار في العالم العربي, ما هو وضع النقد العربي اليوم؟
لا تنفصل حال النقد عن المشهد العام للحياة العربية بما فيها من نزاعات عرقية، ودينية، وسياسية، فالحال الثقافية تتأثر بكل ذلك سلبا وإيجابا، ومن ذلك النقد الذي هو ممارسة ثقافية شديدة الأهمية. وقد قيل الكثير عن النقد العربي الحديث، لكن ينبغي الاعتراف بأنه يتعذر وضع خريطة جامعة مانعة لحاله من النواحي التاريخية والفكرية، فكلما نشطت الدراسات الإنسانية اكتسب النقد ثراء وخصبا، وأصبح له دور مهم في تحليل النصوص الأدبية وتأويلها، فالنقد ليس لاهوتا سابحا خارج الزمان والمكان، إنما هو ممارسة ثقافية مسؤولة لها صلة بالظواهر الأدبية الجديدة، ومرتبطة بها.
وقد وجدت من خلال المتابعة والمشاركة في المؤتمرات والملتقيات الأكاديمية والثقافية خطين متوازيين من الممارسات النقدية:خط مدرسي ضيق الأفق يقوم بتقطيع النصوص الأدبية حسب مقتضياته ليبرهن على كفاءته، لكنه لا يُركّب منها معرفة جمالية أو فكرية جديدة، إذ تصبح النصوص دليلا على صواب المنهج فحسب وتنزع عنها قيمتها الأدبية. وقد لاحظت أن هذا الخط المدرسي يغزو المؤسسات الأكاديمية في المغرب والمشرق إلى درجة صار يُنظر فيها إلى بعض أعمال النقاد الفرنسيين والانجلوسكسونين والعرب نظرة مقدسة أو شبه مقدسة، فتؤخذ مقولاتهم باعتبارها مسلمات مطلقة، وقد لجأ كثير من النقاد إلى تطبيقها بحرفية باعتبارها وصفة جاهزة للتحليل، فتوهموا بأنهم ينتزعون اعترافا بأهميتهم دون أن يقدموا خدمة مفيدة للأدب القومي. وخط منهجي منفتح يعتمد التحليل والتأويل، ويتفاعل مع مكتسبات الحداثة النقدية في العالم دونأن يتذلل لها آخذا في الاعتبار أن غاية النقد إقامة صلة حوارية رفيعة الشأن مع النصوص الأدبية، وتوفير الظروف المنهجية المناسبة لاستنطاقها. وهذا المستوى من الممارسة النقدية ما زال محدود التأثير، ومقيّد الحركة، لأنه يحتاج إلى نقاد متمرّسين بالعلوم الإنسانية، وعارفين بالأسئلة الجديدة للفكر المعاصر، وغير امتثاليين، وتتوفر لهم ظروف مناسبة لممارسة العمل النقدي بعيدا عن الرقابات السياسية والدينية والاجتماعية التي تخيم على المجال العام، فتصادر حرية القول فيه على نحو مباشر أو غير مباشر، وكلّ هذا نادر في العالم العربي الذي يرزح تحت شبكة متداخلة من السلطات الرمزية والرقابات المضمرة.
وبالإجمال فإن تلك الظروف الطبيعة للممارسة النقدية الفاعلة شبه منعدمة في العالم العربي، ومن النادر أن نجد ناقدا ساعدته ظروفه على التفرغ لمشروعه النقدي، فاكتفى به دونما يشغل بكثير من الأمور الأخرى. وعلى المستوى الشخصي أعول كثيرا على هذا الخط النقدي الذي لا يظهر مباشرة في الأجواء الأكاديمية، ولكنه لا ينقطع عنها، إنما يغذيها بكثير من الآراء الجديدة، ومع قلة الممارسين له، فهو الأكثر خصبا وأهمية في النقد العربي الحديث.
#  سيدي الكريم,يعتبر مشروعكم النقدي في مجال السرد والمركزيات الثقافية من بين المشاريع النقدية التي تحظى بأهمية كبيرة؛فما هي الخطوط العريضة لهذا المشروع، وما هي مراحل تبلوره المنهجي والموضوعاتي؟
من الصعب عليّ تقديم وصف للممارسة النقدية التي باشرتها منذ ربع قرن، وليس ينبغي القول بأنه مشروع أُريد به الوصول إلى غاية محددة جرى تحديدها منذ البداية، فذلك من المحال، فالممارسة النقدية تراجع نفسها، وتُجدد فرضياتها، وتقوم بتحديث الرؤية التي تصدر عنها، بل وتراجع الأُطر المنهجية الناظمة لها، وكل هذا لازمني منذ بداية عملي النقدي، ومازال يلازمني إلى الآن. وبذلك تعطي الممارسة النقدية لنفسها الحق في التجديد من جهة والتفاعل مع الفكر المنهجي الحديث من جهة أخرى. وقد كنت بدأت في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين مشغولا بالوصف والتحليل، ثم انتهيت الآن بالاستنطاق والتأويل.وإذا كانت البداية قد سعت إلى تقييد النصوص وصفا وتحليلا، فإن هذه المرحلة جعلت منها مثارا للتحليل والتأويل. وهذه الحال المستمرة من المراجعات حررتني من القيود المدرسية الضيقة، وجعلتني أباشر النصوص الأدبية بحرية لا تتقدمني فيها فروض المنهج، إنما تتبعني، وهي التي قادتني من منطقة السرد الأدبي إلى منطقة المركزيات الثقافية، ومكنتني من الربط فيما بينهما على نحو جعلني اكتشف الصلة بين الطرفين، فكلّ مركزية دينية أو عرقية إنما تستند في دعواها إلى ضرب من السرد المخصوص الداعم لها.
# هل تتفقون على أن النقد العربي في العالم العربي,يعاني من أزمة منهج ؟
كلما أثير موضوع النقد في الثقافة العربية الحديثة، أُثيرت معه قضية الأزمة المنهجية، فكأنهما متلازمان، ولم يجر فحص هذا الموضوع وكشف مغالطاته. وإذا أخذنا بالقول الشائع حول تلك الأزمة فليس لها في تقديري إلا الوجه الآتي: ينبغي على الممارسة النقدية أن تهتدي بإجراءات منهجية واضحة، ولكنها مرنة، وبغيابها تصبح الكتابة النقدية فوضى لا تساعد في استخلاص القيم الجمالية والفكرية للأدب، فإذا كان هذا هو المقصود بوجود أزمة منهجية، فإن النقد العربي الحديث رافقته منذ مطلع القرن العشرين تلك الأزمة، لأن كثيرا مما كُتب افتقر إلى القواعد المنهجية العامة، وخضع لمبدأ استعارة مناهج أخرى من مرجعيات ثقافية أخرى، كالمناهج الاجتماعية، والنفسية، مرورا بالشكلية والبنيوية، وصولا إلى نظرية التلقي. وهي مناهج مهمة بذاتها في سياق الآداب الغربية التي تمخضت عنها، لكن تعميمها اعتمادا على مبدأ الاستعارة العمياء دونما تكييف لم يكن مفيدا في النقد العربي الحديث، لأنه سلب القيمة الوظيفة للمادة الأدبية. وحينما أصف ذلك بأنه غير ذي جدوى فإنما أقصد بأن تلك الاستعارة قد حدّت من تطوير الجهود النقدية، إذ توهم كثيرون بأن مفاتيح النقد قد أصبحت طوع بنانهم من خلال الأخذ بتلك المناهج وتطبيقها عنوة على نصوص مختلفة عنها في سياقتها الثقافية وأبنيتها وأساليبها، ومصدر الالتباس أن بعض النقاد يجردون المنهج من سياقاته الثقافية، ويطلقونه ليكون عابرا للثقافات، فينظر إليه باعتباره أداة تحليل جامدة ومحايدة لا صلة لها بخصائص المادة الأدبية التي يستعان به لتحليلها. وعلى هذا فالأزمة المنهجية حاضرة سواء اتخذت الكتابة النقدية شكل الشروحات والتفسيرات الحرة الإنشائية التي لها أمثلة كثيرة في نقدنا الحديث، أو شكل الاستعارات المنهجية العمياء التي غزت الجامعات والمعاهد وتبنّى أمرها بعض الناقدين. ويمكن تخطي هذه الأزمة حينما يقع اقتراح معايير منهجية مرنة بها تتم مقاربة النصوص الأدبية وتحليل مستوياتها الأسلوبية والبنيوية والدلالية.
هل العرب قادرون على إبداع مناهج نقدية جديدة, بعد مرحلة استيعاب المناهج الغربية؟ لم يعد من المفيد في تقديري التفكير بابداع مناهج أو نظريات نقدية، فالأفضل هو إعداد النقاد ليكونوا أكثر معرفة بالنصوص النقدية ووظائفها،فالنظرية نسق مغلق، والمنهج طريق محفوف بالقيود. من الصحيح أنهما يزودان الناقد برؤية دقيقة للأدب، ولكن ليس من الصحيح أن يصبحا هدفا بذاتهما، إنما من الضروري الاسترشاد بهما في التحليل النقدي. وعلى هذا أجد بأن تعميق معرفة الناقد بمستويات النص الأدبي له فائدة أكثر من الانصياع لشروط نظرية نقدية جاهزة، ولكن لا ينبغي أن يؤخذ ذلك كذريعة للتحلل من شروط العمل المنهجي في الممارسة النقدية.
سيدي الكريم هناك من الباحثين من يعتبرأن النقد العربي والتنظير له متقدم جدا في المغرب العربي (كيليطو, برادة, مفتاح,بارة…)على عكس ما هو موجود في المشرق هل هذا صحيح؟
من الصعب اختبار صحة هذا الرأي على وجه الدقة، وإلى كل ذلك فالاختلاف حول قيمة التنظير النقدي بمقابل قيمة التحليل النقدي أمر قائم منذ زمن بعيد، وذلك يعود إلى أن الآخذين بالنظرية النقدية يرون فيها كل شيء، فيصادرون على المطلوب بالقول إنهم يبتكرون نظرية نقدية أو يعملون في أُطرها للبرهنة على وجود قوانين ثابتة تحكم المادة الأدبية، أما القائلون بالتحليل النقدي فيضعون أمر التحليل في مقدمة اهتمامهم، فيعلون من شأنه على حساب العمل النظري، معتقدين أن التحليل هو جوهر الممارسة النقدية، فيما النظرية هي المقترب الإرشادي إلى الأدب، وهذا التنازع معروف بين نظرية الأدب وبين النقد. ولكن لو أخذنا سؤالك باعتباره حقيقة مؤكدة، فإن كيليطو، على سبيل المثال، ناقد تأويلي وليس من أصحاب التنظير النقدي،وهو في تقديري يتصدر التحليل التأويلي في الممارسة النقدية العربية الآن، ومن ثمة فلا صحة للقول بأن البلاد المغربية هي التي تتوفر فيها شروط التنظير النقدي، ويغيب ذلك في البلاد المشرقية. على أنني لاحظتُ، وهي ملاحظة لا أظنها خافية على أحد، بأن الأخذ شبه الحرفي للنظريات النقدية الفرنسية شائع في البلاد المغاربية، وعلى هذا فالتنظير، إذا كان قد وجد فيها، فهو تنظير مستعار من مرجعيات فرنسية. وقد يكون ذلك مفيدا في تنظيم العمل النقدي في أول حياة الناقد، لكنه شبه عقيم حينما يؤخذ كما هو، ويقع تطبيقه بطريقة متعسفة لا تراعي الاختلافات المؤكدة بين الأنواع الأدبية، بل وبين نصوص النوع الواحد. وأنا على صلة مباشرة بالنقاد العرب مشارقة ومغاربة، وبالجامعات، وما أحذر منه هو التلقف الأعمى لنظريات نقدية مهمة في سياقاتها الثقافية لكنها غير مفيدة بالمعنى الحقيقي في ثقافتنا.
# سيدي الكريم كيف تنظر إلى إشكالية العلاقة الثقافية بين المشرق والمغرب؟
الإشكالية كما يذهب كثير من الدارسين لها هي ظاهرة مركبة تتكون من مشكلات متداخلة ومترابطة، كلما جرى حل واحدة منها، استجدت أخرى، ويلزم تحليلها مقاربات عدة، ولكنها بعمومها عصية على الحلّ لأنها تقترح حلولا كثيرة، وفي ضوء هذا لا أجد أية إشكالية، بهذا المعنى، في العلاقة الثقافية بين المشرق والمغرب، بل أظنها قضية افتراضية مزورة يُراد بها إيجاد تعارضات لا يمكن تخطيها. من الصحيح أن هناك خصوصيات مغربية وخصوصيات مشرقية، وهذا أمر طبيعي، لكن القضايا الثقافية مشتركة بين الجميع فيما يخص الأنواع الأدبية، والمناهج الأدبية، والمفاهيم العامة، واستخدامات اللغة، وطرائق التفكير، تكاد تتماثل، لكن كثير من الباحثين أفرطوا في إيجاد تناقضات بين المشرق والمغرب، كأنهما عالمان قائمان بذاتهما،بيد أن فحص هذا الموضوع سينتهي إلى أن الفكرة مختلقة من جذرها، والاختلافات العامة الموجودة بين الجماعات والشعوب هي خلافات طبيعية تتصل بخصوصياتها، لكنها لا ترتقي إلى مستوى الإشكاليات التي لا سبيل إلى حلها

شاهد أيضاً

الكاتب حسن سالمي: لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء حاورته: الصّحفيّة وحيدة المي- تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول …

صابرحجازي يحاور الشاعرة المغربية جليلة بن الدويبية

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

دردشة على صهيل الفصول مع الشاعرة اللبنانية
د.دورين نصر سعد حاورتها: آمنة ونّاس

وقفت أعدّ زفرات الريح الصافعة للجدران القديمة، لينشقّ صمت من رفوف الصدى، يناظرني بابتسامة، مستسلمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *