هشام القيسي : برهان أحمد.. الاقامة والنوافذ المفتوحة

ربما كان الشاعر الكوردي برهان أحمد ، ومن خلال أشعاره ، يبغي سحب القاريء إلى إنشغالاته وهمومه التي تفصح عن انتهاكات وتجاوزات ، فتنوع صوره يشير الى حالة الشاعر النفسية من جهة ومقدرته العالية على توظيف الالتحام بعناصر القصيدة الأخرى من جهة أخرى . وتتابعيتها في المشاهد الدرامية  تشير هي الأخرى إلى تقابلات توقظ حكمتها ثيماتها وملامحها وارهاصاتها وبما تضفي حيوية وحركات سلسة : –

( (  أبدع الأنسان السكين
والكائنات تدفع ضريبتها
ويصبح النور استمارة لنشيد جديد
ويتأقلم عويل الذئاب
مع حنجرة الصياح )) ( 1 )

وهكذا فان قصيدة الضحية بمشاهدها الفلسفية كادانة لذاكرة سوداء ولأنواع التضادات والتقابلات ، ساهمت في تجسيد اللامرئي الى مرئي نازف كانت فيه المسالك اللاهبة موحية عبر مساحات شعرية وطقوس تجسد تجلياته .
وفي جانب آخر من وعي الشاعر لأزمات عصره ، نلمس عملية الصراع التي تتيح للشاعر أن يرسم الاتجاهات على نحو تعبيري مقرون بتواترية فلسفية تكون دالة على اشهارات الزمان والمكان ، وهو هدف يراد منه كشف الانفعالات  بصور تساهم فيها الحواس بشكل ديناميكي : –

(( غيومي حبلى دائماً بامطار خيالاتي
وأمسي كان كفناً من ريش الطيور المتساقط
ويومي قميص ذنوب
وخوفاً ابدياً يضع ذراعه على كتف أفكاري
وشكاً دائماً
يعزف لي قيثارة موت كل هذه العصافير ،
على عاتق أية شجرة أضعه
وأية أرض ترى تحمل وزر الأشجار المقطوعة الرؤوس .. )) ( 2 )

إن إبداع الشاعر لأشكال الصور المرئية إنما يؤكد عمق العلاقة الداخلية وبما يجعل القاريء يتناغم معها بشكل مواز لفضاء الشاعر ، فضلاً عن وهج وحيوية مفردات معجمه الشعري وإيحاءاتها المعبرة : –

(( لا أملك شيئاً
سوى لآليء كلمات القصائد
وسندس أبيات شعري
ليكون ثوب الزفاف
وقبعة فضية .. وتاجك الذهبي
معدم أنا
إلا نافذتي المفتوحة انشر ومضات الود
وبوابتي التي تأرجح فيها العشق حتى حين فنائي )) ( 3 )

والشاعر يحرص على هويته عبر مشاهد وصور ناطقة تقترب كثيراً من أسفار كانت لها لغة ألفها هو وشعبه عبر خطابات مؤطرة بمفردات التحدي والأمل والشرارات الدالة : –
(( بعد عودة طيور البريق إلى أعشاش الليل
تتجول في أروقة المدينة عطورا من رجاء
رياضها حديقتي هذه. . قافلة عطر
لضحايا
مليئة بألوان الفداء )) ( 4 )

إن الطاقة الإيحائية والتعبيرية لصوره الشعرية ، وما تقدمه لغته من فضاءات سريالية ورمزية كاستعارات للدلالة أو لمتطلبات الانسيابية الداخلية قد أضفى تدفقات حية على الانفتاح والانتقال من مشهد إلى آخر في إطار النسق التتابعي للدلالات ومعاملاتها الروحية : –

(( من مرآة شك ضبابي
بتأمل ملطخ بالآهات
بحسرة أقتم من الخيانة
أمام نافذة مليئة بدموع الأزهار
بنظرة متقدة
كنت أتأمل مستقبلي )) ( 5 )

و
(( عندما أتيت
كان الحب أسيراً
في قفص مطلي بالذهب
وعندما دق طير العشق
بجناحيه باب روحي
أنت كنت حاملة
حقيبة السفر )) ( 6 )

وفي شعر برهان صدى مرهف لجوانب ذاتية في إنسياقه وراء عاطفته وتحولاتها ، فتشبثه  بالحبيبة كتجسيد لهوى النفس وحركاتها الداخلية إنما يراد منه الديمومة والأستمرارية في الانفتاح على الحياة ، وهنا تكون العاطفة حارة متسقة مع رؤيا رومانسية حالمة : –

(( – 1 – دعني أيها الزمن
إلى أين تأخذني
وأنت أيتها الشيخوخة
فكي يدي
ريثما أرى ( … ) ثانية

و
((  – 4 –  يا ليت يكون الموت
قدح ماء في يدك
وأنا زهرة
من زمان يسكنها العطش )) ( 7 )

أيضاً نجد ان الشاعر لا يتفاعل عبر هواجس ذاتية محظة وإنما من خلال رؤيا ذاتية متفاعلة  بإيجابية ، وهكذا تكون إنسانيته محور خطاباته على مواجهة إفرازات الموضوع من ضجيج  وتشتت ، فهذا الأنتماء هو إيقاع الرغبة في الخلاص من اللاإنتماء والأنكفاء إلى حالات فردية مقننة : –

(( في بحر سماء كانت تفتح الأبواب على مصاريعها بوجه الشمس
أعماقي مسلحة بآيات من حروف الايمان وبالأنوار
لن أحفر القبر لقطرات الصدق ورذاذات الوفاء
تحت ظلال الدم القاني لسحائب الخطايا  … ))  ( 8 )

إضافة إلى أن رؤاه تجيء عبر صور متتالية ترادفية وتفسيرية لتعمق الربط في البناء العضوي  واطلاق المخيلة الى وجهاتها التي تضم الامنيات والدلالات وبما تعكس الجوانب التاملية وما يتماوج بين اللهب والسكينة .
إن إطلالات الشاعر النافذة والموغلة في تأشير المفردات المتناولة عبر الصور والمشاهد والحكايات تنم عن إرتباط عميق يدفع بالشاعر إلى إلتماس أجوبة تؤكد باليقين يقظة الرموز  وهواجسها الغاطسة في مخياله ، ومثلما تبقى المشاهد التي طرحها كتعبير عن جدلية أزمات  تفيض من وجدان ومن حالات تعتريها أحاسيس عميقة ، فإنها في الوقت ذاته تشكل الخلاصة التي تشير إلى تطويع المشاهد الشعرية بحيوية تلازم الشاعر في حله وترحاله .
برهان أحمد إذاً مساحة شعرية جادة في مسيرة الشعر الكوردي تقف تحت نصب الابداع   مستبشرة أثيرة تشهر ينابيعها بمفاتيح الحداثة في كل إتجاه .

الهوامش :
  ———  

( 1 ) جمعية الفنون والثقافة الكوردية – فرع كركوك / كتاب جريدة سيبه ر 7 – قطوف من
الشعر الكوردي الحديث ، برهان أحمد ، قصيدة الضحية ص 8
( 2 ) كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذا قصيدة اوبريتات الألفية الثالثة ص11
( 3 ) كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذا قصيدة ثوب من الماء ص 14
( 4 ) كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذا قصيدة قراءة الصباحات اللامنتهية ص 17
( 5 ) كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذا قصيدة قصيدة مبتهجة ص 21
( 6 ) كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذا قصيدة أربع أغنيات لحبيبتي ص22
( 7 ) كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذا ص22- 23
( 8 ) كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــذا قصيدة معابد الشمس ص 25- 26

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن المصلوحي : قليل من النقد كثير من المجاملات نموذج: رسائل “وطن على شراع الذاكرة” تأليف: روز اليوسف شعبان وعمر صبري كتمتو .

في هذا المقال سأحكي ما حدث في ندوة اليوم السابع المقدسية الخميس الفارط. كان الموعد …

| طالب عمران المعموري : التلميح والنَفَس الجملي القصير قراءة في “رأسي عشٌ للعصافير” للقاص خلدون السراي .

شكل من أشكال السرد،  لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي ..  جنس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.