حسن عجمي : ستيفن هوكنغ : “التصميم العظيم” ؛ جدل الكون و الله

تم نقد كتاب الفيزيائي الكبير ستيفن هوكنغ ” التصميم العظيم” قبل أن يتم نشره وتوزيعه. والسبب الأساس وراء ذلك هو أن هوكنغ قد ألغى  فيه ضرورة وجود الله و اعتبر أن من الممكن تفسير كل شيء من خلال العلم فقط. شارك الفيزيائي ملودينو في صياغة كتاب هوكنغ الجديد حيث أوضحا موقفهما من العلم والفلسفة والله. نرصد في هذه المقالة رحلة هوكنغ المعرفية و نتساءل عن مدى إمكانية وجود خالق للكون أعلى من الكون وخارجه.

لماذا نوجد و لماذا يوجد عالمنا؟

يرتحل هوكنغ إلى أسرار الكون ليقرأ علينا آيات من الفيزياء المعاصرة. فيعتمد على نظريتين فيزيائيتين أساسيتين في تفسير موقفه العلمي ألا وهما نظرية ميكانيكا الكمّ ونظرية الأوتار. يؤكد على أن كل نظرية من هاتين النظريتين تشير بقوة إلى وجود أكوان ممكنة عديدة و مختلفة. وهذه الأكوان ليست المجرات المتنوعة في عالمنا، بل هي منفصلة و مختلفة عن عالمنا ولها حقائقها وقوانينها الطبيعية الخاصة. فكل عالم ممكن لديه قوانينه و حقائقه المختلفة عن قوانين و حقائق العوالم الممكنة الأخرى. بالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكمّ، من غير المحدّد ما إذا كان الجسيم كالإلكترون جسيما ً أم موجة. فالجسيم يتصرف و كأنه جسيم و كأنه موجة بدلا ً من جسيم في الوقت نفسه. لكن الموجة نقيضة الجسيم, و بذلك يستحيل أن يكون الجسيم جسيما ً و موجة في آن. من هنا, لابد من وجود عالمين: عالم حيث الجسيم جسيم و عالم آخر حيث الجسيم موجة و ليس جسيما ً. بكلام آخر, تعتبر ميكانيكا الكمّ أن قطة شرودنغر حية و ميتة في آن؛ فمن غير المحدّد ما إذا كانت حية أم ميتة. لذا لابد من وجود كونين: كون حيث قطة شرودنغر حية و كون آخر مختلف حيث قطة شرودنغر ذاتها ميتة. هكذا تحل ميكانيكا الكمّ هذا الإشكال العلمي من خلال اعتبار أنه بالفعل توجد أكوان ممكنة متنوعة و عديدة. يعبّر ستيفن هوكنغ عن هذا الاتجاه العلمي قائلا ً: بالنسبة إلى ميكانيكا الكمّ، لا يوجد الجسيم في مكان معين بل يوجد في كل الأمكنة الممكنة في الوقت نفسه. إذا طبقنا هذا المبدأ العلمي على الكون كله سنحصل على نتيجة أن الكون كله لا يوجد في حالة معينة بل يوجد في كل الحالات الممكنة. و بذلك ثمة أكوان ممكنة عدة إن لم تكن لامتناهية في العدد. فالحالات الممكنة المختلفة للوجود ليست سوى العوالم الممكنة المتنوعة
Stephen  Hawking  and  Leonard Mlodinow :The Grand Design. 2010. Bantam.)).

من جهة أخرى, تقول نظرية الأوتار العلمية إن الكون عزف موسيقي. فالكون، بالنسبة إليها, يتكوّن من أوتار و أنغامها, ومع اختلاف ذبذبات الأوتار تختلف مواد الكون و طاقاته. تستلزم نظرية الأوتار وجود أبعاد عدة بالاضافة إلى الأبعاد المكانية الثلاثة المعروفة (العمق والطول والعرض) والبعد الزماني. في هذه الأبعاد الإضافية من الممكن للأوتار أن تتخذ هندسات مختلفة تربط الأوتار فيما بينها. لكن قوانين الطبيعة تختلف باختلاف هندسات الطبيعة. و بذلك ثمة إمكانية وجود قوانين طبيعية مختلفة تحكم أكوانا ً ممكنة متنوعة في تلك الأبعاد الإضافية. هكذا توصلنا نظرية الأوتار أيضا ً إلى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عدة إن لم تكن لامتناهية في العدد. بالإضافة إلى ذلك, ثمة بلايين من الحلول المختلفة والمتعارضة لمعادلات نظرية الأوتار. وبذلك كل حلّ منها يصف كونا ً ممكنا ً مختلفاً عن الأكوان الممكنة الأخرى التي تصفها الحلول الأخرى لنظرية الأوتار. من هنا, تصّر نظرية الأوتار على وجود أكوان ممكنة مختلفة ( المرجع السابق).

اعتماداً على نظرية الأكوان الممكنة يجيب هوكنغ على السؤال الأساسي الذي حيّر الإنسانية ألا وهو: لماذا نوجد ولماذا يوجد عالمنا بقوانينه و حقائقه بالذات؟ بالنسبة إلى هوكنغ، بما أنه توجد أكوان ممكنة مختلفة وعديدة إن لم تكن لامتناهية في العدد, إذن من الطبيعي أن يوجد عالم كعالمنا تحكمه قوانينه الطبيعية بالذات و تسمح بنشوء الحياة ونشوئنا. الأعداد الهائلة للأكوان الممكنة تجعل من غير المستغرب وجود أكوان شبيهة بعالمنا أو مطابقة له تتمتع بحقائقها و قوانينها بالذات و قادرة على إنجابنا. فكما أنه توجد أكوان تمنع قوانينها و حقائقها نمو الحياة والعقل, ثمة أكوان أخرى تسمح بوجود حياة وعقل و تؤدي إليهما. و لذا من غير المستغرب أن نوجد في عالم من تلك العوالم الملائمة لنشوء الحياة. هكذا يفسّر هوكنغ لماذا نوجد و لماذا يوجد عالمنا بالذات بدلا ً من عالم آخر. فكل العوالم الممكنة موجودة، و لذا من الطبيعي أن يوجد عالمنا أيضا ً و أن نوجد (المرجع السابق). لكن هذا التفسير يتعرض لمشكلة أساسية هي التالية: بالنسبة إلى علم الرياضيات, من الممكن سحب أعداد هائلة جدا ً من سلسلة الأعداد اللامتناهية وتبقى تلك السلسلة لا متناهية في أعدادها. من هنا, من الممكن سحب كل الأكوان الممكنة الملائمة لوجود الحياة من سلسلة الأكوان الممكنة اللامتناهية وتظل هذه السلسلة متكوّنة من أعداد لا متناهية من الأكوان. على هذا الأساس, و جود سلسلة لا متناهية من الأكوان الممكنة لا يستلزم بالضرورة وجود أكوان ممكنة كعالمنا ملائمة لنشوء الحياة و نشوئنا. هكذا لا ننجح هنا في تفسير لماذا يوجد عالمنا بالذات و لماذا نوجد. فمن الممكن وجود أكوان لا متناهية في العدد من دون وجود عالمنا أو وجود أكوان شبيهة بعالمنا. من هنا, لا نستطيع بحق تفسير لماذا نوجد و لماذا يوجد عالمنا من خلال نظرية وجود أكوان ممكنة عديدة و مختلفة.

الوجود من عدم

من منطلق ميكانيكا الكمّ أيضا ً يشرح لنا هوكنغ كيف من الممكن للكون أن ينشأ من العدم. فالعدم يتكوّن من طاقات متعارضة, ولذا تختزل بعضها البعض فيتشكّل العدم. لكن بما أن التقلب الكمي ( الخاص بميكانيكا الكمّ و الذي لا يسمح بثبات أي شيء على حاله ) يحكم العدم  كما أي شيء آخر, إذن من المتوقع أن تفلت طاقة ما من العدم ولا يتم اختزالها ما يتيح في المجال أمام تحوّل تلك الطاقة إلى عالم موجود بالفعل. هكذا من الممكن نشوء الكون من العدم من دون الاعتماد على خالق لتفسير ذلك. على هذا الأساس, يقول هوكنغ إن الكون يخلق ذاته من خلال العدم. فبالنسبة إلى ميكانيكا الكمّ, تنشأ الجسيمات الافتراضية من العدم ومن ثم تختفي بسرعة هائلة ما يجعل  من الممكن أن ينمو الكون من العدم. هكذا يخلق الكون نفسه تلقائياً بفضل العدم و قوانين الطبيعة كقوانين ميكانيكا الكمّ وقانون الجاذبية المسؤول عن تكوين النجوم و المجرات. لذا يؤكد هوكنغ على أننا لا نحتاج إلى الله لكي نفسّر لماذا يوجد الكون أو الوجود. فمن الممكن تفسير وجود الكون أو وجود شيء بدلاً من لا شيء من خلال العلم وقوانينه فقط. يعترف هوكنغ بأنه لا يبرهن على عدم وجود الله, بل يدلنا فقط على عدم ضرورة وجوده. فالكون موجود لأنه ضروري الوجود. وهو ضروري الوجود لأن عدم وجوده يستلزم وجود العدم, و وجود العدم يستلزم وجود الوجود كما أوضحت ميكانيكا الكمّ (المرجع السابق).

بالنسبة إلى هوكنغ, القوانين الطبيعية قادرة على تفسير الكون وظواهره وتنجح في الإجابة على سؤال ” لماذا يوجد الوجود؟” ما يدفعنا نحو التخلي عن الاعتماد على الكائنات الخارقة كالله من أجل تفسير العالم أو الإجابة على أسئلتنا العلمية. لا يقول هوكنغ إن الله قد مات كما يقول نيتشه, بل يعتبر أن الله قد أصبح خارج الخدمة بينما الفلسفة هي التي حقاً قد ماتت. بالنسبة إلى هوكنغ، أمست الفلسفة غير ضرورية تماما ً كفكرة وجود الله. هذا لأن الأسئلة الفلسفية الأساسية كسؤال ” لماذا نوجد ولماذا يوجد عالمنا؟” تحوّلت إلى أسئلة علمية ما يستدعي عدم ضرورة التفلسف بعد اليوم.
رغم قوله بموت الفلسفة يتخذ هوكنغ موقفاً فلسفيا ً صريحا ً ألا وهو التالي: الواقع في ذاته موجود بشكل مستقل عنا, لكن صفاته والعلاقات بين صفاته معتمدة على نموذجنا الفكري أي معتمدة على تفسيرنا و وصفنا لها. وبذلك يتغير هذا الواقع بتغير منظومتنا الفكرية. من هنا, الواقع مستقل عنا من جهة, وغير مستقل من جهة أخرى. هذا موقف فلسفي بامتياز مدعوم بأمثلة علمية. فمثلا ً, يبدو الكون حتميا ً من منظور النظرية النسبية لأينشتاين, بينما يبدو الكون ذاته غيرحتمي من منظور نظرية ميكانيكا الكمّ . وهاتان النظريتان مقبولتان رغم اختلافهما وتعارضهما لنجاحهما في تفسير الكون. وقبولهما معا ً متاح بالنسبة إلى هوكنغ لأن تشكيل الواقع معتمد على نظامنا الفكري ؛ فبما أن الواقع يتشكل بمعنى ما على أساس نظرياتنا عنه, إذن لا يستلزم الواقع صدق نظرية ما دون أخرى.على ضوء هذا التفكير الفلسفي يقبل هوكنغ كلا ً من نظرية النسبية لأينشتاين و نظرية ميكانيكا الكمّ ونظرية الأوتار رغم الاختلاف فيما بينها. و بالنسبة إليه أيضاً , النظرية العلمية مجرد أداة لتفسير الظواهر الطبيعية والتنبؤ بها و ليس من الضروري أن تكون مطابقة للواقع كما هو, لذا من المتاح قبول كل النظريات العلمية الناجحة رغم التعارض فيما بينها (المرجع السابق). هنا يدخل هوكنغ عالم الميتافيزياء و عالم فلسفة العلوم رغم قوله بأن الفلسفة قد ماتت. يبدو أن لا شيء يموت.

إمكانية وجود الله

تعرض كتاب “التصميم العظيم” لستيفن هوكنغ و ملودينو إلى نقد شديد من قبل بعض العلماء والفلاسفة. فمثلا ً, اعتبر الفيلسوف والفيزيائي بول ديفيز أن هوكنغ لم ينجح في إقصاء وجود الله أو إمكانية وجوده. بالنسبة إلى ديفيز, إذا كان كل ما يقوله هوكنغ صحيحا ً, ما يزال من الممكن أن يوجد الله و أن يكون الله خالق الكون. يقول ديفيز إن هوكنغ يفسّر لماذا نشأ الكون؛ فلقد نشأ, كما يقول العلماء جميعا ً, من العدم من جراء قوانين ميكانيكا الكمّ. لكن يتساءل: ما مصدر تلك القوانين الطبيعية التي أدت إلى أن يوجد الكون من العدم؟ هنا يجيب ديفيز قائلاً إنه من الممكن وجود خالق هو سبب وجود القوانين الطبيعية التي تتيح وجود الوجود من العدم. لكن يملك هوكنغ جوابا ً مناقضا ً لجواب ديفيز و هو أنه توجد هذه القوانين الطبيعية لأنه توجد كل القوانين الطبيعية الممكنة في أكوان ممكنة مختلفة, وبذلك ليس من الغريب أن توجد قوانين طبيعية كقوانين ميكانيكا الكمّ المسؤولة عن نمو الكون من العدم. هنا يرد ديفيز متسائلاً : لماذا توجد كل القوانين الطبيعية الممكنة وما مصدرها؟ ومن الأجوبة المتاحة هو أنه لابد من وجود ميتاقوانين طبيعية metalaws تؤدي إلى نشوء كل القوانين والأكوان الممكنة من العدم. و الميتا قوانين هي القوانين الأعلى المؤدية إلى وجود القوانين الطبيعية . لكن ما مصدر الميتاقوانين؟ يجيب ديفيز: من الممكن أن يكون الله هو مصدرها. هكذا فكرة وجود الله وخلقه للوجود ما زالت فكرة ممكنة؛ فقد يوجد الله و قد نحتاج إليه كي نفسّر لماذا توجد أية قوانين أصلا ً ( Paul Davies: Stephen Hawking’s big bang gaps. The guardian. September 2010.).

لكن من الممكن الإجابة على هذا السؤال بطريقة أخرى و اتخاذ الموقف التالي: لنتصوّر عدم  وجود  قوانين للطبيعة. في هذه الحالة, وبما أن قوانين الطبيعة هي التي تحفظ النظام , ستسود الفوضى من جراء غياب القوانين الطبيعية بحيث سيوجد الشيء ونقيضه في آن و ستوجد هذه الظاهرة أو تلك و نقيضها في الوقت نفسه. وبذلك سيوجد العالم المستحيل المتكوّن من المتناقضات. لكن منطقيا ً من أي تناقض من الممكن بحق استنتاج أية نتيجة؛ هكذا يعلمنا المنطق.من هنا, من الممكن استنتاج أية نتيجة أو حقيقة أو ظاهرة من الكون المستحيل السابق, وبذلك هذا الكون المستحيل كأي كون مستحيل يتضمن  كل الأكوان الممكنة. على هذا الأساس, هذا الكون المستحيل ينجب كل الأكوان الممكنة و بذلك ينتج كل القوانين الطبيعية الممكنة. تسليمنا بعدم وجود قوانين طبيعية يحتم وجود عالم مستحيل يؤدي بالضرورة إلى نشوء كل القوانين الطبيعية الممكنة وكل الأكوان الممكنة. هكذا توجد كل القوانين و الأكوان الممكنة بسبب أن عدم وجودها يستلزم وجودها و بذلك توجد بفضل خلقها التلقائي لذاتها كما يقول هوكنغ. من هنا, من الممكن تفسير لماذا توجد القوانين الطبيعية مهما كانت من دون الحاجة إلى إله خالق لها. ويبقى الجدال الفكري مستمرا ً بين العلماء و الفلاسفة بينما ما نزال نحن نرفض التفكير في هذه القضايا لإنشغالنا الدائم في احتلال مدننا و أنفسنا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هايل علي المذابي : لحية وبيادة!!.

شيئان قيّمان في الوطن العربي: اللحية والبزة العسكرية!! كانت اللحى في أزمنة غابرة مبعثاً للطمأنينة …

| هاتف بشبوش : آلان ديلون وعلي الوردي ..

مات زير النساء وجميل الستينات والسبعينات الممثل الشهير (آلان ديلون ) بطريقة الموت الرحيم ، …

تعليق واحد

  1. سعد سعيد

    وكأن ما نحن فيه من حيرة لا يكفينا فيأتي هوكنغ وأضرابه ليزيدوا طين حيرتنا بلة! أنا لا أدعي أني أستطيع أن اكون حكما بين هوكنغ وديفز في خلافهما (الميتا لا فهمي!) بالنسبة لنا نحن من لم نتعود استخدام عقولنا بكفاءتها الطبيعية، ولكني أدعو المتشككين منا بقيمة العقل المنهجي والحيادي وغير المتأثر بالمسلمات الميتافيزيقية أن يغوصوا عميقا في مناقشاتهم (الالحادية!).. ألا يبدو واضحا أنها تجري على خلفية واضحة من عقل مجرد يستحق كل الاحترام والتقدير منا؟.. لن أنتظر اجابة أعرفها من أحد، بل سأجيب فورا.. طبعا لا، فنحن ضيعنا عقولنا منذ قرون!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.