عيسى حسن الياسري: إكليل موسيقى على جثة بيانو، الشعر حين يعري أقنعة التاريخ (ملف/56)

” تبكي …  ؟
….
….

مدللّة جراحك َيا جسد ْ
عشرون سجّانا ًبخدمتها
وأنا
أموت
ولا أحد …      ”

في مجموعته الشعرية الجديدة ” إكليل موسيقى على جثة بيانو ” يحقق الشاعر ” جواد الحطّاب ” ثنائية شعرية مدهشة .. هذه الثنائية تتجسد  بإصغاء الشاعر إلى صوت القلب المفعم برومانسيته .. وعذوبة موسيقاه .. وبساطته التعبيرية عن أشواقه ..وانكساراته عبر دروب الحياة ..وبين انشغاله بتأثيث قصيدته بطريقة إبداعية تحافظ على بنيتها التشكيلية .. واستعاراتها ورموزها الإيحائية المتوازنة ..
بل وحتى بعثرتها بطريقة تتواءم مع بعثرة .. وخراب الحياة  من حوله .. وفقده لوطن لا تليق به كل أكاليل الورد المتعارف عليها ..لذا اختار له إكليلا من الموسيقى لجدارته باستحقاق هذا الإكليل .. إنه الوطن الذي يهب الحياة صوتها النقي كثرثرة ينبوع ..لغتها الناعمة ككف نسيم .. حضورها المواسي كحضور قمر أمام منزل مستوحش ً. إن جثة بيانو ” جواد الحطاب ” هي جثة وطن عرف بأنه وطن الموسيقى والغناء والشعر والفن  .. وهو يتمدد الآن على طاولة التشريح   .. حيث تنسدل  فوق جسده المسجى لافتة الحداد الأسود ..ومن هنا جاء اشتغال الشاعر على اللغة مغايرا لتغريبها وانغلاقها على ذاتها .. حيث استخرج منها أكثر قدراتها التعبيرية تأثيرا ً .. وانسجاما ًمع موضوعتها الشعرية . ويظهر هذا واضحا ًمن خلال  التضادية  التي حققها الشاعر عبر جميع قصائد المجموعة .. هذه التضادية التي  تبرز من خلال واقعية موضوع القصيدة .. ولا معقولية منتج ذلك الموضوع الذي يتحول من واقعيته إلى غرا ئبية قد لا نقابلها إلا في  أكثر” الكوميديات ” سوادا ً .
ففي الجزء الأول من الكتاب والذي يتجه  فيه الشاعر نحو التاريخ كموضوعة كاشفة يستحضر عصر  ” المتنبي ”  ليعرض علينا قائمة طويلة من الأسماء ألتي تختم بلفظ الجلالة .. وعبر القراءة الأولى للنص نجدنا أمام كلام عاديً لاعلاقة له بالشعر .. بل هو الأقرب إلى مشهد مسرحي  ممكن أن يؤديه  ممثل قد لا يجيد سوى الإلقاء .. لكن وفي نهاية عرض الشاعر لهذه القائمة الطويلة من أسماء خلفاء ” بني العباس ” المتأخرين .. يفاجئنا بضربة شعرية تسحب كل الأقنعة عن ذلك التاريخ المشوّه لتلك الأسماء .. إنها ضربة شعرية ينتصر فيها الشاعر ”  لألهنا” الذي اتخذه التاريخ شماعة لأخطائنا التي لا يمكن  أن يغفرها الرب :
” المتوكل على الله
المنتصر بالله
المستعين بالله
……………..
……………..
……………..   الخ
” … يااااااا ه
تضحكني هذي الأسماء
أرب ٌ هذا
أم ْ: شماعة أخطاء ْ … ؟
أن الشاعر في قصيدته هذي يعمد إلى عملية تفكيك التاريخ  ..وهو لا يكتفي بأحداثه المزاحة زمنيا ً..بل يتناول التاريخ من حيث هو منتج اجتماعي وسياسي لا ينتهي عند حدود فترته المنقرضة .. حيث يتسلل إلى أكثر حلقات حياتنا المعاشة حساسية وحراجة ليسبب لها عطبا ً فادحا .. وكأن الغابرين لم يكتفوا بما أحدثوه من كوارث وفتن دامية في زمنهم لذا راحوا يلاحقون زمننا كما تلاحق ريح شرسة غيمة رقيقة لتعتصر آخر قطرة مطر فيها .. وتتركها يابسة مجدبة  كحقل مجدب  .
والشاعر كمبدع لابد له أن يختار في قصيدته الأولى من التاريخ أكثر مناطقه قربا ً من وعيه واهتماماته .. من هنا كان اختياره ” للمتنبي  ” كضحية من ضحايا تاريخنا الذي يختص بتدمير كل ماهو جميل وباهر في الحياة ليجعل منه معادله ً الإبداعي الذي ًيربط بين مرحلتين مفترقتين زمنا ً.. وملتقيتين منتجا  .. وهكذا فأنه يقدم معالجة باهرة .. وكشفا ً معرفيا ً متقدما ًللدوامة الحياتية التي كان”  المتنبي “ضحيتها ..كما كان الشاعر هو الآخر ضحية عصره وكأن ّ تاريخنا يكرر دورته الزمنية باستمرار. ففي حين دمر ” المتنبي ” حياته من أجل ” إمارة ” .. دمر الشاعر حياته من أجل ترويض جنون التاريخ العراقي الذي يتناسل طغاة وقتلة ولصوصا ً..وهكذا يكثف كل ثيمات قصيدته بهذه الأمنية الممتنعة على التحقق :
” لو كنت ُ مكان ” المتنبي ”
لوضعت ُ الأمراء جميعا ً في الحمّام
وسحبت ُ” السيفون ”
طويلا ً …     ”
وبمرافقة إبداعية رائعة يلاحق الشاعر تحولات ” المتنبي ” من خلالنا نحن حفدته .. فيقدمه وكأي واحد منا .. وبسخريته التي يمارسها في الحياة كما يمارسها داخل الشعر .. ليراه مرة ” مذيعا ًعند الحمدانيين مختصا ًببيانات الحرب على بيزنطة “..ومرة ” يبيع الهمبركر في صالة  ماكدونالد ” وأخرى  ” عارض أزياء ” أو ” عاملاً في مطبخ فندق ” .حتى ينتهي على يد فاتك كما انتهى وينتهي حفدته على يد سلالة “فاتك ” . وهذه رؤية شعرية خالصة إلى أبعد حد .
وفي تناص شعري متطابق بين قصيدته ” إبراهيم آخر ” والنص القرآني الشريف يستحضر الشاعر أيام الحرب التي ظلت تتناسل حروبا ً ظاهرة ومستترة حتى يومنا هذا من خلال رفيقه في الملجأ ” إبراهيم ” الذي يقود مخيلته الشعرية إلى محنة ” النبي إبراهيم ” في فجر تفتح وعيه الكشفي .. وبدايات فلسفته المتشككة وهو يبحث عن ”  إله ” متفرد في كينونته ..
لقد استبدل  الشاعر حضور ليل ” النبي إبراهيم ” بحضور ليل ” إبراهيم الآخر “المدجج  بالقصف مستفيدا ً من الآية الشريفة ” فلما جن عليهّ الليل رأى كوكبا ً قال هذا ربي فلما أفل قال إني لا أحب الآفلين ” ..وكما تبدأ تحولات وعي ” النبي إبراهيم ” الرؤيوية في البحث عن ” إله ” لا يشابهه شيء  .. ينفتح وعي الشاعر من ذات الزاوية محققا ً إفادة بنائية من النص القرآني تدعم موضوعته الشعرية .. لينتج نصا ً شعريا ً متفردا في دلالاته  .. وتأثيره في استدراج اللغة إلى أكثر حقولها إنفتاحا ً..وتألقا ً :
” فلما جن ّ علينا القصف
رأينا طائرة ً
قلنا هو ذا الرب
فلما ضربتنا
قلنا نحن براء ْ
حاشا أنْ ينزل فينا الرب ُ..
كتاب قنابله ِ ….    ”
وكما هي تحولات وعي ” النبي إبراهيم ” عبر رحلة بحثه عن ” الإله ” المتفرد
من خلال الكوكب والقمر والشمس حتى وصوله إلى الكشف النوراني  الكلي .. كذلك تبدأ تحولات وعي الشاعر مستعينا ً بخطى هذا ” النبي ” الفذ في قدراته الذاتية  التي أوصلته إلى الرسو عند شاطئ السلام النفسي المطمئن بعد أن يكتشف
ألهه الذي لايأفل .
فمن الطائرة يتحول إلى ” النصب ” المتربع فوق سنام الغيم .. إلى التمثال الجميل الذي لا عيب فيه سوى أنه  يحمل معنى ” أمريكا ” .. إلى”  الجنرالات ” وبسقوط كل هذه العلامات المضللة تحضر اللغة كمنتج إنقاذي ينتشل الشاعر من حيرته :
” – …..  عماذا  تبحث يا إبراهيم …  ؟
–    أبحث عن رب ْ
يندس بورده
وينام كطفل …    ”
في مرثيته ” للجواهري ”  يواصل الشاعر سفره في تخوم مشهد تاريخنا الجنائزي  ليقدم نصا ً ملحميا ًجديرا ً بملحمة حياة الشاعر .. هذه الحياة التي كثفت بداخلها وطنا أسمه ” العراق ” الذي يتحدر  من قمة جبل .. ولا ينتهي عند مياه البحار الغامضة ..
في نصه هذا يستخدم الشاعر بنائية تقترب من بنائية النص  المسرحي المتعدد الأصوات .. حيث يبدأ المشهد الأول بصوت المتكلم ”
” لم أرب من قبل حماما ً
من أجلك –أنت فقط – ذهبت ُ”لسوق الغزل ”
واشتريت مائة طير زاجل
وأطلقتها باتجاه مقبرة الغرباء …   ”
ويظهر صوت الشاعر الغائب مسيجا ً بمربع وكأنه خلفية استعراضية تدعم النص وتثريه ..وتمهد لظهور صوت الجوقة في النص الأصلي وهي تنشد :
” أعود خيار ذابل
وضعك المشيعون بسلة مقبرة الغرباء
من دون كتائب خيالة
دون نشي……. ج ٍ وطني
نجهش بعده بالتصفيق ….   ”
وهنا يقدم الشاعر” قلباً إيهاميا ً ” للشطر الشعري يصدم توقعات المتلقي .. فيقلب كلمة ” نشيد وطني ” إلى ” نشيج … ” و ” ونضج بالتصفيق ” إلى ” نجهش ” ليرتفع بلغته إلى مستوى الحدث الصادم المتمثل برحيل..
” هذا الجبل  ” .
في قصيدته ” أحد عشر كوكبا ً ” يعاود الشاعر تناصيته  مع ” القرآن الكريم ”
وهنا يتخذ من قصة ” يوسف ” إطارا ً فنيا ً لهذه التناصية ولكن بطريقة لا تكشف عن نفسها مباشرة كما في قصيدة ” إبراهيم آخر ” .. حيث جزأ الشاعر قصيدته إلى ” أحد عشر جزأ ً ” وهي قصائد قصيرة جدا حققت تناصيتها من خلال مكابدات ” يعقوب ” وولده ” يوسف ” والتي أسقطها الشاعر على مكابداته الذاتية .. لكنها تنفصل عن تناصيتها المفترضة في نهاية النص .. فإذا كانت مأساة ” النبي يعقوب ” تنتهي بجمع الشمل .. وعودة الغائبين .. فإن مأساة الشاعر تتكثف في النص الحادي عشر .. لتتحول إلى نداء أخير بطلب ” النجدة ” . :
” النجدة
أل .. نج .. د .. ة
من ينقذني الليلة
من بلطة طفل مجنون
يتمرد في أعماقي الآن …  ؟ .
في الجزء الثاني من الكتاب تسيطر محنة ” العراق ” المحتل على جل ّ نصوص الشاعر وهو هنا لا يقدم نصوصا ً منفعلة .. وشعارات صاخبة .. بل يترك سخريته السوداء تصل إلى ذروة إفادتها من التلاعب باللغة .. وإزاحة كل ماهو عقلاني فيها لأنه  يقف أمام حالة تقع خارج المعقول والمنطقي .
وتتجلى سخريته هذه من أول نص يحمل عنوان ” ثوم على الأمة .. جاجيك على الأيام “.. إنها السخرية التي تتمرد على الفن حيث يتكئ في هذا النص على العادي والمألوف .. الذي ينفرد بتأسيس بنيته الجمالية الخاصة  التي تلغي الحدود الفاصلة بين الشعر واللاشعر ..مادام كل ما يعرضه الشاعر عبر نصه هذا موغلا ً في خرابه .. ولا معقوليته .. ورائحته التي تزكم الأنوف .. إنه الفراغ والخواء الذي يتحرك فوقه النص ..والمنسحب من واقع موغل في غرائبيته وتناقضه .. والذي يلتقي بكل حميمية عند نهاية الخط الفاصل بين الحياة واللا حياة .. فليس هناك  أية مفارقة معرفية ..أو وظيفية بين ” أبو داوود ” عامل مقهى ” حسن عجمي “ومحل ” القيمقجي ” لبيع الأسطوانات .. و ” رأس مال ماركس ” وهذا الحشد من الشعراء المتنعمين بحزن منافيهم السعيد .. و ” شكسبير ” في شعاره الذي صححه الشاعر من ” تكون أو لا تكون  ” لينسجم مع لغة عصرنا التي تقول :

” تكون … تكون ” .. إنها كوميديا أيامنا السوداء التي تطحن الشيء ونقيضه في الأداء الوظيفي في الحياة وفي الفن :
” أيها الثوريون
ماذا أفعل ” برأس المال ”
حين يكون رأس وطني مطلوبا ً… ؟
أيتها المعارضة ”
ماذا أفعل بإذاعة ” المستقبل ”
وحاضر أطفالي محكوم بالموت … ؟
في قصائد الديوان التالية يحضر الوجه القبيح ” لأمريكا ” وتنهض قامة القصيدة المقاومة .. التي تحاور ” رامسفيلد ” وزير الحرب الأمريكي :
” أنا لي وطن في وطني
فهل لك في وطني وطن  ”
وفي قصيدة “عراقستان ” يستعرض هدايا ” أمريكا ” لأهلنا العراقيين ”
” نحن جياع العالم
الموت المهدى منك إلينا
بصواريخ كروز
توما هوك
بقذائف …
يعد رفاهية ً .
ويواصل الشاعر سخريته التي تبكينا عبر جميع قصائد القسم الثاني من الديوان ..ولعل أكثرها وجعا ً ماهو متحقق في قصيدة ” ياوطني دعني أقبل شجاعتك”
” السرفات ليست في الشوارع
السرفات على قلبي   … ”
أو في قوله :
” أيتها الحرية
اطمئني
إننا نحرز تقدما ً ملحوظا ًفي الاحتلال  .. ”
أو في هذا المقطع الذي حملت القصيدة عنوانه :
” وطني أيها المهزوم
دعني أقبل شجاعتك … ”
إن ّ ” إكليل موسيقى على جثة بيانو ” هو مرثية وطن تستنهض الحياة من جدث عتيق .. وترتق ضوء قمر طاعن في عتمته .. إنها صوت الشعر الاستثنائي
الذي يولد مع الكوارث والمحن هذا الصوت الذي يصنع مسراته من أكثر أحلامه
نزفا ً .. ليجعلها تشرق ثانية على موت مسرتنا ..

مونتريال – كندا

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.