ليث الصندوق : عندما يستنطقُ الغائبُ المسكوتَ عنهُ والمُغيّبَ (*)

ليس البحث في ظاهر النص عن الفضاءات البيض والنصوص المضمرة تقويلاً له بما لم يقل ، بقدر ما هو ولوج عبر ثغرات اللغة إلى الباطن للكشف عن المسكوت عنه باعتباره معرفة خارج نصية ، هذه المهمة التنقيبية ليست ترفاً خصوصاً في نص إشكالي مثل رواية واسيني الأعرج ( ضمير الغائب) يحرّضك أن تتآمر عليه وتتعامل معه حفراً ونبشاً منذ لحظات القراءة الأولى … وكما إن ستراتيجية الحفر والتنقيب حق وواجب للقاريء ، فإن ستراتيجية الحذف هي حق من حقوق الكاتب يخفي بها النوايا والأسرار التي لا يريد النص أن يقدمها بالمجان لمن يتصدى له  ، فالحذف أولاً وأخيراً ( مبدأ سردي مهم تقوم عليه معظم السرديات وبخاصة تلك التي تتحفظ على كثير من القضايا فلا تريد أن تذكر الحقيقة كاملة ، أما لأنها تريد التستر عليها ، وأما لأنها لا تملك العناصر السردية كلها ، فيصبح النص مجالاً رحباً للتأويل )  (1) ، ويبدو أنّ واسيني الأعرج في روايته ( ضمير الغائب ) قد تعمد توسيع خارطة البقع البيضاء لتشمل كامل النص ، ومن بين تلك البقع ما يتعلق بأهداف السرد ورسالة الراوي أللتان تشكلان أحدى البنيات المعنوية الأساسية لأي عمل إبداعي ، ذلك لأن العمل الابداعي هو رسالة أولاً وأخيراً بغض النظر عن طبيعة تلك الرسالة التي تتباين ما بين المدارس الفكرية والنقدية المختلفة . بيد أن استعادة القراءة للنص الغائب تكشف أنه رمى إلى تحقيق ثلاثة أهداف أساسية في الأقل ، أولهما : كشف الملفات السرية للثورة الجزائرية التي سما بها التأييد والتعاطف إلى مرتبة القداسة ، ومنحها من العصمة ما نزهها عن الخطأ ، وأبعدها عن التشكيك والمُساءلة ، مما جعل النبش في تاريخ هذا (المقدس ) ضرورة تاريخية وأخلاقية . وثاني الهدفين : ضخ شحنة من الحيوية في مبدأ الإختلاف ( وهو المبدأ الذي لم تعرفه الثقافة العربية إلا في السنوات الأخيرة ) . وثالث الاهداف : إضاءة المنطقة المظلمة والسرية من التاريخ الجزائري الحديث ألتي شهدت حرباً دموية صامتة ما بين الأخوة المختلفين ( وفي هذه الإضاءة رد اعتبار لضحايا الصمت والاختلاف ) .
تمتد جذور ( الحدث – القضية ) في التاريخ الجزائري الحديث إلى زمن الشهداء ، وهو الزمن الذي أعلنت فيه ثورة التحرير ضد الاحتلال الفرنسي ، ومن الواضح أنّ الملفات السرية لتلك المرحلة لم تُفتح رسمياً بعد مرحلة التحرير ، ولم يجرأ أحد أن يُطالب الثوار – بعد انتصارهم – بفتحها ، وظلت متطلبات مرحلة البناء وما تستوجبه من وضوح وشفافية خارج اهتمامات الثوار الذين تحولوا الى ( سلطة ) ، ولا يخفى كم من الجرائم يمكن أن تُوارى في المنطقة المظلمة المحصورة ما بين منطقتي ( ألثورة ) و ( ألسلطة ) ؟ وجاءت الرواية – بعد ربع قرن تقريباً من انتصار الثورة – لتفاجيء الجميع بفتح سجلات الماضي ، وتغيير القناعات ، ومساءلة المسلمات ، والتشكيك بالمقدس .
ألرواية تنقيب في قضية خلاف رؤيوي خلال مرحلة التحرير ما بين مجموعة من  الثوار ينتمون إلى فصيل يدعى مقاتلون من أجل الحرية – وهو على ما يبدو كان فصيلاً شيوعياً – مع رفاقهم في جيش التحرير الجزائري حول الحل الأنسب للقضية الجزائرية ، إذ كان المقاتلون يطرحون حلاً ديمقراطياً يحترم مصالح السكان جميعاً ( مسلمين / عرب / فرنسيين / يهود / مسيحيين ) بينما كان جيش التحرير الجزائري يعارض هذا الحل ، وجراء هذا الخلاف غلب سوء الظن على تفسيرات و دوافع ونوايا ثوار الفصيل الأول ، وطوردوا وسجنوا وأعدموا ببنادق رفاقهم ، ولفّتِ الشكوكُ مصائرهم ، وحامت حولهم تهمة الخيانة ، ولم تُفتح ملفاتهم حتى بعد التحرير ، وظلت مصائرهم وقبورهم مجهولة . هذه القضية محورتها الرواية حول فكرة مُحدّدة مفادها البحث عن ملف الشهيد ( المهدي بن محمد ) الذي قاتل المحتل الفرنسي ضمن فصيل ( مقاتلون من أجل الحرية ) وأعدم بسلاح رفاقه لا لسبب إلا لخلاف معهم في الرأي ، ولم يُعثر على جثمانه .
وبدءاً من هذه النقطة ترسم الرواية أولى ملامحها ، ويعلن الراوي وهو إبن الشهيد والشخصية المحورية في الرواية ألحسين بن المهدي بن محمد ( يلاحظ تزامن الدلالتين الدينية والتاريخية للأسم ) عزمه البحث عن سر موت أو استشهاد ابيه ، ومن اجل ذلك سيباشر النبش في سجلات الماضي الضائعة ( أو المضيّعة ) ومساءلة الصور الفوتوغرافية التي تنجد أحياناً خصوصاً عندما تستدعي الفنطازيا ظاهرة إحياء الموتى ، وإخراجهم من بين إطارات الصور القديمة ليقصّوا للأحياء ما شُوّه عن عمد من التاريخ ، وليرسموا لهم خارطة الطريق نحو الحقيقة . وبهذه الالية الغرائبية – التي بدأت بصورة فوتوغرافية وبتلميحات سريعة هنا وهناك ، سرعان ما هيمنت فيما بعد على كامل المشهد السردي – خرج الشهيد ( المهدي بن محمد ) من إطار صورته الفوتوغرافية ، وتجسد لابنه الحسين حيّاً ليضع بين يديه ما ضاع أو ضيّع من ملف استشهاده .
ألمدخل الذي أسماه الراوي ( فاتحة المؤلف ) يتكون بنائياً من ثنائية ضدية طرفها الأول يمثله الخبر الذي تضمنه البيان المنشور على صفحة الجريدة الرسمية لتطمين القراء على صحة الصحفي ( الحسين بن المهدي ) الذي نقل إلى باريس للعلاج من مرض في المخ ، ويتسم هذا الطرف من الثنائية بطابع الواقعية وبجو الهدوء الذي يشيعه الحزن على حالة الصحفي والتوقع المبهم لما يمكن أن تؤول إليه .
وعلى الطرف الثاني من الثنائية الضدية خبر مصاغ بطريقة الرمز ينزل كالصاعقة مزلزلاً حالة التطمين ومخلخلاً جو الهدوء والترقب الذي أشاعه الطرف الأول من الثنائية ، إذ أن ملايين بل مليارات الزواحف التي تشبه العلق الأسود هجمت على المدينة وقضمت الحيطان ووجوه الناس والأرض وشرعت بحرب دموية مع القوارض فاصطبغت الشوارع بلون الدم .
هذه الثنائية ستتفتت وتتبدد في البنية السردية منذ اللحظات الأولى التي سيدخل فيها الراوي بوابة الحكي ليستقل كل طرف منها بدلالاته وببنياته ، ويتداخل مع الوحدات المعنوية الأخرى للنص في نسيج الرواية  .
إن تحديد الوحدات المعنوية الرئيسية ( ألمحاور ) سيرسم هيكل المعنى الذي يبدو انه لا يشكل من المتن سوى مداخل يسهل النفاذ عبرها ، وتوقع الممرات التي تفضي إليها ، بيد أن هذا اليسر مضلل فهو سرعان ما ينقلب على القاريء ، ويضعه في مواجهة الأسئلة الصعبة المغيبة من المتن ، والتي يستحضرها القاريء سيء الظن بعد أن يدفعه فضوله لتمزيق القشرة والنفاذ إلى  بطانة المحاور وما تنطوي عليه من تفاصيل وتمفصلات ، عندئذ من البدهي أن تتراءى المعاني الكامنة التي تشكل معنى المعنى والتي تهيمن ظلالها على مجمل المساحة المرئية للنص . ولكن التباعد ما بين تينك المنطقتين : منطقة المعنى ( الجلية) ومنطقة معنى المعنى (المغيّبة) لن يبدد – مهما اتسع – مفعول الثنائية الإبتدائية ( الجنون / الكسوف ) التي تحولت إلى محورين مستقلين وسيستمر هذا المفعول حتى النهاية مهيمناً ومؤثراً في كل المحاور المجاورة من جهة ، ومتعاضداً معها من جهة أخرى في الدوران مدارياً حول محور مركزي وهو محور البحث عن حقيقة موت الأب الشهيد ( كما سيأتي لاحقاً ) .
وبدءاً من الفصل الأول ( أبواب الجنون ) ستبرز هذه المحاور مثل الخيوط وتتداخل مع بعضها لتشكل سجادة النص ، بعد أن يباشر الحسين بن المهدي زمام رصد وتوجيه الأحداث بعد رحلة العلاج ، في أعقاب تقلد منصبه بالجريدة ، واستيعابه لحالة الجنون التي فرضت عليه وحملته للعلاج في باريس . لقد بدأ الحسين إذن يرتب عالمه ، ويحدد مواقفه تبعاً للسؤال الذي سيفتتح به الرواية ( ما معنى أن يكون الإنسان مجنوناً في وطن يعتقد كل ناسه انهم عقلاء ؟ وما معنى أن تكون عاقلاً في وسط لا يدري أنه مجنون ؟ ) .
إن المحاور التي سترسم إتجاه الحكي في متوالية تكرارية تستمر من البداية حتى النهاية هي :
ألمحور الأول :- الموت الفجائي الذي يخطف حبيبة الحسين ( مريم ) ، ونحن لا نعرف عنها اكثر من الذي يريد أو أكثر مما ( يعرف ) عنها الحسين ، فهو ليس من الرولاة التقليديين ( كاملي المعرفة ) إنه يعطي فقط ما يُقدم له ، مما يجعل من (مريم) واقفة في حدود مرحلة الذكريات ولا تملك الدافع السردي الذي يحملها على اجتياز الحدود الزمنية المرسومة لها للوصول إلى ما قبل مرحلة تحولها إلى ذكرى . ووفق هذه الرؤيا ستكون (مريم) بؤرة الاسترجاع ، يتكرر إسمها تكرار أغنية حميمية ترفض حتمية القدر وتشكك به ( مريم ، مريم ، مريم حبيبتي تعالي ، أين أنتِ ، كفى من هذا اللعب إنه يُخيفني ) .. لقد كانت في حياتها جزءاً من قضيته باعتبارها المكمل الروحي له ، ولأنها كذلك فالراوي سيبقيها في منطقة الحضور حتى بعد رحيلها الأبدي متحدياً بذلك قدرية الغياب المرسومة بقرار سياسي ، يستدعيها كلما احتاج إلى قوة الحب التي تعينه على الصمود في مواجهة النسيان والانحراف ، أما السلطة فقد فككت هذه الاشكالية الروحية وستستفيد منها بتحويلها إلى أحدى أدوات الانتقام للتاثير على بوصلة القضية .. ففي تعاقبية الانتقام السلطوي كان قتل مريم الأداة الأولى ، ثم أعقبتها الأداة الثانية وهي المرض الاجباري الذي فُرض على (الحسين) ، وعداهما فالسلطة تعيد إنتاج المزيد .
ألمحور الثاني :- ظاهرة الكسوف التي أربكت القاريء فهي حيناً قد حدثت فعلاً كما في الإفتتاحية ( إفتتاحية الراوي ) التي تجري أحداثها في زمن الكسوف الأكبر عام 1978 ( وهي سنة دالة بالتأكيد في تاريخ الجزائر الحديث ) ، وهي حيناً اخر لم تحدث ، ولكنها متوقعة في أية لحظة ، وكثيراً ما يلوّح الحسين وابيه بقرب وقوعها ، وفي كل الأحوال فقد اخذ الكسوف ( الواقع فعلاً ، أو المتوقع ) اكثر من مظهر :
المظهر الأول : أما ان يكون المُطهّر الذي سيدمر المدينة الفاسدة ويهلك طغاتها ويحررها ( من خلال الموت ) من ألامها وعذاباتها ، وهذا المظهر من الكسوف هو ما يتوقعه وينتظره الشهداء والمعذبون ، ولذلك يقول الشهيد المهدي ( للكسوف كل الحق بأن يمحو هذه الخربة التي نسميها المدينة ) أو كما يقول الحسين ( إن المهدي سينزل على صوامع المدينة مع بداية الكسوف )
المظهر الثاني : أن يكون الكسوف سوطاً اخر يحمله الطغاة ليدعم طغيانهم ، ويقوي من قبضتهم التي تمسك بخناق البشر وارواحهم بدليل أن سرّاق الثورة ينتظرونه ، او ينتظرون الفوضى التي سيشيعها ويمكّن الطغاة من التحرّك بحرية تحت ستارته لإعلان ثورتهم المضادة ، وهذا ما اكده الحسين لأبيه وهو يقص له حكاية أحد لصوص الثورة ( يحكي الذين عرفوه عن قرب انه ينتظر بفارغ الصبر ان يأتي الكسوف وينقلب الزمن على مؤخرته ليعيد ذبحك من جديد ) .
ألمظهر الثالث : أو انه سيكون القدر الذي لا مناص من قسوته ، فهو سيحطم المدينة بأخيارها واشرارها على السواء ، ويؤكد هذا قول الحسين في مونولوجه ( قل كلمتك وامضِ ، قبل أن يطمس الكسوف عيون المدينة ) .
ألمظهر الرابع : أو أن يكون الكسوف ظاهرة فيزياوية لا تبعات رمزية أو اسطورية لها باستثناء الأضرار التي تحذر الحكومة منها في بياناتها الإذاعية والتي تصيب من ينظر إليه من الأطفال بالعين مباشرة في حال عدم الاستعانة بنظارات واقية . ومع ذلك فالحسين يحرّف هذه الرؤية بإزاحتها عن محورها الفيزياوي باتجاه الرمز ( لا احد يعرف متى سيكون ، لكن كل الدلائل التي تحيط بالمدينة تؤكد أن كسوفاً طويلاً سيغلق عيون الأطفال والمدينة لمدة غير محددة ) .
ألمحور الثالث:- ألمستشفى التجميلي الذي بني وسط المدينة وشمخ دون سابق إنذار كقبة أحد الأولياء ، وهو رمز المؤسسة السرية التي تعيد تركيب البنية العقلية للشعب بما يتوافق مع أهواء الطاقم الطبي العامل بها وهم من الأجانب ، والراوي يقدم وصفاً للمستشفى من الداخل يؤثثه ويديره بعناصر لا توجد إلا في الخيال العلمي المحض والمهيّأ لاختراع إنسان بديل مزيف ومجمّل بقسوة ليتلاءم مع متطلبات المدينة المدنسة .
لقد دخل الراوي المستشفى بدافع الفضول مع صديقته ( ساسافندا ) – وسنفصل فيما بعد دلالات وجود هذه المرأة التي تمثل الوجه الانثوي للسلطة الذكورية والنظام الابوي في حياة الراوي – بعد أن زوّر وثيقة تسمح له بالدخول ، وما إن دخل حتى انقطع خيط اتصاله مع أية علاقة بالعقل والمنطق والمدينة والعالم والشهداء والحاضر والتاريخ ، فالتحريف والتبشيع يحكمان كل تفاصيل العمليات الجراحية التي تضطلع بها هذه المؤسسة وفق أليات جنونية ، فالذين تبتر أنوفهم ( يخرجون من زجاج الأبواب بدون أنوف ولا ذاكرة إلى قلب المدينة مسرورين حتى العظم ) أما العيون التي تزرع ( فهي لا تَرى إلا في حدود ما تتلقاه من تعليمات تختلف من شخص لأخر بحسب المكان الذي سيرسل إليه في المدينة ليتحوّل إلى جرذ بعينين زجاجيتين ) أما جناح تغيير الأذان ، فالمرشحون فيه للعملية ( يشترون الأذان من خارج المستشفى من أحد المحلات الأجنبية ويأتون لتركيبها ) أما جناح تغيير الأمخاخ ، ففيه تعلب الأمخاخ التي يتقرر نزعها في صناديق زجاجية وترسل للبحث في تركيبتها النادرة ، أما الرؤوس فتغلق بعد أن تحشى بجبس له شكل المخ .
ألمحور الرابع:- عمليات القتل السرية التي تخطط لها أيادٍ مجهولة وتنفذها السيارات السوداء ، وهذا المحور مفصول عن المحور الأول الذي يمثله موت مريم ، بالرغم من انها أيضاً قد ماتت بنفس الطريقة ، فالمحوران لا يتحركان مندمجين معاً بل ان لكل منهما ظروفه وأجواؤه ودلالاته  .
ألمحور الخامس : حالة الهذيان الدائم التي تتحرر عنها صور مرعبة لا رابط ولا منطق يجمعها تجعل من الواقع اليومي فنتازيا ، وهي بالتأكيد ترجمة بلغة مقهورة لواقع يخفي تحت قشرته اللامعقول واللامنطقي حيث ينشط المجاز لإنشاء نص مغاير يقوم فيه الجنون مقام العقل ، والخيال مقام الحقيقة ، والكلام مقام اللغة ، في محاولة لإقناع القاريء بأن اهداف  الراوي ضرب من المستحيل وأن السعي إليها هو الجنون بعينه ( الشمس تتفحّم / العصافير تتحول إلى قطط / والقطط إلى فئران / والفئران إلى فيَلة / والفيلة إلى غيلان / والغيلان إلى أشياء تشبه الخوف والغموض ) و ( بدأ يتكور على نفسه حتى تحول إلى قنفذ في ساحة ملآى بالحشائش والحشرات ) و ( النصب التذكاري المتجهّم الذي يلتفت برأسه نحو الأفق ويبصق ) وغيرها كثير . وفي هذه المتاهات تصبح مهمة القاريء أكثر عسراً إذ عليه ربط السلاسل المموهة والمقطوعة وفضّ المعميات بحثاً عن النظام المنطقي المستتر .
ومن الناحية الأسلوبية فإنّ (شعرية) هذا المحور أو (أدبيته) تنماز عن المحاور الأخرى في أنها جميعاً تكون قد تمظهرت بوصفها أحداثاً ، بينما يكون هذا المحور قد تمظهر بوصفه ظاهرة لغوية نشأتْ عن إنزياح الدوال عن سياقها العُرفي الجمعي بحكم خلل قاهر في الرؤيا . وإذا كانت أرضية هذا المحور تمتد على أغلب مساحة الرواية بيد أن ابرز فقراته تتجلى في وصف المستشفى التجميلي من الداخل ، وفي وقائع المحكمة التي عقدتها السلطة لمحاكمة الشهيد حيث جدل العقل والجنون يترك اثره في النص فيفجره مطلقاً طاقته الدلالية إلى حدودها القصوى ومحدثاً حالة من المغايرة مع ذاته .
المحور السادس : صحافة حكومية مدجّنة ومزيفة وفاسدة .
ألمحور السابع : هيمنة قضية الأب الغائب الذي ذاق مرارة السجن واستشهد بأيادي رفاقه خلال حرب التحرير في ظروف غامضة .
هذه المحاور ستتداخل مع بعضها حسب الأولويات التي يمليها منطق السرد لتتشكل من هذا التداخل البنية التحتية للرواية ، وهذه المحاور ذاتها تتكرر في كل فصل من الفصول ، بيد أن المحور السابع تحديداً يبقى المحور المركزي الذي تدور حوله المحاور الأخرى في مدار سرمدي لا ينتهي ، ويبقى ملوحاً بالاستمرار حتى مع انتهاء الرواية ، فهذا هو الحسين في الصفحة الخيرة من الرواية يوعدنا بانه سيكمل لعبة السرد ( وهي التي يعيش من اجلها – كما يقول – وليس من أجل قضية ابيه الشهيد الذي خصص له اكثر من 300 صفحة من القص ، وهنا إزاحة عفوية عن الهدف تكشف تماهي العقل الرقيب –  عقل الكاتب – بعقل الراوي ) ولكن أي سرد يوعدنا به الراوي ، إنه السرد المفتوح المتولد عن الحركة الدورانية ألمستمرّة حتى اللانهاية لكل المحاور دونما استثناء حول قضية ( الأب الشهيد ) ليس من اجل تفكيك عقدها  وحل ملابساتها  ، ولكن هذه المرة من أجل أن تستمر لعبة السرد بكشف ما تعرض له الحسين في مستشفى المجانين والمستشفى التجميلي وبذلك تستمر قضية الأب مُرجأة ومعلقة وتبقى قضية البحث في مصائر الشهداء دون حل .
وعدا هذه المحاور من البدهي أن تكون هناك لحظات يفجّر فيها النص مفاجآته ، وهي كثيرة ، وتعمل ما بين المحاور عمل المفترقات التي تربط ما بين الطرق ، ولعل أهم تلك المفترقات هو ظهور الحبيبة ( ساماندا ) ووجودها الشبيه ببؤرة تتجمع فيها إشعاعات دلالية شتى . إن وجودها يمثل لحظة الخروج من حالة الاسترجاع التي هيمنت على الرواية ومنحتها المسوّغ اللغوي للارتكاز على صيغة ( ضمير الغائب ) ، ومن أجل تفكيك دلالات تحولات هذه الشخصية الإشكالية توجّب على الراوي أن يوقف تداعياته عائداً إلى الحاضر متسلحاً بأعلى درجات التنبّه ، فهذه المرأة استبدلت إسمها إلى ( شهرزاد ) في إحالة إرتدادية إلى عهد الحريم والحكي الأسطوري الذي يبدأ ليلاً ويمحوه النهار . وهي قد جاءت من العاصمة ، والعاصمة تُحيل إلى السلطة القامعة ، بل هي من قلب السلطة لوجودها بالاتحاد النسائي ، وهي في مواقع متقدمة من السلطة وذلك لترقيها في منصبها بالاتحاد ، وهاهي تكشف له أخر ورقة مخفية من أوراقها المشبوهة حين تُعطيه الحب مقابل ثمن ، والثمن أن يتنازل عن قضية الأب .
لقد جعلت اللغة من الفعل التأويلي قضيتها الفنية الأولى فأصبحت بذلك كل وحدات النص مكتفية بذاتها ، وبلحظتها الراهنة فحسب ، لا سابق ولا لاحق ولا ديكور ولا شروحات ولا مقدمات ، تحضر الشخصيات فجأة بدون إعلان مسبق ولا أوصاف ولا مواعيد ، تقول كلمتها وتغيب في طية النص . إن كل المعطيات الابستمولوجية تبدو هنا تراهن ليس على ذاتها بل على ما ورائها ، وليس على الراوي بل على القاريء ، وليس على المرجعيات والمتون بل على الذاكرة والخيال الحيوي لذلك يبدو النص منزاحاً عن أية معيارية متوقعة وفي هذه الحالة فإنه لا يقدم لقارئه سوى المفاتيح الضرورية التي يفتح بها بوابة الرموز والاشارات ويمهّد لمخلوقات جديدة بالاستفادة من اليات التأويل التي لن تكون مجرد معادلات منطقية او بلاغية لفك شفرات النص بقدر ما هي ( حالة وعي فلسفي لا ترى في المحدد بشكل مباشر سوى حالات رمزية تحوي على اسرار الانسان الثقافية والاجتماعية والدينية ) (2) ، ومن هنا تبدأ رحلة التأويل :
– تأويل الأحداث الملتبسة والغامضة والمقطعة بمقص الجنون والهذيان تاركة مع كل عملية تقطيع أكثر من علامة استفهام .
– تأويل الجغرافيا ( إذا ما صحّ ذلك ) عن طريق إعادة تسمية وترسيم المكان التي تتواتر وحداته الكبرى ( العاصمة / المدينة / القرية / الجبال / البحر / الوديان / الشوارع / الغابات المتفحمة / … ) تواتراً غامضاً بلا أسماء ولا امتدادات ولا أوصاف او تفاصيل ، وكذلك الحال بالنسبة لوحدات المكان الصغرى ( الأبواب / السقوف / الحيطان / الغرف / الحانات / السجون / القبو / قاعة الأرشيف / … ) ألتي انعكس عليها غموض الوحدات الكبرى فزادت بدورها غموضاً والتباساً وانعكس ذلك على غموض المشاهد والاحداث .
– تأويل الأسماء الرئيسية التي يبدو أن اختيارها لم يكن بريئاً ( ألحسين ) و ( ألمهدي بن محمد ) ، وباقتران الأسماء بالاحداث تُستحضر ثمة دلالات تاريخية ودينية تحيل إلى عودة الإمام المنتظر كما ورد في الملفوظات الإسلامية ، فالراوي يقول عن أبيه الشهيد ( أمي تقول لم يمت ، ولا يمكن أن يموت ، سيعود ذات فجر ) ويستطرد في مكان أخر ( إن المهدي ينزل على صوامع المدينة مع بداية الكسوف ، سيتسلل مع جيش من الشهداء إلى هذه المدينة الهرمة ) وفي لغة يبدو فيها الدال أكثر إحالة إلى مدلوله يقول الراوي ( إستيقظ يا المهدي ، أو قل لي ماذا أفعل لإيقاظك أيها الوجه النبوي )
– تأويل الأحداث التاريخية باعتماد وحدات الزمان وافعاله ، وقد تعمد الراوي إبقاءَها غائمة باستثناء وحدتين فقط من وحدات الزمان ( التقويمي ) حددتا إطار الرواية ، وحدة البداية عام 1978 ( وذكرها في الصفحة الأولى من الرواية ) كإشارة ثانوية معادلة بالافرنجية لتاريخ حدوث الوقائع المروية الذي عاد فغيبه تحت طبقة كثيفة من الغموض حين جعله (عشية شهر العواصف وقبل ذلك بكثير من سنة الكسوف الأكبر ) . أما وحدة النهاية عام 1985 ( وذكرها في الصفحة الأخيرة من الرواية ) ، وباستثناء هاتين الوحدتين أبقى في حدود الإيحاء ( مجرد الإيحاء ) إشارات غائمة إلى الزمن الكوني متمثلاً بديمومة حياة الشهداء ( الذين لا يموتون ، والذين يتكلمون ) أو ( يأتون مثل ليلة القدر ، وكالومض يرحلون ) .
– بل وحتى تأويل العنونة وتفكيك ظلالها المتشابكة حول شخصية الأب تحديداً والتي توحي بوجود حالة من المغايرة ما بين صيغتها اللغوية المثبتة على الغلاف وبين المجال المعنوي لموضوع النص مما يستدعي إيقاظ حاسة التأويل التي لن تكون ( مفتاحاً للدخول إلى الموضوع بقدر ما هي مفتاح لذات المؤلف ) ففي الوقت الذي يكون فيه العنوان ( موضوعاً للتدليل على مسائل وقضايا ترتبط بقضايا محورية للدلالة ، يكون فاتحاً لعالم يتمثل فيه المؤلف حاله الخاصة التي يحتفظ فيها بلغة تتجاوز تاريخية فهمه للواقع وحدود العلاقات التواصلية مع الموضوع الذي يطرحه )(3) وبمعنى أخر فالعنوان هنا يفتح باباً للفهم ويغلق في موازاتها أخرى لأن النص في مواجهة كشوفات لغوية يستعصي رصدها وتحديد مجالاتها التواصلية ف ( ضمير الغائب ) الذي وصفه الكاتب ( بلغة المفرد ) على صفحة الغلاف الأول بأنه ( الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر ) لم يكن على ما يبدو سوى حشد من الضمائر الغائبة توزعت ما بين الشهداء أو ما بين المشاركين في اغتيال المدن والقيم والإنسان ، فهل كان هذا التناقض مقصوداً ؟ أم كان المعِني به هو واحد من أحد الفريقين ؟ فمن هو يا تُرى ؟ أم انهم دخلوا جميعاً تحت المظلة اللغوية للعنوان ليُنظر إليهم بحياد نظرة الكلّ في واحد  ؟ أم ان سياق السرد التقليدي في القصة الجزائرية ( ألذي يجعل من ضمير الغائب أغزر الضمائر حضوراً ) (4) قد شجع الكاتب على اتباع من سبقوه ؟
وبالعموم فيبدو أنه كان مقصوداً أن يتعمد النص الإغفال عن التفاصيل المكانية والمحددات الزمانية والقفز على الأحداث قبل الوصول إلى نتائج مؤثرة تربط ما بينها  وتدلّ عليها ، وبذلك تجاوز من الناحية الأسلوبية عن المفاهيم النقدية التقليدية لأليتي السرد والوصف باعتبار أن الأولى ( تُعنى بالأحداث وسريان الزمن ، بينما الثانية تُعنى بتمثيل الأشياء الساكنة ) (5) ، كما يبدو أنه كان مقصوداً تمييع النص للغة المعيارية إلى الحد الذي زال معه الفاصل ما بين الإخبار والهذيان … إنه هروب من المعنى بطريقة روائية مبتكرة بحثاً عن دلالات كامنة ومزاحة عن إتجاه التوقع ، في حالة من الدوران المستمر داخل متاهة المعاني دون الوصول إلى القار والمقنع ، وكما انطلق الفعل التأويلي من التاريخ ( قضية منسية منذ عقود ) متجهاً نحو الأيدلوجيا ( الصراع مع السلطة ) فإنه استقر ( أو هكذا يخيل ) في اللغة ليبدأ منها إحالات غير قابلة للضبط ، وذلك لأن الراوي لم يغلق الدائرة السردية وترك النهاية مفتوحة ولم يختر أي إحتمال من الاحتمالات التي يمكن أن تقترحها سلسلة الأحداث ، وبمعنى أخر إنه لم يختر أياً من المخارج المتوقعة للتحرر من متاهة الاحتمالات السردية .
____________________________________________

هوامش :
(*) ضمير الغائب ( الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر ) – واسيني الأعرج – دار الجمل – 2007
(1) الأنظمة السيميائية – دراسة في السرد العربي القديم – د . هيثم سرحان
(2) السيميائيات – مفاهيمها وتطبيقاتها سعيد بنكراد دار حوار
(3) اللغة والتأويل – عمارة ناصر – الدار العربية للعلوم
(4) تطور البنية الفنية في القصة الجزائرية(1947- 1985) شريبط أحمد شريبط
(5) بناء الرواية – دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ – سيزا قاسم

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مقداد مسعود : القاص والروائي غانم الدباغ : قراءتان متباعدتان .

عرفتُ القاص والروائي غانم الدباغ  في منتصف سبعينات القرن الماضي من خلال أربعة أعمال :  …

| جمعة عبدالله :  حزن الغربة في المجموعة الشعرية “لا أحد يعرف أسمي” للشاعر خالد الحلي .

يمتلك الشاعر تجربة غنية وخبرة  طويلة  في الصياغة الشعرية العميقة في الإيحاء البليغ في المعنى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *