فليحة حسن : المشهد الثقافي العراقي دعائي وملفق ولا يعتد به !

المتمعن في كلمة التغيير الذي يضيفها  بعضهم الى جمله عند الحديث عن ما حصل ويحصل في  العراق ويرى فيها تبديلاً شاملاً لكل محفل من محافل الحياة أو جلها في الأقل، لا تقع ضمن ما يمكن أن نصف به المشهد الثقافي العراقي أبداً  ،
إذ إن  التغيير ومن غير الممكن أن ينسحب على محفل كالثقافة مثلاً لأنها تحمل من الرسوخ والثبات في أيما مجتمع من المجتمعات بمقدار ما يحمل ذلك المجتمع من قيم وعادات متوارثة جيل بعد جيل حتى تصبح ثقافة ذلك المجتمع بمثابة هوية مائزة له ،
لكن والحال هنا إننا في العراق لا نلمح بعد هذا (التغيير) مميزات تصف الثقافة العراقية وتشير لها بمصداقية عدا الفلكلور العراقي الذي لا يمكن إلا أن يكون ويبقى عراقياً !
فعلى سبيل المثال لا الحصر كنّا نترقب بعد التغيير أن نرى ولادة مؤسسات ثقافية لها القدرة على العناية بالإبداع العراقي واحتوائه طباعةً ونشراً وتوزيعاً واحتفاءً سواء أكان ذلك الإبداع قادم من مبدع منفي أم من  مبدع لما يزل يستنشق نسيم العراق العليل،
من مبدع مازال يرى ويشير أم غيبتْ ظلامة القبر ضوء عيونه ، وبدلاً من ذلك ولدتْ مؤسسات ليس همها سوى تكريس طائفية( الكلمة ) والحد من حرية التعبير بدعوى العودة الى رصانة القصيدة العربية ، وبقي المبدع العراقي يكتب ويطبع ويوزع ويحتفي بذاته سراً وعلانية وبجهده وحده ليس غير ، بينما ظل المطبوع العراقي متعلقاً بمميزاته السابقة فحافظ بل تشبثَ بتخلفه  شكلاً وإخراجاً وتوزيعاً، الأمر الذي جعل الكاتب العراقي يبحث عن ضالته في دور النشر والتوزيع العربية ، ويبذل في سبيل ذلك أغلى الأثمان .
فإذا ما تحولنا  الى المجلات العراقية الثقافية  فإننا  نفاجأ بوجود أسماء ليست راكزة في المشهد الثقافي العراقي بل أحياناً قد نجهل هويتها الثقافية لضآلة تلك الهوية وانعدامها وقد تبوأت رئاسة تحرير تلك المجلات أو إدارتها والأمثلة على ذلك عديدة،
وفي الوقت الذي كنا نتداول المنشور العراقي ونتلقفه بأرواحنا قبل أيدينا وان كان ذلك المنشور قد وصل إلينا مستنسخاً أو منقولاً بخط اليد صار يمر صدور المطبوع العراقي اليوم مرور الكرام على المتلقي وهذا راجع في رأيي لأسباب يسهم فيها الى جانب مبدع النص نفسه ، أقول  يسهم فيها وبقصدية المشتغل في الحقل النقدي،
فقبل الآن كان خبر صدور كتاب ما أو نشر قصيدة ما يصل إلينا مصحوباً بل مدعوماً بقراءة نقدية حقه تبينه لنا ،وتفتح مغاليقه أمام أذهاننا وإلا فكيف تعرفنا مثلاً على قصائد شعراء الجيل الستيني أو السبعيني – إذا صحتْ تسمية جيل-  وهي التي تحمل من الغموض الشيء الكثير ؟!
وعلى العكس من ذلك نرى المشتغل بالحقل النقدي اليوم يتبع أهوائه فيُعلي من يقصر حتى في العلو، أو تدفعه المجاملات الى الخوض فيما لا يخاض به متناسياً إن هناك رقيباً حسيباً يترقبه ويعد عليه حروفه سراً وعلانية ألا وهو المتلقي الواعي ،
ليس هذا فحسب بل بوجود (الانترنيت) والتقنية الحديثة والمواقع التي تسمي نفسها اعتباطا بالثقافية ومواقع التواصل الاجتماعي (كالفيس بوك) و(تويتر) صار كلّ من يستطيع النقر على (الكيبورد) يدعي الإبداع فينشر الكثير الكثير ويومياً ما لا يمت للإبداع بصلة لا من قريب ولا من بعيد عملاً بنظرية تكريس الاسم أو تحت مقولة ( أكذب ، أكذب حتى يصدقك الناس) فصار لك واحد من هؤلاء أصدقاء يصفقون له على حساب الإبداع والنتيجة تدمير بل العمل على تدمير الذائقة الثقافية وبوعي ،
والانكى من ذلك إن بعض هذه المواقع صارتْ تسمي لها سفراء ثقافة وتزينهم بالأوسمة وتطلق عليهم ألقاباً ما انزل الله بها من سلطان ، فأخذتْ تلتصق مع بعض الأسماء ألقاباً من مثل ( المائز ، والكبير ، والأكبر ، والقيصر…..الخ) مما جعل الإبداع يتحول الى اخوانيات ومحسوبيات ليس إلا!
فإذا ما عدنا الى المؤسسة الثقافية وجدناه تعمل وفق أجندات ومرجعيات معينة وكثيراً ما تكون تابعة لسياسة الدولة ومزاج الحاكمين لها ، وبدلاً من أن يأتي السياسي لهذه المؤسسة ويسترضيها خوفاً من هيمنة  سلطتها وقوة تأثيرها على المجتمع كونها المحرك لثقافة لذلك المجتمع، بقيتْ تخضع بل تلوذ في اكتار ذلك السياسي، فإذا ما أمرها أن تتخلى مثلاً عن مشروع هام جداً مثل (مشروع النجف عاصمة الثقافة) خضعتْ واستسلمتْ بسهولة له وسلّمتْ له القياد وهذا نابع من إن جل العاملين في هذه المؤسسة لا ينتمون الى الثقافة بل يتعاطونها كمهنة يستدرون منها  قوتهم اليومي وهم ليسوا أكثر من أُجراء فيها،
فالمتمعن في ( مشروع النجف عاصمة الثقافة الإسلامية ) مثلاً لا يشخص في اللجان التي انبثقتْ منه أو عنه سوى النفر القليل الذي ينتمي الى الثقافة أما الأعم  الأغلب فليسوا سوى مدعي ثقافة فإذا ما سُحب من أيديهم هذا المشروع لم يبالوا ولن وهذا ما حدث فعلاً،
ولا يقتصر الأمر أو يقف عند هذا الحد بل يتعداه الى السينما والمسرح والفن التشكيلي والتلفزيون والإذاعة التي صارت تبث بدلاً من أغنية (يا كاع اترابج كافوري ) أغنية ( بسبس ميو) ،
وغيرها من أفاق الثقافة الأخرى التي لم تعد تصلح أن تُدرج تحت مسمى الثقافة لا قبل التغيير ولا بعده ،
نعم الأمر الذي يحز في داخلي وأصرح به على مضض فأقول المشهد الثقافي العراقي مشهد دعائي وملفق ولم يعد مشهداً يعتد به، بل حتى انه لا يوازي المشاهد الثقافية الأخرى في الوطن العربي بل تدنى عنها بكثير .

شاهد أيضاً

مظلتان لشخص واحد
دار الكلمة وتوفيق الحكيم
مقداد مسعود

منذ نعومة احزاني أغوتني الكتب فصيرتها أجنحتي والهواء.للكتب امتناني ولمكتبات البصرة منذ السبعينات حتى الآن …

نايف عبوش: جماجم شهداء تحرير الجزائر ليست للفرجة

قبل أكثر من اسبوع.. رجعت إلى الجزائر.. جماجم رموز شهداء ثوار المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال …

فلنصمد وحدنا لنخرج وحدنا
(إلى علي الهق وسامر الحبلي وما تبقى فينا من إنسان)
مادونا عسكر/ لبنان

(إلى علي الهق وسامر الحبلي وما تبقى فينا من إنسان) كتب جبران خليل جبران قبل …

3 تعليقات

  1. بل ان مشهدنا الثقافي أيتها الأخت الكريمة مشهد إنتهازي ومنافق تثار فيه الزوابع والأعاصير حول الأصحاب والاحباب والخلان أما الذين آثروا الجلوس إلى إبداعهم بعيداً إحتفاءات التدجين والمجاملات الزائفة والصخب الكاذب فلم يعد لهم مكان

  2. فليحة حسن

    اوافقكم الرأي الاستاذ ليث الصندوق وبهذا وللاسف يختلط على المتلقي الفصل بين المثقف وغير المثقف ! شكرا لمروركم

  3. معن صالح

    الواقع الثافي العراقي يسيطر عليه ناس جهلة ، همهم المصلحة الشخصية، ويحاربون كل مبدع ، للاسف لا وجود لاديب الحقيقي الا هنا او هناك، وكثير منهم يدصق نفسه انه صار شاعرا بكتابة الشعر الجديد الذي اسهم بشكل كبير في تدمير الادب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *