كريم الثوري : صديقي القناع (5)

لا أدري ما العيب في مناقشة مسائلنا العالقة وجها لوجه بدل أن نتخذ الدرابين والأزقة الملتوية ، لماذا نلتف على أنفسنا ونسعى جاهدين لكي تكون لنقاشتنا وجهات تنسجم مع موروثاتنا في غرف مظلمة ؟
الجواب واضح وبسيط  ، هكذا وجدنا حالنا تبعا لقواعد السائد  ، نخشى المساس بما يمكن اعتباره المقدس ، نحن جيل تربى على الخوف وعدم المواجهة ، ذو بناءات عرجاء ، أشد ما نخشى أن تنثلم القدسية التي تربينا عليها لكي لا يُشار إلينا ، لا نسمح البتة مباحثة اعوجاج يطال المفرد وليذهب الجميع إلى المحرقة  ، نصرح بين اليوم والليلة بقطيعتنا أو تقاطعنا مع المجتمع ، نصبنا أنفسنا أنبياء بدلالة الآلهة حتى بات العربي يقول للعربي أبتعد
عن مجتمع العرب ، لكنه بالنتيجة الحشرية لا يستطيع العيش بدون لغة ومقدمات ، لغة الفصام هذه نعترف بها علنًاً ، لكننا عاجزون عن تفكيك مفاصلها والوقوف عند نقاط الخلل ، ولو اضطر ذلك إلى استبدال أو تهديم بعض القواعد التي نعتبرها مهمة ، المشكلة الثانية يعتبر البعض بأن انكشاف خلل مرَ به أمام الجميع وفي الهواء الطلق  ، يعتبرها مصيبة أو طامة كبرى تمس شخصه المقدس ، هل ياترى بمقدور الواحد منا أن يتناول أمهات القضايا العالقة ابتداء من نفسه  ولو اضطر الأمر إلى معاقبتها وحرمانها لكي تتربى؟!

استبعد ذلك بدليل اغلب كتابتنا اليوم استهلاكية تلميعية ، ( أنوية لوجهه تعالى ) أكثر منها تمس مفاصل الحياة في وجهها المسكوت عنه ، حتى وصلت مجتمعاتنا إلى مراحل مخجلة  ، يعيش البعض منها على السياحة الجنسية ، من هنا بتنا نهرب من نوبات الكتابة إلى المقاهي والنوادي فهي من تمنحنا متعة التعري بالكامل واطلاق ما لا يمكن حجره في مقالة أو قصيدة  ، فذلك يحفظ ماء وجوهنا من رقابة / المساءلة والعدالة / ، لكننا حين نعود إلى طاولة الكتابة نُشذب الحياة بجرة قلم  ، كأنها عار علينا ، تنفيس لاحتقان لكي نعود بعافية نقاء الجريرة . قال قائل في ذلك ،  بعدما عدت من سياحة ترويحية وجدت نفسي أكثر هدوئا وأكثر تحسسا بالرب ، وهكذا كلما تعبأت جراري أسعى لتفريغها ، حتى اخذت عهدا على نفسي بتكرار ذلك حتى ألامس غيمة السماء ،  سائحا لوجهه تعالى ( بدون علامة تعجب أيضا ) .

***
مع من تقف اقل لك من أنت…
تلك حكايتنا التي ليس بمقدورنا تغيّرها
والأريح من ذلك : ساير الجميع وأحظّى بالجميع
تلك المتعة الانتهازية ، أو ما يمكن تسميتها شيخوخة أو مسخرة المواقف الاستهلاكية يوم توقفنا نهائيا  ، لكننا لا جرأة لنا للتصريح علانية ، لذلك نحن نمتلك خطابان  ينضويان تحت عنوانين هلاميين، الأول انتهازي توفيقي يحاول أن يصطف مع مراكز القوى خوفا من المواجهة  ، مع ملاحظة أن الثقافي لم يتبنَ موقفا واضحا معللا ذلك بحرية الإكتشاف والإبداع  ، ما جعل السياسي في حل من أمره ، والموقف الثاني هو التعري بالكامل في أوقات سرية بيننا وبين الذين يشبهوننا ، بحيث نتحول إلى أشخاص لا نعرفهم قبل ساعات . روى صديقي الشاعر كلاما يشبه ذلك قائلا : اتصل بي صديق خلوة وقال لي  حدثني شاطر إعلامي واسمه فلان الفلاني ،  ساردا كيف ضرب ضربته وهرب / الإعلامي الفلاني كان رئيس تحرير صحيفة عراقية  مشهورة / فقلت له والكلام لصاحبي / ، وأين يذهب من أمر الله  ومحاسبة الضمير ؟ ، فتغيرت نبرة محدثنا الهامشي وعاد إلى موقعه الثاني المشار إليه ، لاحظوا هنا تغير المواقف بسرعة ، بلمح البصر خرج من لغة وحوار ومفهوم إلى ما يخالف ذلك تماما بمجرد تغيير الموجة ، لو انسجم صديقي الشاعر مع محدثه لكانت قد تحققت الإشارة المشار إليها ، لكن وقفة مشرفة هنا قلبت الحديث راسا على عقب ، الخلاصة : من منا يستطيع أن يكون واقعا متطامنا مع نفسه كما في كتاباته ؟
صعب الأجابة على هذا السؤال مالم تمحتن النفوس وتأبى النصياع…

****
كثيرا ما نسمع ونرى قبل أن نقرأ بأن الكاتب الفلاني في تصرفاته لا يشبه كتاباته ،
بمعنى آخر الكتابة ما هي إلا حبر على ورق ، هذا هو كلام إنساننا العادي والذي ما زال يُشكك في الثقافي ويستهزء به باعتباره مجرد سرد مستريح مُسيّر بغير اختيار ليس إلا  ، يخالفه في أقرب مناسبة لو اختبرت النوايا الحقيقية ؛ هواء في شبك لا يغني أو يسمن من جوع ، والمرارات كثيرة نلمسها كل يوم ،  فغالبية الذين يترأسون خطاباتنا الثقافية ينتمون بطريقة أو بأخرى إلى ما يعرف بالمثقف التابع ، يجمعون أصواتنا ويبعونها في أسواق السياسة لمصالحهم الشخصية الضيقة…

*****
كلنا يكتب أشياء صالحة للنشر وأخرى يحتفظ بها لأسباب مختلفة؛ منها حدتها غير المعهودة في معالجة قضايا حساسة ، وخاصة تلك التي فيها من الأفكار أو النشاز اللفظي ما يجعل الذائقة المتعودة على نسق معين تشمئز منها ، كون الأدب خاصة / وهذه مغالطة / هو لغة جمال لا قبح ، لكننا نجد أن لا بأس من المشاعر أن تُخدش إذا ما توفرت الفائدة المرجوة ، حتى لو استخدمنا الفاظا لم تتعودها السليقة الغافية ، عموما هذه وجهة نظرنا إذا ما كان المرادف اللفظي يفي بالغرض الأقوى في سلم السياقات اللغوية
كتبنا في هذا المجال ما ترددنا في نشره ذكرا وليس حصرا :
سأدُلّكم إلى لعبة حلوة
فليمسك كل منا عضوه المُحتقن الغافي
ويدون به سيرة حياته…

ترى إلى أي مدى هذه التخريجة حقيقية وواقعية من المعنى الذي استبدلناه فيما بعد وقد جاء على الشكل المخفف التالي :
سأدُلّكم إلى لعبة حلوة
فليمسك كل منا شكله المُحتقن الغافي
ويدون به سيرة حياته…

المعنيان يصلحان ولكننا نرى التصنيف الأول يُصيب على طريقة القائل كبد الحقيقة وخاصة في ذهنية العقل الذكوري…

******
كل ما يكتبه  وسيكتبه لا يمت له بصلة ، فعالمه الكتابي غيره عالمه الواقعي
الكثير منا يقول مثل هذا الكلام  وهو يستذكر أشخاصا شكلوا علامة فارقة في المشهد الثقافي العربي
وزيادة على ذلك:
الشجاعة التي تتحسونها بين طيات كلماته الجريئة تخفي جبانا مهزوما لم يجد غير متسع الكلام لُيشير إلى ما لا طاقة على فعله ، وليحصد مزيدا من التصفيق ما ينمي المخذول المتواري بعدما تمكن منه ، أي طاقة نفسية شاذة تستحوذ على صاحبها وتقوده من قرنيه صاغرا بعكس اتجاه ساحة المواجهة  ؟ّ
ذلك هو الثقافي الذي ترك ساحات النضال كما درس وآمن وضحى  ، لكن حين عرضت عليه الحياة مباهجها ،  استبدل تاريخه المبلط بالدماء بقناني بيرة مثلجة ( عرفانا بالجميل )
لذلك ما خاب ظنكم به جمهور الشوارع والأزقة والدرابين ، من حقكم تخوينه وأمثاله ، بل تخوين الجسد الثقافي عامة…
نعم القياسات مختلفة، لكنه الفرق المضحك المبكي بين سلفية وأصولية استطاعت تثوير اللحظة واستثمارها ، فيما اليسار مازال محنطا في ملفات الكتب الصفراء ،  ومازال يعول على ماركس ولينين أن ينهضا ويوحدا الاتحاد السوفيتي من جديد…
في الوطن العربي هذه المرة ،  نكاية بالربيع العربي !

تصبحون بأحسن منها…

كريم الثوري

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

| د. م. عبد يونس لافي : رجلٌ كبيرُ السِّنِّ، خلفَ منضدةٍ كبيرة ـ اللقاءُ الأول .

مخزنٌ كبيرٌ يقفُ عندَ مدخَلِهِ، رجلٌ كبيرُ السِّنِّ خلفَ مِنْضَدَةٍ كبيرةٍ، يُنجِزُ إجراءاتِ الْبيعِ للزبائنِ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.