رحيل رشيد ياسين آخر مجايلي السياب

عبد الرزاق الربيعي – عن ألف ياء الزمان
رحل الشاعر العراقي المغترب في الولايات المتحدة رشيد ياسين عن عمر ناهز الثالثة والثمانين عاماً والذي يعد آخر ابناء جيل السياب والبياتي ونازك الملائكة.
بدأ الشاعر العراقي رشيد ياسين المولود في بغداد عام 1929 كتابه الشعر في سن مبكره. سطع نجمه في في أواخر أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين في العراق؛ كواحد من الرواد البارزين في حركة الشعر العربي المعاصر، كان في صميم حركة التجديد، مع السياب، ونازك الملائكة، وبلند الحيدري، ومحمود البريكان.
وقام ياسين بترجمة العديد من القصائد الأنكليزيه إلى اللغه العربيه واصدر عددآ من المقالات النقديه التي تناولت المسرح العربي والعالمي.
كتب العديد من القصائد التي جسدت معاناة العراق مثل قصيده أما استنفذت صبرك يا عراق وقصيدة بغداد، وطن الجياع، فارس الموت وغيرها من القصائد.
نال شهادة الدكتوراه في العلوم الفلسفية من جامعة صوفيا.
وعمل رئيساً لقسم الأبحاث والوثائق المسرحية في المؤسسة العامة للسينما والمسرح في بغداد من عام 1976 حتى عام 1980. وكان مستشارا لدائرة الشؤون الثقافية العامة في بغداد من عام 1985 حتى 1988.
وعمل أستاذاً للغة العربية في جامعة مشيغان ديربورن الأميركية عام 2005 ثم أحال نفسه إلى التقاعد.
وصدرت له عدة مجموعات شعرية من بينها أوراق مهملــة الموت ف الصحــراء من أوراق ول سس ف رحلة الضر اع فارس الموت
وقبل أن التقي الدكتور الراحل رشيد ياسين في صنعاء منتصف التسعينيات وتربطني به صحبة دامت حتى مغادرتي اليمن عام 1998 كنت قد سمعت عنه الكثير من خلال الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد حيث كان يتحدث عن سطوته على شعراء جيله، تلك السطوة التي لم يكن يسلم منها حتى الشاعر الرائد بدر شاكر السياب، إذ سطع نجمه في الخمسينيات ضمن جيل الرواد رغم أنه لم يصدر أول مجموعة له الا عام 1972 وكانت تحمل اسم أوراق مهملة .
وكان عبدالواحد يحدثنا عن حدة مواقفه في الشعر والحياة، وهي حدة أكسبته الكثير من العداوات وجعلته قليل الأصدقاء، ولازمته هذه الصفة حتى نهاية حياته، ولكثرة ماكنا يحدثنا عنه حتى تشوقنا للقائه، ولم يكن هذا بالأمر الممكن لابتعاده عن الوسط الثقافي ومع ذلك أتيحت لي فرصة رؤيته في بغداد ثلاث مرات الأولى في نادي التعارف عام 1979عندما القى عبد الواحد مسرحيته الحر الرياحي بمناسبة صدور طبعتها الأولى في جلسة حضرها العديد من المثقفين والأدباء، أذكر منهم الراحل جبرا ابراهيم جبرا الذي تحدث في تلك الأمسية كونه كاتبا لمقدمة الطبعة، وحين فتح باب النقاش اعتلى رشيد ياسين المنصة وأدلى بدلوه وكانت ملاحظاته ثقيلة على شاعر الحر الرياحي ، وهذا أمر ليس بالمستغرب، فقد كان عبد الواحد قد هيأنا لذلك، بحيث لم نصدم بملاحظاته، وكنا، من أشد المتحمسين لـ الحر الرياحي ، والمرة الثانية التي رأيته بها، بعد خمس سنوات من تلك الأمسية بمنتدى المسرح عندما كان في الطابق الرابع من بناية السينما والمسرح، حيث استضافه مدير المنتدى الفنان مقداد مسلم لتقديم محاضرة حول كتاب فن الشعر لأرسطو طاليس وحينها انبهرنا بعرضه وملاحظاته الدقيقة، وموسوعيته، والمرة الثالثة كانت في منتدى الأدباء الشباب بالطالبية، حيث تحدث عن تجربته الشعرية، وكان الحديث منصبا عن ماض شعري زاهرثم لم أره .
فبعد حرب الخليج الثانية علمت، عن طريق ولده ماجد الذي كانت له اهتمامات موسيقية، إنه غادر العراق الى بلغاريا ليكمل دراسته لنيل الدكتوراه وكان قد وقع له حادث عام 1972جعله يغادر صوفيا مضطرا، ولتلك الواقعة قصة رواها لي فقد طلبت منه أمينة مكتبة كان يرتادها تفتيش حقيبته، فعد هذا التصرف إهانة له، وحين فتشتها ولم تجد شيئا تبحث عنه، وجه اهانة لها، فأبلغت الشرطة وقررت مغادرته البلاد بشكل فوري، ولم يتمكن حتى من أخذ رسالته للدكتوراه التي كان يستعد لمناقشتها فانتقل الى دمشق ليعمل محررا في مجلة الموقف الأدبي الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب ثم توجه الى بيروت ليعمل في جريدة المحرر اللبنانية ومن ثم جريدة بيروت بعد ذلك عاد للعراق عام 1976، هذا الحادث جعله يتأخر عن الحصول على الدكتوراه عشرين سنة، وحين عاد ثانية لصوفيا بعد1991أعاد كتابة فصول الرسالة من جديد بسبب فقدانها وكانت في فلسفة الجمال، وحصل على الدكتوراه عام 1992 فقام الدكتور عبدالعزيز المقالح عندما كان رئيسا لجامعة صنعاء بتوجيه دعوة له كأستاذ زائر، ثم تم التعاقد معه، ليمكث سنوات قبل أن يغادر الى أمريكا عام 2004.
وقد أتيحت لي فرصة الإقتراح به ووجدت بداخله إنسانا رائعا، فجمعتني به لقاءات وحوارات وجولات مع الناقد حاتم الصكر والشاعر فضل خلف جبر في شوارع صنعاء وجلسات في مجلس الدكتور عبد العزيز المقالح وكان يثري تلك اللقاءات بسعة أفقه المعرفي وآرائه الصارمة في الشعر، وأحيانا يقرأ نصوصا شعرية في محاولة لاستعادة علاقته بالشعر حتى إنه عكف في سنوات إقامته باليمن كما أخبرني الدكتور عبدالرضا علي على جمع نصوصه في مجموعة شعرية لا نعرف مصيرها.
وبرحيل الدكتور رشيد ياسين نكون قد ودعنا آخر الشعراء الرواد الذين ساهموا مساهمة فاعلة في كتابة القصيدة الحديثة قبل أن ينصرف الى المسرح والبحث الأكاديمي والترجمة.

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

2 تعليقان

  1. هشام القيسي

    في تحليق المبدعين الى الأعالي تبدأ دورة الحياة الأبدية ،ورشيد ياسين صك اسمه في ذاكرة الشعر العراقي ليرفرف عاليا أبداً . انه عملاق التغيير والتجديد الى جانب البريكان والسياب والبياتي وبلند الحيدري . نم قرير العين في عليين أيها الراحل الكبير .

  2. مؤيد داود البصام

    شكرا للشاعر عبد الرزاق الربيعي على هذا الاستذكار، والشكر موصول لموقع الناقد العراقي في الاستذكار، لقد رحل واحد من المثقفين الذين حملوا الهم الوطني والثقافي كانه نقطة البداية والنهاية، ولم يتهاونوا فيه لانهم يعتبرونه ممثلا لقيم حياتهم التي يعتزون بها ويفتخرون، ولم يسوقوا الثقافة والادب والفن لمصلحة ذاتية بحته مغرقه في النرجسية، للحصول على المكاسب الشخصية، انما كانت نرجسيتهم وذاتيتهم ، لاعتزازهم بالثقافة والادب والفن، واعتبارها من مقدساتهم، ان العزلة التي فرضها الشاعر رشيد على نفسه، وترحاله وعدم استقراره هي التي قلصت من الدور الريادي في الشعر العراقي والعربي، وسعة الجمهور التي اكتسبها مجايليه، ولكنه ظل لمن يعرفونه ذاك الطود الشامخ والمبدع الذي كان يبحث عن الفكرة الاصيلة والابداع المتجدد. ولا اعتقد ان موقعه الذي حازه بامتياز سيخلوا بمغادرته لنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *