ناطق خلوصي : دفاعا ً عن ثقافة سنوات الحصار في العراق

إشارة :

يحاول الأستاذ المبدع ناطق خلوصي في هذه المقالة وبجرأة إعادة التوازن للنظرة المختلة لدى بعض أدباء الخارج إلى ما حققه أدباء الداخل من إبداعات ضخمة في سنوات الحصار الأميركي الجائر الجحيمية .. فتحية له.

أسرة موقع الناقد العراقي

ما زال المثقفون العراقيون ممن عاشوا مع شعبهم سنوات الحصار ، يشعرون بمرارة تلك السنوات القاسية التي أنزلت همجية العالم المتحضر بهم وبشعبهم عقابا ً جماعيا ً ظلوا يعانون منه على امتداد ثلاث عشرة سنة تحت ذريعة معاقبة النظام الحاكم آنذاك  وهو الذي لم يتأثر بذلك العقاب . وما زال بعض من أتيحت له فرصة العيش خارج بلده خلال سنوات الحصار، يرى في ما تحقق له في ذلك امتيازا ً يمنّ به على من لم تتح له مثل تلك الفرصة ، وثمة من ظل يتحدث عن ثقافة الداخل وثقافة الخارج باستعلاء واضح يدين من خلاله مثقفي الداخل ويتهمهم بتبعيتهم للنظام ، ومن يتحدث عن ثقافة سنوات الحصار في العراق وكأنه يتحدث عن ثقافة هجين ، غريبة وطارئة لاتمت الى العراق بصلة . وآخر ما قرأناه في هذا الصدد عمود نشرته ” الزمان ” ( طبعة العراق )‘في عددها ليوم الأربعاء الخامس والعشرين من نيسان الماضي  تحت عنوان ” يوميات مثقف في سنوات الحصار ” ظل كاتبه يتخبط فيه الى أن خرج بدرّته اليتيمة المخبوءة تحت ركام كلماته حين قال وبتعميم مطلق : ”  حقا ً لقد أصبحت الثقافة في عهود الحصار مرعى للدمن والبعر تسرح فيها النعاج والخراف بحماية كلاب السلطة ويرعاها وزير جاهل يلم حوله شاحذي المكافئات والمتذللين  الذين يتصيدون المناسبات ويتحينون فرص حلول يوم الزحف العظيم والبيعة الميمونة وتاريخ ميلاد القائد الضرورة عسى أن ينالهم شيء من الفتات … ” فهل كان هذا وجه الثقافة الحقيقي في تلك السنوات ؟ وهل كان الوصف الذي أضفاه كاتب العمود ينطبق على كل مثقفي تلك السنوات ؟
قلت لنفسي وأنا أقرأ العمود ان كاتبه لابد من أن يكون واحدا ً من كبار المثقفين الذين عاشوا تلك السنوات وبالمستوى الذي يؤهله
للحكم على الثقافة العراقية واستخلاص رأيه فيها واعلانه على رؤوس الاشهاد دون تردد . ولمت ذاكرتي التي استبدت بها الشيخوخة لأنها لم تتذكر اسم هذا المثقف مع انني في الساحة الثقافية العراقية منذ ما يقرب من نصف قرن ، فلذت بما يمكن أن يعينني على تذكيري به .  رجعت الى ” موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين ” للباحث حميد المطبعي ( وقد صدرت بأجزائها الثلاثة خلال سنوات الحصار ) وعجبت كيف ان باحثا ً قديرا ً مثل المطبعي يفوته اسم كبير مثل هذا الاسم  فيدرجه مع اسماء مثقفي العراق التي أوردها في موسوعته ، رجعت أيضا ً الى  ” معجم المؤلفين والكتـّاب العراقيين 1970 ــ 2000 ) وقد صدر بأجزائه الثمانية خلال سنوات الحصار هو الآخر  وهو يضم آلاف الأسماء والعناوين ، وأثار تساؤلي كيف ان صديقنا الدكتورصباح المرزوك فاته أن يدرج في معجمه اسم المثقف صاحب العمود أو عنوان أحد اصداراته مع ان معجمه يغطي ، ضمن ما يغطيه ، عشرا ً من سنوات الحصار ؟
من هو اذن هذا المثقف من زمن الحصار والذي لا يعرفه أحد ؟ كيف يبيح لنفسه ، اذا كان مثقفا ً حقا ً ، أن يتحدث بهذا المستوى المتدني ويخرج بآراء تتقاطع مع كل معايير النقد الموضوعي والذوق والأخلاق ؟ كيف يقول ان ثقافة سنوات الحصار كانت ” مرعى للدمن والبعر تسرح فيها النعاج والخراف بحراسة كلاب السلطة ” وهي التي كانت تعج  بأسماء كبار المبدعين الذين يفخرون بأنهم يحملون شرف الانتماء الى العراق وثقافة العراق : أسماء على جواد الطاهر ويوسف العاني ومحمد غني حكمت وجعفر السعدي ومهدي عيسى الصقر وكاظم سعد الدين وشاكر حسن آل سعيد ومحمود عبد الوهاب ومحمد خضير وبهنام أبو الصوف واسماعيل الشيخلي ومحي الدين زنكنة  ومئات الأسماء التي يفخر بها العراق وقد كانت تمارس حضورها في الساحة الثقافية آنذاك ؟
لقد عشت أيام سنوات الحصار بكل مرارتها واكتويت بنارها  وفقدت عزيزا ً بسببها ، وكنت شاهدا ً على الواقع الثقافي من داخله . لم يلذ مثقفو الداخل بالصمت خلال تلك السنوات على الرغم مما كانوا يعانونه آنذاك وكان تواصل الابداع يمثل شكلا ً من أشكال التحدي فقد صدر عدد كبير من الكتب بمختلف الاختصاصات الثقافية لا أظن ان بصر كاتب العمود قد وقع على عنوان أحدها ، وواصلت المجلات الثقافية صدورها مع تخفيض عدد صفحاتها اقتصادا ً في الورق ، وصدرت آنذاك سلسلة جديدة بعنوان ” ثقافة ضد الحصار ” أتاحت الفرصة لظهور أسماء عدد لا يستهان به من الأدباء الشباب . ان من  الاجحاف الشديد وقصر النظر ربط ثقافة أي بلد بنظام الحكم السائد فيه .
يبدو واضحا ً ان السيد كاتب العمود لم يعش سنوات الحصار في العراق ولم يعان ما عاناه مثقفوه في تلك الأيام السود وإلا ً لكان قد سمع بالمثقفين الذين اضطروا الى بيع مكتباتهم وأثاث بيوتهم وربما حتى أسرّة نومهم لكي يؤمنوا لقمة العيش لأطفالهم في زمن عزت فيه لقمة العيش ، ولا عن الذين فقدوا أحبتهم لعجزهم عن أن يوفروا لهم الدواء والعلاج في وقت شح الدواء والعلاج ، ولا عن الأدباء الذين فرش بعضهم كتبا على رصيف شارع المتنبي يعرضونها للبيع لكي يوفروا ــ بشرف ــ ما يصد غائلة الجوع عن عيالهم ، لكن كل هؤلاء واصلوا عطاءهم الابداعي طوال تلك السنوات .
ان ما قاله كاتب العمود المذكور لا يدخل في باب حرية التعبير عن الرأي لأن الشتم والاساءة والاهانه لاتدخل في هذا الباب بأي شكل من الأشكال .  ترى من الذي سيعتذر للثقافة العراقية في زمن الحصار عن هذه الاهانة ؟ !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| شكيب  كاظم : ” پيدرو بارامو ” رواية غرائبية عسيرة الفهم  ذات  لمحات  إنسانية .

وأنت تقرأ رواية( پيدرو بارامو) للروائي المكسيكي( خوان رولفو )(١٩١٨-١٩٨٦) تناجي نفسك وتحاورها، ما ألذي …

10 تعليقات

  1. مؤيد داود البصام

    ايها المبدع الكبير المثابر، يامن حزت الحب والتقدير في نفوس من عرفوك، قبل ان يروك ويعرفوا خصالك، كمبدع مكابر صريح وواضحكعادة المبدعين الاصلاء، انما اقول هذا وانا اتذكر الايام الخوالي التي مرت علينا وكنت انظر لك وانت تحمل الهم، ويفتر ثغرك عن بسمة وليس ابتسامة، لثقل ما كنت تحمل، ولم تقل آه، لانك اصيل ووطنك في محنة، وعلى الرغم مما اصابك ولكنك لم تلطم او تبكي وتصرخ انا مظلوم، لقد وقفت مرات في بداية شارع المتنبي لاشتري كذبا كتبا من مبدع لم يحني راسه ، احمد خلف وكان يعرف اني بعض الاحيان اعيد واكرر شراء نفس الكتاب، ولكني لم اسمعه يتاوه او يلطم ويلعن، كان يقف شامخا وظل كما هو من ذلك الزمن ولحد الان عندما اراه، وهذا مثال للعديد من الامثلة، لقد عشنا زمن الحصار بكل تبعاته وعشنا كل حقد الامبرياليين والصهاينة على شعبنا وعلى كل الشعوب المغلوبة، وراينا العالم ينظر لنا ويرى الماساة التي نعيشها ولم يقف معنا الا قلة من شرفاء هذا الكون، اما الغالبية ومنهم من غادر العراق فانهم كانوا في شغل عن الوطن ومن في الوطن في ترتيب اوضاعهم، والادعاء انهم في المعارضة، ولكنهم لو صدقوا ما جلبوا لنا القاتل والسفاح الى عقر دارنا ، ليذبحنا وينثر اشلائنا ويصرخ هؤلاء ارهابيون قتلة، وهو المجرم والقاتل، وكل من ساعد هذا المجرم فهو على شاكلته، وعذرا اذا اطلب منك القول، اننا لا نريد اعتذارا ولا كلمة مواساة لاننا اصحاب المكرمات ونحن من نمن عليهم ، وهم انما يهينون انفسهم عندما يجترحون الكلمات ويصفطونها لتبرير خزي هروبهم وتركهم الوطن والعمل على استباحته من قبل الاجنبي القاتل السفاح.

  2. جمانة _ القصيم

    استاذ ناطق خلوصي..استاذ مؤيد داود>>مررت من هنا مشحونه بكل ايآت الاحترام التي لااملك الا هي لمثقفي بلد تلاعبت به أيدي المجرمين.

  3. المهندس عمار الطائي-أربيل

    إلى أستاذي الحبيب ,أكتب إليك كلماتي التي لاتساوي واحدا بالمليون من كلماتك ومقالاتك التي أثريت بها عراقنا عراق الحضارات والابداع وعيناي تدمع لما لمست بها من صدق عشته وعاشه كثير من شرفاء بلدنا الذي قدر له أن يبقى مثل ريشة في يوم ريح عاصف,رب أزل هذه الغمة عن هذه الأمة وأحفظ أحبائنا وعراقنا الشمعة التي أنارت وتنير درب المجد والعلا.

  4. ناطق خلوصي

    سعدني أن أجد بين طلابي القدامى من يتابع ما أكتب ويسعدني أكثر أن أجد بينهم من صار شاعرا ً أو قاصا ً أو اسما ً مرموقا ً . شكرا ً للمهندس عمار الطائي ولكل من يتابع ما أكتب
    ناطق خلوصي

  5. محمود سعيد

    مقالة جيدة، فعلاً، دمت لنا يا أستاذنا

  6. الأستاذ محمود سعيد
    الذين يسيئون الى ثقافة سنوات الحصارفي العراق لم يكتووا بنار ذلك الحصارلأنهم كانوا بعيدين عن الوطن جسدا ً وروحا . سامحهم الله
    ناطق خلوصيً

  7. احمد لفته على

    القاص والكاتب والناقد المبدع ناطق خلوصى:يتحدث بالم وحرقة وبروح الاديب الملتزم بين الادباء الذين ظلوا فى الداخلويواصلونم مسيرتهم الابداعية وشبح الموت يحيط بهم فى كل ان وحين……ولمااراد الطاغية صدام وازلامه من سد كل نوافذ الابداع على كتاب وادباء الداخل صدرت لرائد القصة العراقية الراحل عبدالمجيد لطفى رائعته الكبيرة رواية”نافذة اخرى للشمس:ومن عنوان الروايةيستدل ان الطواغيت لا يستطيعون مكن كم افواه الكتاب والشعراء والمبدعين….وانا اذهب مع الكاتب والقاص والناقد ناطق خلوصىان اسلوب الشتم والاسفاف لايليق بالاديبمهما كان فى الداخلاو الخارج وقديكون الكاتب او المبدع فى الخارج ولكنهيمسح بكتف الطاغيةلقاء بعض الفتات واللقط وقد يكون الاديب ملتزما ارض بلدهخ ولكنه لا يبع ضميره وقلمه رغم الجوع والحصار وتقديم انواع الاغراءات……. تحية للكاتب المبدعناطق خلوصى من هذا المنبر…..

  8. ناطق خلوصي

    شكرا ً للصديق أحمد لفته علي .لقد قال كلمة حق قد لا ترضي المسكونين بروح الحقد
    اطق خلوصي

  9. حياك الله يا أستاذ ناطق
    تذكرت معك سنين الحصار أنت المدرس وأنا الطالب كنا نراك من الصباح الباكر عند كشك الجرائد حاملاً بيديك الجريدة وكيس البيض والصمون أخلصت معنا في ثانوية المتني 6 سنوات ( 1991 – 1996 ) درستنا فيها الإنكليزية وكنا نرى معاناتك ومعاناة ومعاناة الأساتذة الباقين فقد عملوا في محطات الوقود بعد الدوام الرسمي وكنا نمر من أمام منزلك في طريقنا إلى بيوتنا في حي البساتين وكنا نرى حال بيتكَ القديم وحال ولدك المريض …. والله وأنا أقرء المقال تخيلت وكأنك تصف لنا حياتنا حينها فلم تقل إلا الحقيقة والواقع … وهكذا هو حال أدباء الخارج فقد سأمناهم

    دمتَ لنا فخراً أستاذ ناطق
    وأدعوك لزيارة صفحتي فقد نشرك
    مقالاً عنك فيها

    تلميذك الصغير
    علي عبد الجليل الشيخلي

  10. ناطق خلوصي

    شكرا ً يا علي
    لقد أعدتني الى تلك الأيام الجميلة التي اجتزناها على صعوبتها ومرارتها .أقول كانت أياما ً جميلة حقا ًلأننا كنا نعمل بصدق واخلاص دون أن ننتظرسوى ما يرضي ضمائرنا وما يجعلنا نخدم الثقافة العراقية بما نملك من أدوات التعبير عما يجيش في صدورنا.كنا نؤمن ولا نزال بأن الصدق والأخلاص في العمل ركيزتان أساسيتان تنبني عليهما شخصية المرء. شكرا ً من جديد .
    ناطق خلوصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.