حسين سرمك حسن: “معدنة” لغة الخطاب الإعلامي العراقي

ولفظة “معدنة” كمصدر مشتقة من اسم “المعدان” ، وهم – وهذا لزام وطني يجب أن ننبه عليه – مكوّن وطني محترم من مكونات شعبنا ، عانوا الأمرين من عدم قدرتهم – وهم البريئون البسطاء القادمون من عمق الأهوار المنعزلة المحرومة – على التكيف مع الحياة المعقدة في المدن واستخدام ما أدخلته من أدوات وآلات حضارية. فكانوا يتعرضون لمواقف محرجة كثيرة، وكانوا- للأسف – موضوعا أساسيا للسخرية في الفن المسرحي الكوميدي العراقي . وقد زرناهم في أهوار “الصحين” في السبعينيات وشاهدنا ثقل ومرارة الحياة التي يعيشونها في بيوتهم الطافية.
إذن لنتفق على أننا لا نقصد بالإدانة فئة من أبناء شعبنا أبدا. لكن ما نقصده أمر منطقي جدا ، ويتمثل في حقيقة أن لغة أهلنا “المعدان” ولهجتهم ، لا تصلح للخطاب الإعلامي . فالخطاب الإعلامي يجب أن يكون صحيحا لغويا ، فصيحا أو قريبا منه ، محكم مخارج الكلمات وطريقة لفظها ، مستقر النبر ، مفهوما لدى جميع من يخاطبهم من الجمهور .
لكن ما يحصل في فضائيات عراق اليوم غريب جدا ولا علاقة له بإفرازات الإحتلال أو السياسة . فهو لفظك وطريقة كلامك.
الملاحظة التي أقدمها هنا ليست ملاحظة عابرة .. بل “ظاهرة” .. ففي أغلب الفضائيات العراقية تظهر برامج يستخدم فيها المذيع والضيف لغة ولهجة هي من أسخف اللغات وأتفه اللهجات. يظهر سياسي من الوجبة الجديدة يحتل موقعا في غاية الأهمية في الدولة ويكرر : (لا يا بعد روحي .. لا يا بعد عيني .. ﭽا شنهي هيّه) .. هل هذا معقول ؟ هل هذا عجوز في مسرحية من الجنوب أم سياسي رصين وناضج له لغة خطاب رصينة معروفة؟  
مقدم برامج آخر نقل لغة المقهى والشارع وسوق هرج إلى الإعلام التلفزيوني والمصيبة أن الناس فرحون بأسلوبه لأن من معطيات علم النفس في تحليل الشدائد هو أن “النكوص- regression” هو من الآليات الدفاعية النفسية المتوقعة لدفع القلق والأذى والإنجراح عن الذات: ﭽا خويه وين نروح .. ﭽا عمّي ابتلينه .. عمّي ابتلينه بلوه.. وهي مفردات تعكس خطاب رجل الشارع وليس الإعلامي المحترف والمتمكن من اللغة .. والمدرك لأهمية الكلمة وأهمية نظافتها ونزاكتها.
وسأختم بحادثة خطيرة، وقعت في قناة (…) في برنامج صحّي يقدّمه طبيب مختص .. ونحن كأطباء أمضينا أعوام طويلة في حقل الطب المقدس الذي يتطلب لغة عالية نظيفة ومحكمة لا يمكن أن نقر مثل هذا النوع من الخطاب الذي لا يقره حتى رجل الشارع . واسمعوا ما قاله وعلى الفضاء .. كان هذا الطبيب يجيب على أسئلة المواطنين بصورة مباشرة- على الهواء – اتصلت به أم عراقية تستشيره وسألته : دكتور هل أستطيع تغيير حليب إبني النيدو إلى السيريلاك ؟ فبماذا أجاب؟
قال لها نصّا :
بدلي الحليب بأي نوع .. كلها “خ …” ..
أي أن كل أنواع الحليب “خ … ” !!
ومازال هذا الطبيب يطلع علينا كل أسبوع
لماذا ؟ هل ضاعت الذائقة النقدية لدى الجهات المرجعية الثقافية العراقية الجديدة بحكم كونها مبتذلة ؟؟
أم أن الذوق العام الذي كان رفيعا قد انحط إلى حدّ أنه صار لا ينتبه إلى ما يجرّح ثوابته وقيمه ؟
لكن هناك مشكلة “المعدنة” في الشعر الشعبي حيث لا يترك الشاعر العامي أي مفردة منسية وسخيفة من القاموس العامي تركها حتى الناس العاديين في التداول الحاضر من دون أن يستخدمها .. في الفضائية (…) يظهر كبير مقدمي البرامج ليقول ( علِينه ) بكسر اللام وليس (علينا ) اللغوية المؤصلة المفتوحة .. وهو شاعر قيا للكارثة ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هايل علي المذابي : لحية وبيادة!!.

شيئان قيّمان في الوطن العربي: اللحية والبزة العسكرية!! كانت اللحى في أزمنة غابرة مبعثاً للطمأنينة …

| هاتف بشبوش : آلان ديلون وعلي الوردي ..

مات زير النساء وجميل الستينات والسبعينات الممثل الشهير (آلان ديلون ) بطريقة الموت الرحيم ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.