د. عامر هشام الصفّار: أخبار بغداد .. وقصص قصيرة جدا أخرى

أخبار بغداد..
يتذكّرها جارته العجوز والتي اسمها “ون” ..كانت عندما تمشي كأنها بخطواتها تهرول مسرعة تبغي سوق المدينة العامر بالبضائع من كل لون..تتصل به على هاتف بيته كلما ذكر مذيع نشرة أخبار المساء في مدينة غربته أن بغداد قد قصفتها طائرات الوحوش..لا يزال صوتها المبحوح يرّن في أذنه وهي تحاول أن تكون عاطفية في سؤالها عن بيته وأهله في بغداد..عندما قلبت بغداده عاليها سافلها لم تعد ون العجوز تسأل أبدا..حتى أنها آخر مرة تكلمت معه طلبت منه أن لا يبادلها تحية أعياد الميلاد..ون تجاوزت الثمانين بعام واحد..وقد مات زوجها كين في عام 2003.
حرباء
فرش أستمارة رواتبه للأشهر الستة الماضية أمامي طالبا النصيحة..عقد العمل الجديد في المستشفى لا يبدو بسيطا ابدا، وهو يشعر في قرارة نفسه أن هناك خطأ يكلّفه الكثير..
جاءني مع زوجته التي تعّودت كلما أحتّد السؤال والشرح والتوضيح أن تقرض أظافرها غير آبهة بأوساخ متجمعة فيها..طالت الجلسة ..وقلمي يكتب..ويرسم الجداول..وأطفالي يستغربون الحال..فقد أقتربت ساعة نومهم وضيفي الحائر لا يزال متورطا في دائرة اللافهم..
عندما ذكّرته بعدد ساعات العمل الجديد وحقوقه المالية، لم يشأ أن يسمع أحد من أصدقائه بالأمر..!
سمعت قبل يومين أنه أحتفل في بيته واضعا 100 شمعة في طبق الحلوى ليقول للجميع أن كل شمعة تعادل ألف جنيه من راتبه الجديد.. دعا مَنْ دعا الى الحفل..في حين لم أكن أنا بينهم..تذّكرته يطلب مني بحرباوية حيوان كريه..أن لا أخبر أحدا بالأمر..ليظّل وحده ضاحكا في مدينة كسا محياها الحزن…

المنبوذ
_ هل سمعت يا أخي مقولة أجدادنا الكرام..؟ ألم يقولوا ..أتق شر من أحسنت أليه..؟
ظلّ يرددّ الحكمة هذه كلّ يوم وهو يجلس في كافتيريا الحي الذي يسكن مع مجموعة من أصدقائه الجدد الذين يعملون معه في دائرته..لم يشأ أحد من الأصدقاء الألحاح بالسؤال عن مَنْ هذا الذي أحسن أليه شفيق..وما الشر الذي جلبه له..ولكنهم أدركوا أن قلب شفيق يملأه القيح..وأن الشرّيرسيظّل المنبوذ رقم 1 في مدينة صغيرة لا تخفى عن ناسها خافية..
نعم..لا تخفى خافية..حتى أنهم أستدلّوا على أسمه ..شرير الحي ..فظّلوا يردّدونه دون ملل..!.

شاعرة
أصرّت الشاعرة الحداثية على ألقاء قصيدتها كاملة رغم أنف مديرة الجلسة..كنت هناك بين الحضور الذي تجاوز الثمانين شخصا..والقاعة كلها تنصت لمايكروفون الشاعرة التي بدا صوتها عاليا أكثر مما يجب.. وعلا صوت مديرة الجلسة مقاطعة..في حين ظلّت الشاعرة تقرأ بصراخ ما كتبت طيلة الليلة الماضية..نهرتها مديرة الجلسة هذه المرة وهي تتوسط منضدة وضعت عليها لافتة ترحب بالناس أجمعين..خرجت الشاعرة عن طورها فرمت ما بيدها على مديرة الجلسة، وحملت حقيبتها بعصبية واضحة، مقطّبة الحاجبين..تركت القاعة.. لاعنة يوما قرّرت فيه أن تلقي شعرا حداثيا أمام مديرة جلسة لا تفهم معنى الحداثة وثورة أصحابها التي لا تبقي ولا تذر..!.

سؤال
كان من عادته كلَّ يوم ان يسأل أبنته ذات الخمسة عشرة ربيعا: هل لديها سؤال ما في الأدب الأنكليزي أو التاريخ أو الفيزياء..الكيمياء أو حتى الرياضيات.. كرّر ما قاله لعشر مرات اليوم..أنتبه عندما فاجأته أبنته فقالت: نعم لدي سؤال يا أبتي..أخرجَ قلمه الأحمر الجاف مع ورقة صغيرة لا يخلو جيبه منها وبدا وكأنه أخيرا سيكشف لأبنته عن قدراته الخارقة..أستغربَ وسكت عندما سمعها تقول: متى تثق بقدراتي يا أبتي ولا تسألني.. هل لديك سؤال..؟!.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

| حسن سالمي : “حكايتي مع الحُبّ”وقصص أخرى قصيرة جدّا .

إرثُ أمّي دخلتُ على أمّي كسيرة الخاطر ملقيةً محفظتي في ضجر… – ما بكِ؟ – …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.