قاسم فنجان:(( نشيج وطني ))

سيحل انقاذي بلا شك .. قال هذا في سرّهِ وأبتسم للجميع . كان تحت تأثير وهم السطوة الكبرى ، لذا لم يرَ في حشود المعتقلين سوى حرسٍ جديدٍ له..
“من الممكن أن تنحني ، من المستحيل أن تموت” .
هذا ما قالته له مخلوقاته السحرية في أحقابٍ غابرةٍ ظلت تلقي ظلالها على مشهد أسرهِ الغائمِ.
سوّغتْ له ذاته الرهينة هشاشةَ المشهدِ ومهدت له سبل النجاةِ لذا صمم على الحياة رغم انحسارها وأستدعى للخلاص اردته الصلبة ، غضب ، فأنفضَّ الحرس من حولهِ، هدأت مشاعرهُ المتوترة حين وكزتهُ هراوة الجندي فأدرك ان اللطف لن يأتي وأن ما آل اليه الحال عسير.. صار يجثو وحيداً خلف قضبانٍ باردةٍ وأخذ يقبل بالتدريجِ مآل الكارثةِ العظمى .
في غضون سنواته المنصرمة أعلنه المصير طاغوتاً لن يدوم الا بالدم، لذا ارتشفت شفتاه الناشفتان من ضرع القتل جرعةً لم تخنهُ في صراعاته المنقرضة وخانته في مشاكسة اخيرة .
أدرك القسوة قبل الجميع فأتخذ سبيله منفرداً بالظلم ، شاكس الشيطان على الغواية وساعده بالتحريض على القتل ، أذهله بنصب الفخ الأولِ للغراب المبشر بالقبر وأرداه قتيلاً في الحفرة ، راح يتملى الضحيتين في العراء وينظر ببصيرة المجرم للرسوم المشوهةِ ، استغرقه المشهد الدموي فأرخى ضميره لنـزوة القتل وأحس بأكتمال جرمه الوحشي فأعلن نفسه زعيماً ومصيراً وخراب .
تواترت الحكايات عنه و أضفت جميعها الى أنه مجرم بالولادة ، الولادة التي لم تتمكن العلوم القديمة و لا المعارف الحديثة من تحديد مخاضاتها المختلفة لوقوعها في أزمنة الغياب ، ولادة قال عنها المؤرخون انها وقعت في عصور أنقرضت لفرط فسادها و خلفته نطفة في جثة هالكة ساعده التفسخ فيها على الحياة فنما و أنفلت من أسر الجيفة ، شاهده الشيطان فتبناه و سماه و أطلقه عند البلوغ نقمة على الآخرين ، و آخرون رأوا فيه تراكم بشري شاذ لكوارث و ازمات وحروب تلاقحت فيما بينها و أنجبته رمزاَ لدمار شامل ، لهذا و لغيره لم تكن له ساعة تشير للولادة كما لم لتكن له ساعة تشير للموت أيضاً .
في سنوات صيرورته المعقدة التقاه في خرائب مجهولة مردةُ الجان ، علموه السحر و منحوه الحكمة و اوكلوا له الخطيئة ، سألهم عن رؤيتها فتجلت أمام عينيه التائهتين كوارثه التي سيرتكبها لاحقاً ، أدرك حينها ان الخطيئة مصيره المحتوم و أعتبرها منذ ذلك اللقاء البعيد سبباً وجودياً لكينونته الآفلة ، لذلك تاقت نفسه المتجهمة لملكوت خالد فأسس حضائر للقتل و خرائب للزنا و خلف مزابل من لصوص تناسلوا على مرأى منه فبارك شذوذهم بالويل ، مضوا على ظلام خطيئته الماكرة و أنضووا تحت أرادته القاهرة فأسماهم أجنته و أسموه الزعيم ، أسبغوا عليه صفة المجرم المعجزة وقاموا بتسريب أفكاره الرمادية للعرصات القصية ، تفاقم عددهم حتى اصبحوا نظائر له في البطش ثم أمسوا فيما بعد ازمات تعرقل سير حياة هانئة كانت قبل أن يظهره المردة مصيراً أسود و يعلن عن نفسه زعيماً أوحد للخراب .
توالت على ازمنته حكومات مختلفة روع بعضها خطره الجسيم و هدد بلا شك بقلب حكمها ، لذا قررت و بأصرار الساسة المزيف أن تلقي القبض عليه لذلك استدعت القتلة و أشركت العاطلين و المتشردين و دعت الصعاليك و الدجالين و أناطت أدارة المهمة للسياسين ، شرعوا بتنفيذ الخطة بحماسة عالية و فتشوا عنه في كل مكان ، قاموا بنصب فخاخ لاتحصى و كمائن لاتعد ، نثروها في الجو و البر والبحر و لم يفلحوا بالأحاطة به ، فشلوا بالأستدلال عليه فقرروا أن يحجموا عن المواصلة ، حين بات امر القاء القبض عليه مستحيلاً التجأوا للمناورة فأمروا بفصم الوحدات المشتركة و أوعزوا للقوات بالأغارة على الشعب ، أتهموه بالتخاذل و عدم الدعم لتعزيز مهمة البحث بالدليل ، و هكذا انحرفت الخطة عن مسارها بجنون و أخذت الجحافل الهائجة تداهم الناس في بيوتهم ، أكتظت الزنازين بالأبرياء و فر الناجون من الهجوم مذعورين الى المنافي ثم تذكر رئيس المهمة و هو يتفحص الفوضى بمرآة فطنته الباهرة ان المطلوب ليس له صورة تدل عليه ، رفع الأمر لحكومته التي ارتأت تعليق المهمة لأشعار مفتوح و أمرت بأطلاق سراح الشعب المسجون .
رغت فرحة النجاح بأقرار الحكومة و أبتهج الساسة بالنصر أما الشعب الخائف فأقر سراً بالفشل الذريع للمهمة و نكوصها تماماً.
تكللت المحاولة بالخيبة و لم تثنِ عزمه على الأيغال بالبطش ، راح يواصل ارتكاب الخطيئة بسرور ملتذاً بطعمها الذي تذوقه في سنوات صيرورته المريبة ، لذلك أخذ يقيم المجازر و ينشب الحرائق و يعمم الهلاك حتى فاقت أعداد ضحاياه الحدود و سرى خطره يستشري مقوضاً هيكل الحياة البشري ، بُهتت الحكومة من مماراساته الجائرة فألغت التأجيل و التجأت للأدباء و الفنانين تشاورت معهم في حل المعضلة الكبرى فأوصى ا لطرف الثاني بالجنون حلاً للوصول الى الصورة أولاً .
تبرع الشعراء و الفنانين مكرهين بسحنهم الشفافة للعملية المجنونة و أشرف على سلخ ملامحهم الرقيقة في مجازر خاصة أوغاد ومعتوهين و ساسة ، خلطوها في بواتق عظمية مُلئت بالدم البارد ، سُخن المحلول فطفقت من المزيج البشري رغوة بيضاء سرعان ماستحالت الى ملامح واجمة نفرت من البوتقة وتلاشت في الهواء ، فزع الخبراء و أنتابهم الهلع من الغياب المفاجئ للأدباء و الفنانين فأمروا باعادة التجربة و لكن بملامح اخرى ، جلبوا لذلك لصوص و قتلة و أفاقين و صهروا ملامحهم في نفس البوتقة فأستقامت من لجة المزيج قامة بأطراف ووجه سفاح ، قامة تلقفتها في الحال عدساتهم السرية و لملمت ما تيسر لها من حضوره الأثيري و هكذا ظهرت للوجود صورته الأولى .
انتابه الزهو و هو يرى نفسه لأول مرة مؤطراً في صورة منقوش على حاشيتها السفلى ” مطلوب ” ، فخَرَ في سره من منجزهم المعادي و أمر أجنته بسرقة الأختراع السحري ، سرقوه فسلخت ملامح كثيرة و سفكت دماء غزيرة ، ثم طور ببراعته الخارقة الأختراع العجيب فاعتدلت قامات مرعبة منه ، قامات داعب بها شهوته الأزلية بالخراب ووسع سمعته الموحلة بالدم ، قامات أربك سفرها الأرض و فاق مدها المهووس الخبل عينه حينما فاقت صوره ُصور ساسة الشرق و الغرب جميعاً .
استاء الساسة من غزارة حضوره الفوتوغرافي و دخلت الحكومات فيما بينها بمشاجرات كادت ان تؤدي الى حرب كونية ، أستشاطت الشعوب المغلوبة على امرها دوماً بالغضب و حسمت المعارك الشفاهية للساسة بالتضحية ، أقسمت بخرابه على الوفاء و عدم التخاذل ، أقتنع الساسة بالميثاق و اعلنوا على الملأ صيغة الأتفاق الرسمي ، اتفقوا عليه جميعاً حكومات و شعوب وأصدقاء و أعداء و أقوياء و ضعفاء ، ساقوا كل ما يملكون صوب تحقيق ابادته وحيداً ، نبشوا قبور ضحاياه التي اهملها و فتشوا عن ظلال تشير الى مكامنه السرية ، طلبوا العون من السحرة و النساك فهيأوا أفواجاً من الجن تقودها مردةً مجربين في المعارك الأنسية ، أنساقوا بموجب تفويضات سماوية حصل عليها النساك بعد خلوات مريرة ، أكتملوا و أكتملت الحملة العظيمة و انتظر الجميع ساعة الصفر .
تسربت الأخبار الى أجنته فنقلتها بدورها له ، كان وحيداً ممعناً في وحشته أبكماً و أصماً و أعمى يجالس كهولته و يقتات على ذكرياته الغابرة ، زعزعه النبأ الصاعق للحملة فتسربل بغريزة البقاء و حث بسحره الأسطوري حواسه على المعركة و أعلن النفير ، رأى ببصيرة المجرم المحترف أعدادهم المجنونة و فكر بمراوغة يحرج بها الحشود الهادرة ، فكر ملياً فلم يجد سوى الأستسلام وسيلة مثلى للأنتصار على الموت ، شق صوته الرخيم الحملة من قلبها معلناً عن نفسه بصوت واثق :
أنا يا سادة من تطلبون !
جاءَ الإعلانُ المباغتُ ليبدِّدَ الحملةَ ويحمل الحشود على العصيانِ ، إنحلَّ ميثاقُ الوفاءِ المبرمِ بينَ الشعبِ والقيادةِ وسادَ الهرجُ والمرجُ ثم تسلّلتْ الى العقولِ المرتبكةِ رغوةٌ إسمُها الحريةُ ، رغوةٌ فتحت الأبواب لحلول فوضى لم تشهدها البلدة سابقاً ، أدرك الكل في الحال تأزم الوضع وإنحلاله فأنفلتوا يعتريهم الشك من مبادرة إستسلامه الرخيصة ، تصدى الساسة لما أسموه بجموح الرغوة فقمعوا العصيان بالقنابل ، هدأت سرائر المتشككين وخمدت نيرانهم المتأججة وأسدل الستار على مهزلة الإستسلام ، لتبدأ بعدها مهزلة المهازل .
في اللحظات الأولى للتسليم رأى الرعب المرتسم في الوجوه ومسّ بخبرته المتراكمة هلعها الشديد ، إبتسم في سره وشكر السطوة التي ترافقه أينما حلَّ وقال بزهو:
مضيت نحو مصيري راضياً عما اقترفته حياتي في حياة الآخرين ، لم أندم مادامت أجنتي قد عاهدتني على الحياة ، خمنت بفطرتي أن الأمور ستجري على مايرام وان إنقاذي قادم لامحال على الرغم من قضيتي الخاسرة بمنطق القضاء، حيث تخلى الدفاع عني حين أحبطت عزيمته القضائية جرائمي الغزيرة وحدا الحال المستحيل به لإلتزام السكون ، ساعدني هذا الصمت في تثوير الشارع الإنساني فتدحرجت مشاعر الخامدين تطالب لي بمحاكمة عادلة ، رفضت الحكومة اللغط المتعالي فقامت تظاهرات حاشدة وتلتها إحتجاجات هادرة وأكد الشغب المنتظم بادرة الإنقاذ الوشيكة ثم أدركت بحدسي العالي إنني في الطريق الى المحكمة .
دبّ الأمل في حياتي من جديد وتناهت لروحي همهمة جذلى شاغلت بها أحزان الترقب منتظراً أطلالة المنقذ الذي حلّ بلا موعدٍ كالآجال الغامضة ، حلّ كالصاعقة مزعزعاً الحال الرتيب الذي المّ بي طويلاً ، خطى فتابعته الأنظار بإعجاب شديد ، خطى وكان لوقع خطواته أثراً أشدّ من وقع مطارق القضاة على الجمهور ، توقف فسكن كل شيء ، رمق القضاة بعينين جريئتين فأرتبكوا ، حولَ نظراته الثاقبة نحوي فأرتعشت ، أدار رأسه ملتفتاً الى الجمهور فأعتدلوا بلا وعي منهم مرددين رجع صوته الذي شقّ السكون :
أنا حاضر عن المتهم .. هو حاضر عن المتهم .
إضطر القضاة تحت رغبة الحضور الملحة بقبول الطلب وأذنوا بفتح الجلسة ، فُتحت الجلسة وسمعته بروحي يشرع في مرافعته صامتاً ، كانت عيناه تنثان الحكمة فتهطل الإشراقات متدفقة نحو أفئدة الجمهور ، تشبّعوا بها تماما وأنتقلت عدواها فيما بعد الى قلوب القضاة الذين تسمروا مذهولين من الحال المشوش ، هدهدت هالته الحكيمة القاعة بالهدوء وغمرت الطمأنينة جميع الأشياء ، إستسلم الكل للسكون الجميل ولم يجرؤ أحد على إختراق خلوته المبهمة ، في عزّ الصمت أصغيت لرجع أصوات بعيدة كانت تجتاح السكون وتتناغم معه ، رأيتها تستقر كالأرواح في الأشياء لتحرضها على الكلام ، أصغى الجميع بإندهاش للجماد المدافع عني وشاهدوا النبرات المدافعة تترافع بحرقة في الفضاء ، تعالت حدتها لتأمر عقارب الساعات بالسكوت ، توقف الزمان وغاص المكان بحالة راكدة وسكتت الجمادات أخيراً ثم تحولت الجلسة الى رؤيا محورها الحب حين أخذ الحضور يتضرعون بلا زمن من أجلي وراحت الأدعية الرحيمة تتوالى بسرعِ مذهلة لتترهل في ذاكرة القضاء المحدودة ، تمطّتْ المرافعةُ برخاوةِ الزمنِ المشلولِ وأضطرَّ القضاةُ المخمورين باللذة لتأجيلها بعدما أتخمتهم رؤىً رائعةٌ شاهدوها في غفلةٍ من زمانهم الحقيقي .
خلّفت الجلسة الناجحة في نفسي حالةرائعة ، حالة حطت في سجني لتمسح عني أدران القلق الذي أحاط بي إبّان التسليم ، أحسست بالإنتصار مرة أُخرى وأنتظرت بلهفة إطلالته البهية ، تسارعت الأيام لتعلن عن بدء الجلسة الثانية ، بدأت الجلسة وحضر القضاة مبكرين الى القاعة مصطحبين معهم عوائلهم أما الحضور فتفاقم عدده بعد أن شاعت أنباء الجلسة الأولى ، إنتظر الجميع قدومه بشوق وإضطراب ، أنتظروا حتى وصل ، وصل وقابلته القلوب قبل العيون ، تخطى بينهم بإختيال ثم أخذ يتفرس فيهم بشدة ، بادلوه إبتسامات إختلطت فيها ملامح الحيرة والخوف ، كان واجما فأفتتح دفاعه بالغضب ، دافع دفاعاً مستميتاً أفقده السيطرة على جسده وأخلّ بجميع ثوابته البايلوجية ، إنفصلت أعضاؤه على مرأى من الجميع وطارت في الهواء ، تابعتها العيون المذهولة بإنبهارٍ، كانت أطرافه تترافع وجذعه يدافع ورأسه يعترض ، رفع الجمع الغبي رأسه بحيرة الى الأعلى ، متابعاً إنفلات الوضع بإعجاب ومنصتاً بإعياءٍ للمرافعة السامية ، لم يخفِ القضاة إنبهارهم الممزوج بالزهو مما حدث في الجلسة لكنهم تهيبوا من القادم ، لذا مالوا مكرهين للتأجيل بعد إن إنتابهم الفخرالذي ألصقه المحامي المجهول بصنعة القضاء الرتيبة .
تكللت الجلسة بالنجاح وذاعت شهرتها كالنارفي الهشيم ، لذلك توافد الناس على المحكمة من كل الاصقاع واقلق سير المرافعات زحام المتوافدين , امرت الحكومة بهدم المحكمة القديمة وانشاء محكمة كبرى , لم تتمكن المحكمة الجديدة من استيعاب السيول البشرية الجارفة لذا اضطرت الحكومة للهدم والبناء والهدم حتى استحلت المحكمة في جولات الدفاع الاخيرة مساحة البلاد بأسرها .
انشغلت العدالة بجرائمي واهملت دعاوي المجرمين , شيدت لتفادي الأحراج العالمي زنازين لأستقبال الجناة فقط ,فمات المجرمون متعفنون من الأنتظار ومات قضاة من المتعة وتلاهم اخرون من الصبر والمحامي ما فتىء يدافع بذات الهمة الأولى يلغي الأدلة والجرائم عني ويبتكر قانوناً تعتمده هيئة المحكمة بالدفاع عني حتى صرت أتحول بموجب قانونه الجديد من مجرم الى ضحية ومن جانٍ الى مجنٍ عليَّ , أما ضحاياي فاصبحوا بنظر العدالة مجرمين طالب بمحاكمتهم وتطوع بالدفاع عنهم ,وافقت المحكمة على طلبه الاول ورفضت الثاني لعدم كفاية الحياة للدفاع.
حانت جلسة النهاية وكانت شتائية قارصة , غزا الثلج البلدة وحطت قدماه الصقيعيتان في القاعة حتى تسيدَ البياض على المكان تماماً وعكست الوجوه الباردة مرارة الانتظار الساخن ,وصل وسبقته في الوصول غلالات دافئة شع َّعلى اثرها حضوره متقداً كجمرة ,شاع الدفء في كل شيء وبدأت حنجرته الملتهبة تترافع بكلمات كالحمم النارية ,ذاب الثلج وتجمرت الحروف في الهواء وتحولت القاعة الى جحيم مستعر ,استنشق الجميع حرارة الموقف وخمنوا ببلادة حدوث المعجزة وحصول المستحيل ، جاء المستحيل حين ابتدأت كلماته المستعرة تهوي من الاعالي لتتلاقفها امواج السيول التي لفت المكان بعصبية , هدأت السيول وارتفع شواط الحروف على هيئة كلمات مرئية تعشقت فيما بينها لتخرج بلقطات تطورت بالتلاقح الى مشاهد فيلمية امتزجت مع بعضها البعض لتخرج بفيلم ملتهب , كان الفيلم يعرض بالالوان الطبيعية كوارثي وجرائمي السابقة , أعتراني الحزن والغضب معاً حينما رأيتني ضحية لضحاياي الكثيرة , تألمت وانا أرى تحول شخصيتي من مجرم الى ضحية , تفاقم حقدي القديم على ضحاياي حينما رأيتهم يقطعون اوصالي في الوهم كما كنت أقطعهم في الواقع ، شاهدته يأمرهم بالكف عن تعذيبي في الفيلم كما عذبتهم في الحياة ، ينصاعون لأمره و ينـزلون من شاشة الهواء الى الأرض ، يستأذنون الحضور المندهش من الحال العجيب و بلطف يفتحون الأبواب و النوافذ لتغادر السيول الفائرة حسب رغبته ، جفت الجلسة و لم يفلح الأبطال بالصعود الى شاشة الهواء مجدداً فجف الفيلم و نشفت الشخصيات و أستمتع القضاة و الحضور بالعرض الذي أسموه عرض المعجزة .
تعاطف القضاة لدى مشاهدتهم سفري الوحشي مرئياً و غمرتهم شخصيتي الفيلمية بالوجع فبكوا و بكى الحضور لبكائهم و بكيت حتى ضجت القاعة بعويل مرير ، راع الجميع ما حاقني من ضيم في حياتي القاسية و أزعجتهم سنوات الصبر و القهر التي قضيتها مكرهاً في السجن رغم براءتي الصورية ، انتفض الجمهور و أجبر القضاة على البراءة ، وافق القضاة الذين أذعنوا لسحر المحامي الخارق و قرروا أن يجئ القرار الأخير على لسانه و جاء القرار هكذا :
إن الجرائم المرتكبة تتحقق بعد نواياها و بما ان المتهم لم يلقَ القبض عليه متلبساً بتهمة النية أو مرتبكاً لجريمة خلال فترة مكوثه في السجن لذا اقرر برائته من كافة الدعاوي الصادرة بحقه وأنقض كافة القرارات المتخذة ضده و أوصي بتعينه مستشاراً في محكمتكم … رفعت الجلسة !
أُطلق سراحي و أعتبرته الحكومة نهاية للنشيج الوطني و عاد النظام للبلاد التي اربكتها المحاكمة الغريبة ، أما المجهول فأنتزعته الأصقاع البعيدة ، غادر و ظلت مرافعاته الخالدة علامات يقوض بها القانون أركان القضاء الفاسدة .
حفظ المحامون عن ظهر قلب تكتيكاته الدفاعية ولجأ المحققون اليها للبت في الجرائم المعقدة و هكذا عاشت حكاياته الخارقة في ذاكرة الآخرين و أسطره المؤرخون للذكرى بأعتباره حدثاً لن يتكرر الى الأبد .
صارت ذكراه النائية ذاكرتي التي اغرف من وحي خرافتها الحكمة و المعرفة ، كنت أسبغ بها على دعاوي المظلومين صفات الخلاص لكي انقذهم و بها أيضاً كنت أوصد على الظالمين ابواب النجاة حتى أعاقبهم ، هكذا انعطفت حياتي من مسارها الشائك و انحرفت هادئة هانئة لم يعكر صفوها سوى صعقة حلت كالزلزال على رأسي .
في صباح غائم لم أنساه رأيته متهماً خلف قضبان السجن الذي أحتواني سابقاً ، لم أصدق ما رأت عيناي فأقتربت منه ، كان هوَ بهيئته الجليلة ينتصب ساهماً بوجهه الذي كان يكتظ بوجع بان على ملامحه القاسية ، كانت عيناه الجريئتان تجوسان المكان بخوف و حيرة ، خلت الدهشة ستأخذ الحضور و سيفاجؤهم حضوره المريب ، لكنهم لم يكترثوا به و ظلت أعينهم متسمرةً بوجه القضاة ، تقدمت نحوه و أنحنيت أمامه فأمتدت كفاه الكريمتان من خلل القضبان و رفعت رأسي ، شاهدته يتكلف بأبتسامة حزينة نشج لها قلبي فأنتحبت ، روعني مشهد اعتقاله الغريب فألتفت و صرخت في الحضور المتحجر ، تفتتت صرختي في حنجرتي و ضاعت أصدائها في فراغ سحيق ، بكيت و ألصقت وجهي على القضبان و سألته أن يتحدث ، لم يفعل و آثر السكوت على الكلام ، لم أحتمل صمته المميت فاتجهت بخطى يائسة صوب القاضي الذي لم يأبه بي ، زعقت به فأشاح بوجهه عني غاضباً ، التجأت لأقراني المستشارين فتظاهروا بأنشغالهم بصياغة القرار الأخير ، استرقت النظر الى أكفهم و هي تضع القرار المشؤوم ، قرأتـه و تأكدت بغريزة المجرم و القاضي بأن القرار 2003 / 4 / 9/سياسيـة المؤرخ فـي 8 /صَفر/ 1424* سيفضي به الى الموت ، أستحضرت أطياف مواعظه و فتشت عن معجزة لخاتمة النكبة ، لم أرَ حلاً سوى الملاذ به للخروج من المأزق المستحيل ، لذت به بعد أن ساورني الخوف عليه فرأيت روحه المستترة في كل شئٍ ، تلامس روحي بقوةٍ و تلوح بالوداع الأخير الذي جاء به صوت القاضي القاضي بالأعدام شنقاً حتى المـوت .
تكممت الأفواه و أطبق الرعب على العيون و لاح صمت القبور على الجميع ، تابعت بدهائي الغابر ما ينُسج من خراب و تأكدت بفطنتي الشيطانية من الأدلة ، ساقتني نحوها غريزتي الخارقة فرأيتها ، كانت الأدلة أوراقاً بيضاء خالية من أي شئٍ ، بعثرتها فشعت ببياض براق ملأ القاعة بأسرها ، لملمتها بألم و نثرتها ثانية فوق الرؤوس فتسامت مجرجرةً معها القضاة و الحضور و الأشياء الى الأعلى ، تداعت القاعة بأسرها و آل كل شيئ الى الأنهيار إلا هوَ ظل كما كان سابقاً ، راسخاً صامداً ينظر بأسى للفوضى ، وعيناه تترقرقان بدمعتين وخزتا قلبي فبكيت …

*التاريخ الهجري و الميلادي للأحتلال العالمي للعراق .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

| د. ميسون حنا : أزمة .

قالت له زوجته: ما بك لا تبرح إلى عملك، هل أنت مجاز؟ قال: لا … …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.