لؤي سالم البدري: الشاعر الكبير محمّد حسين آل ياسين .. الشعر يرتدي ثوب الشمس تحت سماء بغداد*

اني لأتمثله امامي، ذلك الرجل المهيب القامة، في حلته الانيقة، بحديثه العذب ولسانه الذرب في قاعة المحاضرة كان اشبه بالنخلة السامقة كان ذلك في اواخر سنة 1985، شرف صاحب هذه السطور ــ وزملاؤه في قسم التاريخ ــ كلية الاداب ــ جامعة بغداد ــ بالتلمذة على يديه، ولم تمح من ذاكرتي بساطة طويته وتواضعه رغم شخصيته القوية، كان حديثه كالرمح المسنون ــ او عود القصب ــ مستقيماً صلباً وان لم تمح صلابته ما فيه من رقة وكان محمد حسين آل ياسين الاستاذ شديد الحماسة في محاضراته في الادب والنحو وكانت طريقته في التدريس ان يشرح الموضوع، ثم تدور عنه ــ وحوله ــ الاسئلة والمناقشات من طلبته واجوبة عليها منه، يقوم اكثرها على الاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث والادب والشعر .
ورأيته في حالات مرحه وفي حالات سخطه القليلة فقد كان هادئ البال رضي الضمير، معتدل الطبع، جيد المزاج، والاستاذ في الحالتين كانه يتمثل بيت المتنبي في ممدوحه سيف الدولة الحمداني
وحالات الزمان عليك شتى وحالك واحد في كل حال
وقبل اشهر اغدق علي باهدائه بعضاً من دواوينه وكتب عليها اهداء وقرنني بشخصه العظيم ولست ببالغ شأوه فاسكرني هذا التقديم
والتقيته غير مرة في مقر اتحاد الادباء بعد اكثر من عشرين عاماً 2.11 لم يتغير كثيراً رغم ثقل السنين، لم تزل شعلة الشموخ في عينيه، والكلام البليغ الرصين يتدفق من فيه،واهديته بعضاً من كتاباتي، وقد انقذني مرة من قبضة القنوط حين لم يلق طلبي للانضمام الى الاتحاد قبولاً بذريعة انها ــ كتاباتي ــ اقرب الى الصحافة منها الى الادب فكان كلامه يستل السخط من قلبي .
لماذا كتبت هذا المقال عن استاذنا الكبير ؟ وفي هذا الوقت ؟
اولاَ» لأنه لم يأت من فراغ، انه من الشعراء المولودين من رحم هذا البلد، لذا تراه ملتصقاً بارضه وشمسه، بيومه وامسه، بافراحه واتراحه، منغمساً بألامه واحداثه،وادبه وتراثه .
ثانياً » لأنه لم يأت الى برلمان الشعر بالرشوة والغش والتزوير على حد وصف نزار قباني لشعراء الجيب و الكلمات المتقاطعة وان شعره الرصين الاصيل قمين ان يطمئن محبي ومتذوقي الادب الرفيع على ان الشعر الاصيل بخير برغم تشكي القريض العابثين بحقله على حد تعبير الجواهري فلا اقل من ان افي هذا الاستاذ الاصيل بعض اياديه البيضاء
فأنى للمديح أن يفي هذا الرجل حقه ؟
انطباعات وأراء
لا ازعم بأني في هذه الدراسة قد قمت بدراسة كافة المواضيع والقضايا المتعلقة بشعر الاستاذ، لأن منهجي هنا، ابتداء هو الشرح والانطباعات الذاتية فهناك فرق بين الانطباعات والمنهج النقدي، فالشرح هو احد عناصر المنهج النقدي التحليلي المفسر للعمل الادبي .
ولكنه بدون بقية العناصر لا يصلح منهجاً في النقد ولا ينفذ الى جوهر العمل الادبي . فالانطباعات هي المشاعر العفوية عقب قراءة النص الادبي والمنهج النقدي العلمي هو قيام الناقد بسيراغوار العمل الادبي وعوامله المعقدة .
اقرأ دواوين الاستاذ الكبير وكأني اجد في شعره روائح البحتري والمتنبي وابي تمام وابن الرومي وسواهم من اعلام العصور العباسية . فما اريد ان ابرئه من التأثر بشعرهم ولا غضاضة عليه منه، فالانسان ــ فضلاً عن الشاعر ــ يتأثر ويؤثر، يأخذ ويمنح،ولكنه اذا كان متمكناً في فنه، موهوباً في صنعته رسم كل شيئ برسمه وطبع كل قصيدة بطابعه،فلم يكن الاستاذ كلاً على اساتذته في هذا الشأن، فاسلوبه يمتاز بالجزالة والفخامة وقوة البناء وضخامته التي نجدها في الاعلام ولكنه ينفخ فيها من روحه ويسقيها من راحه .
القصيدة عنده ثوب محبوك بحنكة، فلا ينفع ــ عنده ــ ان يوسع من هنا ويضيق من هناك ولو انه تساهل قليلاً لا راح بعض البسطاء من القراء الباحثين عن اللغة الثالثة التي تجمع بين الرفق والبساطة والعمق والاحاطة ولكنه كان يأبى ذلك لأن الموضوع هنا يتعلق بالقدره والطاقة ولهذا لا يتذوقه الا النقد النبيه الصادق المتخصص لا الحقد الكريه الحانق المتربص ولهذا فان قارئه اما ان يدركه جلة او يتركه كله ولهذا لا نستطيع ان نقول انه استطاع ان يحصل على اعجاب هؤلاء البسطاء من القراء الباحثين عن لغة تجمع بين البساطة والفصاحة،فلا يزال شعره يتميز بالالفاظ البليغة او الغليظة في نظر هؤلاء
من اراد المعاني المعادة او الصورة الرخيصة او الاساليب السقيمة فليول وجهه شطر شاعر اخر . فلن يجد عند استاذنا ضالته المنشودة، فليس عنده ــ لمثل هكذا قارئ ــ ترويح او ترفيه ــ هيهات ليس ــ في شعره ــ الى ذلك من سبيل، لأن شعر الاستاذ قمين بقارئ خاص، وعلى قارئه ــ اذا اراد النفاذ الى شعره ــ ان يجشم نفسه طريقاً شاقاً، وسيجد في طريقه هذا نصباً، وانه لتعب ليس بلا عائد او منفعة، وسيجد في طريقه جدباً يفضي به الى خصوبة، وعذاباً يؤدي به الى عذوبه، ووجدان جياش .
وربما استعمل ــ في شعره ــ تراكيب عامية ولكن هذا الاستعمال نادر جداً . والالفاظ العامية التي انتقاها ــ على قلتها ــ فيها سحر وقوة واغراء . ومن ذلك قوله في رائعته الربيع عام 1983
انا واحد ممن تداس حقوقهم لؤما ويوزن تبرهم بتراب
وكان الراحل الكبير نزار قباني يختار الفاظا عامية لها قوة واغراء بحيث يتعذر ــ عليك ــ ان تجد لها بديلاً فصيحاً يعطي العمق والسحر اللذين اعطاهما اللفظ العامي ومن ذلك قوله
دوسي فمن خطوك قد زرر الرصيف ــ ــ ياللموسم الطيب
وقوله في قصيدة من مفكرة عاشق دمشقي عن العرب ــ
أدمت سياط حزيران ظهورهم فادمنوها و باسوا كف من ضربا
والشيئ بالشيئ يذكر، فقد اعجبتني قصيدة الربيع عند نشرها في مجلة الثقافة [ عدد حزيران ــ 1983] ولم تعجبني لمعان أو توليدات او ابتكارات لم يسبق اليها . اعجبتني لأنها قطعة موسيقية بعثت في نفسي املاً ويأساً، خيالاً وحساً وغير ذلك من المشاعر المتضاربة .
ولا تعنينا تفاصيل ومناسبة هذه القصيدة ــ وهي جيدة في جملتها وفي تفاصيلها ــ ولكن الذي يعنيني ان ثمة تجربة شعورية عنيفة اقتحمت مشاعره عميقاً وانتقلت الى ذهنه المتقد نسيجاً نابضاً متدفقاً، بينما نجده عن ادعياء الشعر نشيجاً غامضا ملفقاً .
ولا احسب ان شاعراً عربياً كبيراً لا يحب ان تنسب هذه القصيدة اليه واقرأ في قصيدة الفجر المكتهل
لم تشك اذ انت في ظمآن مغتلم اتشتكي الان في ريان مكتهل ؟
واذكر بيتاً للصافي النجفي في ذات المعنى
اوصلتها لليوم وهي عزيزة أأرخصها عن القليل الباقي ؟
فأجد الفرق بينهما كالفرق بين الخمر النبيذ والعصير اللذيذ، او كالفرق بين الريحان يشم يوماً ويذوي فيرمى به، وبين المسك والعنبر كلما حركته ازداد طيباً على حد تعبير ابن الاعرابي في كتاب الموشح للمرزباني .
شاعرنا الكبير فيلسوف قلق، وغزلي حسي وعاطفي، وقومي النزعة، وهذه الكلمات كلها تحتاج الى شيء ــ او اشياء ــ من التعليق والتوضيح ــ
1 ــ شاعرنا فيلسوف قلق لأنه هو نفسه يقول في قصيدته ــ حكمة الخلق
ما هو العمر والحياة وماذا بعد ان ينقضي وتفنى ــ يكون
ولماذا ؟ وهل وراء وجودي خفقة كالخيال ــ سر دفين ؟
ولكنه لم يأخذ من الفلسفة الا بمقدار، مثلما لم يأخذ من الروحية الا بمقدار . لم يكن تجديفياً مادياً مطلقاً ولا روحياً سماوياً محلقاً . بل عوان بين ذلك . كان يؤثر القلق الفاعل على القبول الخامل، والشقاء الحي على السعادة الخامدة، يرى مظاهراً للدنيا تدفعه الى التسليم والسجود، ويرى اخرى تدفعه الى التمرد والجحود .
ولعله دار في خلده ان المتزمتين في تلك الفترة نظم قصيدته هذه في عام 1968 قد يجدون طريقاً الى الطعن، فاحاط نفسه ــ في كل بيت ــ بطلاسم
والغريب ان شاعرنا نظم قصيدته هذه وهو في العشرين من عمره، حيث كان من المتوقع ان يطغى ــ عنده ــ سلطان العاطفة على سلطان العقل وان يكون شعوره بالحياة شديد الحرارة والحيوية والدفء، ولكن لا تثريب عليه فهذا ديدن الشاعر ذي السليقة الحساسة التي تستوقفها الغاز الحياة، الوجود، الموت، وامور الدين ومباحث الفلسفة، ولم يلق لأسئلته اجابات وافية، ولعله لم يقدر على الاسهاب فيها والصدور مكضوضة، والاراء مرفوضة، فلا بأس من التقية الثقافية ولعله اطلع على عينية ابن سينا الشهيرة، وعلى طلاسم ايليا ابي ماضي، وعلى رائعة الجواهري في رثاء زوجته ناجيت قبرك
تجري على رسلها الدنيا ويتبعها رأي بتعليل مجراها ومعتقد
اعيا الفلاسفة الاحرار جهلهم ماذا يخبئ لهم في دفتيه غد ؟
ويقول الاستاذ في هذا المعنى ــ
فسر النا س فيك شتى التفاســـــــــ ير وما هن فيك الا الظنون

اذا كان بامكان الشاعر ــ في نطاق الاطار الاجتماعي ــ ان يتأمل موضوعات كالميلاد والموت وضآلة الانسان للوجود كما فعل ستيفن سبندر في كتابه الحياة والشاعر وكما فعل الكاتب الكبير نجيب محفوظ في رواية الشحاذ ، فان شاعرنا لم يكتف بالاسئلة والفلسلفة والرفض في قصيدته بل لجأ الى الاخيلة والعاطفة والنبض، وهذا ديدن الشاعر واذا كان المفكر يحدق ــ بعينيه ــ في الارض وتخومها، فان الشاعر يحلق ــ بجناحيه ــ في السماء ونجومها .
الاول يحلل ويقارن ويتقصى بقواعد العقل وقوانينه الظروف، اما الثاني الشاعر تبرز اهميته في التأثر بهذه الظروف واذكر اني قرأت قصيدة للعقاد بعنوان الحقيقة يقول فيها ــ
اين الحقيقة ؟ لاحقيـــــــــــ قة، كل ما زعموا كلام
الناس غرقت في الهوى لم ينج غره او امـــــام
فرأيت ان قصيدة العقاد قد كسيت الخطوط الهندسية الدقيقة وخسرت الروح الشعرية الرقيقة، أي نجحت في وضع الهيكل العظمي اللغوي واخفقت في ان تكسوه بالروح واللحم الحي، وكان ظل الشعر ــ في قصيدة العقاد ــ باهتاً هينا، وكان ضوء الشعر في حكمة الخلق لافتا بينا
2 ــ شاعرنا غزلي حسي وعاطفي وانك لتجده يصف العشق الغريزي وصفاً بليغاً قوياً، ولكن قوة الغريزة ــ عنده ــ لا تعني ضعف النحيزة، ان شعر استاذنا يسع الف حياة، فيه براءة الطفل، وحكمة الكهل، وشهوة العشق، ولكن لم ينزل مع الحسيين الى قرارة سقر الذي يقطنونه، فلم يخلع العذار .
واذكر ان الكاتب ثامر عطا الله ابراهيم ــ في كتابه آل ياسين باقلام الاخرين قد اخذ عليه تشبيبه ــ في صباه ــ بفتاة يهودية، ولكنه في حقيقة الامر انما ينظر اليها بعيون الشعر والابداع والفن لا بعيون الفضيلة والوعظ، بمقياس القريحة لا باسلوب النصيحة . وهذا ديدن الفنان على ان شاعرنا لم يكن مفرطاً في الشهوة والغزل الحسي، فقد وفق في رسم الجمال ووصفه بقصائد تنفث السحر وبصوت يضوع طيباً
في قصيدته الجسد المضطرم ــ عام 1968نقرأ
شعر مجنون الخصلات
يتطاير كالموج العاتي
وعيون ظامئة فيها
تاريخ الماضي والاتي
عطشى ــ ــ تصرخ فيها الشهوة
اين النجدة ــ ــ اين النخوة
وفم الصمت به صخب
والعسل الذائب نيران
واللون الاحمر ــ ــ يا لهب
فكلمتا تصرخ و صخب تشبهان صخب البحر، وتريانك ما لا يرى

3 ــ وشاعرنا قومي النزعة، يبرز حسه القومي في غير قصيدة
انا في ربى صنعا عراقي وفي بغداد بنت الرافدين يماني
وقوله
لو عتبت بغداد من غيرة وساءلتني عينا الساهرة
من انت في الناس لأخبرتها اني عراقي من القاهرة
وقوله
غدا اذا سألت بغداد عاتبة اني انقل من بيتي واقوامي
من انت لو نسب العشاق انفسهم اقول اني عراقي من الشام
وهنا اود القول بأن تكرار هذا المعنى لا يشكل ضيقاً في افق الفنان، فهذا التكرار يدل على ان هذا الشعور قد شغله وملك عليه كل مشاعره ووجدانه، وهو ــ هنا ــ يقتفي اثر استاذه القديم ابي تمام في قوله
بالشام اهلي وبغداد الهوى وانا بالرقتين وبالفسطاط اخواني

ولكن الاستاذ حين ينشد في بعض المناسبات يبتعد قليلاً عن مستواه الفني الرفيع، ولا تثريب عليه في هذا الشأن فهو عارف باصول الشعر،ولكن غياب باعث الشعر يلقي بظله هنا، فالشعر لايكتب بقرار، واذكر ــ هنا ــ قول الشاعر الانجليزي كيتس [يجب ان يأتي الشعر طبيعياً كاوراق الشجر والا فمن الخير الا يأتي ابداً ]، وقول شوقي
والشعر مالم يكن ذكرى وعاطفة ــ ــ او حكمة ــ ــ فهو تقطيع واوزان
واذكر نادرة يرويها احمد امين في مقدمة ديوان ابي نؤاس عندما امتحنه استاذه خلف الاحمر وطلب منه ان ينظم ابياتاً في رثاء استاذه فارتجل ابياتا استحسنها خلف الاحمر وقال ابو نؤاس بظرفه المعهود [مت ولك عندي خير منها ] فاجاب خلف انك لم تقصر فاجاب ابو نؤاس بلغة الفنان [ولكن اين باعث الحزن؟] فاذا قرأت بعض قصائد المناسبات برزت لك ملكاته اللغوية والبلاغية، لا حجاب عليها ولمست في ابياتها البناء الهندسي المحكم، ولكنك تضل فيها احيانا حيوية الشعر قليلاً، والعاطفة كثيراً

ــ ــ وبعد ــ ــ وبعد ــ ــ ماذا اذكر من قصائده وماذا ادع ؟ استاذنا لا اسألك الا شيئاً واحداً ــ ــ ان تبقى كما انت ــ ــ فان حقل القريض لم يزل يتشكى العابثين بحقله
حسبي الفؤاد وقد صهرت شغافه شعراً يردده فم الاحقاب
* عن ألف ياء الزمان

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *