جميل الشبيبي : قراءة في رواية مدينة الصور؛ حكايات أحلام وأمان وجروح !!

في رواية (مدينة الصور ) للروائي لؤي حمزة عباس(الدار العربية للعلوم ناشرون ودار أزمنة – 2011)،تظهر المدينة محتشدة بالصور والحكايات والأحلام المؤجلة ، مدينة ساحلية مفتوحة الفضاء على عالم من الشخوص تحمل جراحاتها وأحلامها ومصائرها باتجاه مستقبل مجهول وآفاق غائمة تتحكم بها قوى غير منظورة ، تجعل من حياة المدينة كابوسا يحطم تطلعاتها دون رحمة ، في وقت تحتشد فيه هذه الذوات مع بعضها ،مشكلة كتلة  صلدة من البيوت المتراصة مع بعضها ،والذوات بمشاعر وأحلام ومخاوف متشابهة ،يشترك فيها كل الساكنين :الحاج حميد البيضاني الذي حصل على موافقة رسمية من مدير الموانئ اللواء مزهر الشاوي بارتداء ملابسه العربية في العمل ، أبو جورج بائع المشروبات الروحية ، كيورك أبو غازي الممرض الشاطر في مستشفى الموانئ وصديقه بدروس أبو اوغيناك رئيس المضمدين في نفس المستشفى ، إلى جانب منيرة وأم داوود بصوتها(الذي لا يشبهه صوت على طول المعقل وعرضها )وهو يجلجل في كل عزاء إضافة إلى مجموعة من الشباب الواقعيين /المتخيلين ممن وقعت على رؤوسهم مصائب تلك الأيام والأيام التي تلتها : يوسف حنش وسعود حنش وياسين وصفاء ملاك الشمع ذابل العينين إلى جانب كريمة التي تحتفي بها رواية مدينة الصور كامرأة من طراز خاص .
لقد كان دفتر الصور الذي اختزن حكايات الشخوص القابعين في صفحاته الخشنة ، يسرد عبر الصور الملصقة فيه حياة وأحلام جيل من الشباب تفتحت عقولها ونضجت في اخطر فترة من فترات العراق السياسية ، ابتداء من بداية ستينيات القرن العشرين التي تؤشر لصعود ثورة تموز وسقوطها الدامي في الثامن من شباط 1963 ،كما تؤرخ للزمن الذي أسدل فيه الستار على (الجبهة الوطنية)التي أرخت التهام البعثيين (لحم رفاق الجبهة مشويا ونيئا ص82)وصولا إلى حرب الثمانينيات  .
دفتر الصور تقنية مبتكرة
يمثل دفتر الصور تقنية جديدة ومبتكرة  في رواية ( مدينة الصور) يمكنها الانفتاح على حكايات وفضاءات لا حصر لها ، استثمرها  الروائي لسرد ونثر عشرات الحكايات المؤثرة عن واقع هذه المدينة الموصوفة بعالمها الساكن وكأنها صورة مؤطرة خارج سلطة الزمان وقدرته في تغيير الأشياء وذلك نسبة إلى المدن الساحلية في كل أنحاء العالم ، التي تنمو وتتنفس وتتسع بعمرانها وجميع مرافق الحياة فيها .ويتكون دفتر الصور من مجموعة متنوعة من الصور الفوتوغرافية أو صور الجرائد والمجلات ملصقة إلى جوار بعضها في دفتر مدرسي :بغلاف كارتوني ( طبع جدول الضرب على غلافه الخلفي فيما طبعت خارطة العراق باهتة اللون على غلافه الأمامي ص23).وفي دفتر الصور يتجاور شخوص وأمكنة من مختلف الأزمان والأصقاع ، تربطهم رابطة تواجدهم في دفتر الصور لأنهم من مدينة واحدة ، أو لحضور العديد منهم إلى المدينة في أوقات متباعدة : الزعيم عبد الكريم قاسم في بداية الستينيات من القرن العشرين ،،الايطالية الشقراء وهي تخرج عارية في (صباح الأول من كانون الثاني 1961)وهي صورة محفوظة عبر الذاكرة الجمعية لعمال ميناء المعقل قبل ولادة السارد/المؤلف بسنوات ، صورة   الفنان عبد الحليم حافظ عام 1965 ،وهي السنة التي شهدت حضوره إلى المدينة وصور أخرى له وهو في سرير المرض ، الخميني في المعقل عام 1978(في الخانة من السيارة الأمامية ، سيارة لاندكروز ، كان جالسا بمفرده يداه مفتوحتان على ركبتيه كأنه يهم بالنهوض ص67)وهي ليست صورة في دفتر الصور وإنما هي صورة مفترضة في خيال السارد أو هي جزء مما اطلع عليه السارد المؤلف  من الجرائد والمجلات أو من الإذاعات فهي صورة متخيلة للخميني  أثناء اقتياده من النجف الاشرف وإجباره على مغادرة العراق باتجاه الحدود الكويتية ،مرورا بمدينة المعقل  ،كومار الهندي النازل من سفينة موبي ديك الراسية في المعقل واحتساءه الخمرة في دكان أبي جورج مع سعود حنش ،وهناك صور شخصية للخال في ملابسه العسكرية ، وصورة لصفاء حنش وبقعة الدم التي تشير إلى مقتل سعود حنش البطل الرئيسي في الرواية .
ونلاحظ أن تجاور الصور في هذا الدفتر قد ألغى المسافة الزمنية بين هذه الصور وجعل الانتقال من صورة إلى صورة أي من حكاية إلى حكاية يحدث في فترة زمنية سريعة أمدها الفترة بين تقليب أوراق  الدفتر وهي فترة زمنية غير ملحوظة وقد استثمر الروائي هذه الفترة الزمنية اللمحية كتقنية جديدة في ترقيم فصول الرواية باختيار الفضاء الأبيض الذي يفصل  بين كل انتقاله وأخرى وكأنها إشارة إلى تقليب صفحات الدفتر
 الصورة كائن حي في مدينة الصور
تبدأ الرواية سردها بعبارات دالة على قوة التغيير والتبدل  متخطية سكونية المكان الذي يؤشر عليه عنوان الرواية كدالة ملازمة للمدينة حين  تشير الصفحة الأولى من الرواية  إلى ذلك بلسان سارد عليم (شئ ما يتغير ، شئ لا يكاد يرى ، لكنه يحس في الوجوه ، بملامحها الموهنة مثل اثر جرح قديم مندمل ص9)غير أن العنوان وكثيرا من التفاصيل الداخلية للحكايات والشخصيات والأمكنة التي احتوت تلك الحكايات تدل على أن المدينة المشخصة كفضاء روائي وهي مدينة البصرة ،أو مدينة المعقل بالذات ، هي مدينة الصور وليست مدينة للصور ، وبالمعنى الذي يجعل من المدينة فضاء ساكنا لا يتغير سواء في حاضره أو ماضيه، في حاضر الحكايات أو ماضيها أو مستقبلها فالمدينة تشبه الصور التي استثمرها السارد أو مجموعة الساردين مستخلصا منها الحكايات ذات الدلالات المتنوعة في فضاء ساكن ، يتحكم فيه ( دفتر الصور ) أو كتاب التاريخ عبر صوت معلم التاريخ طاهر  في المراحل البعيدة  زمنيا ومجموعة الساردين المصاحبين له .
تتجلى محطة قطار المعقل كأول صورة للمكان الأليف عبر عدسة عين السارد الذي يؤكد حبه لهذا المكان ( لا لشئ إلا لكونه يمر بمحطة القطار بنوافذها المطلة على الشارع ص9)ولا يظهر من هذه المحطة في عيني السارد سوى النوافذ الخضراء القاتمة و( بوابتها الخشب البنية العالية ص9) ومن خلال ذلك تبدو محطة قطار المعقل بيتا تراثيا من بيوت البصرة لا يشبه أية محطة من محطات القطارات في العالم الضاجة بالمسافرين وقاعاتها الفسيحة وضجيج المسافرين وحركتهم الدائبة ،  وسوف يظل مرأى المحطة يرن في رأس السارد  حتى يأتي زمن آخر (ادخلها فيه فأرى القطار معبأ بالجثث ص9) لتتحول محطة قطار المعقل من مكان يعج بحركة المسافرين الصاعدين والنازلين إلى محطة (لتعبئة الجثث)مرسلة إلى أماكن مجهولة !!والروائي لؤي حمزة  يكتفي بهذه اللقطة السريعة الدالة لأنه كان قد أشبعها بتفاصيل دالة ومؤثرة في مجاميعه القصصية التي صدرت قبل هذه الرواية.
ومحطة قطار المعقل الأثيرة لدى السارد سوف تختفي نهائيا من دفتر الصور أو من ذاكرته دون أن يعود إليها ليخلصها من أكداس  الجثث المتعفنة ، بل انه يتركها متعمدا على هذه الصورة الموحشة كشاهد وفضاء  على جريمة ما زالت تجري !!
وفي تشخيص وتصوير الأماكن الأخرى  التي تحتشد الرواية بتفاصيلها يلجا السارد إلى عدة تقنيات من اجل ذلك أولها الصور الفوتوغرافية ،  فينثر  مكوناتها وتقريبها جزءا جزءا من عيون متلقيه ، وتقنية نثر الصور تستخدم عادة في الأماكن البعيدة مكانيا أو زمنيا كصورة أمه وهي طفلة في زيارة مع جدته إلى ضريح الإمام الرضا في إيران )أرى أمي فتاة صغيرة بضفيرتين تمسك ذيل عباءتها واعرف أنها ليست أمي ص14)وتكتمل هذه الصورة في صفحة أخرى …) وقفت أمي بضفيرتيها وثوبها المخطط الطويل وقد بانت تحته مقدمة حذائها الروغان ذي الفتحة الدائرية والسير الرفيع ، تتهدل فوقه حافة جواربها الأبيض المكركش القصير .يدها تمسك ذيل عباءة جدتي التي وضعت يدها مفتوحة الأصابع على شباك ضريح الرضا .ص16- 17)وتتكرر نفس هذه التقنية في صور متباعدة في الزمان :صورة إعدام الزعيم عبد الكريم قاسم في 9 شباط 1963 وصورة الفنان عبد الحليم حافظ وهو يزور البصرة عام 1965 ، وصورة للإمام الخميني في نهاية السبعينيات ومعظم هذه الصور خارج العمر الزمني للسارد / المؤلف (المؤلف من مواليد البصرة 1965) باستثناء الأخيرة ولذا يعمد إلى إبراز تفاصيل هذه الصور بجزئياتها بشكل مقرب ..
أما صور المجلات الجنسية  فتؤلف عالما مغريا بدهشة السارد وأصدقائه أيام المراهقة ، وتثير فيهم خيال الغريزة بذلك  الجمال الآسر للنساء في صور ملونة ومقربة تكشف عالما من السحر لا تستطيع عقولهم المحدودة بعالم ساكن وبرئ أن تهضمه ولذا يردد لسانهم العبارة المتواترة في صفحات هذه الرواية ( الصور تكذب)!!
أما التقنية الثانية فتعتمد خيال السارد أو عبر الذاكرة الجمعية بمجموعة الساردين أو الذاكرة  الخاصة (الأستاذ طاهر معلم التاريخ.والصور المنثورة على وفق هذه التقنية تزدحم بالتفاصيل الكثيفة والمقربة لطبيعة المكان ، بتوصيف مشخص وأخاذ يعتني بتجسيم الصورة وما يحيط بها من حرارة وروائح نافذة ومن أمثلتها رحلة الخال من بيته باتجاه نهر شط العرب  ( (أتصوره يخرج من بيته في محلة أم الدجاج فيأخذ احد طريقين :أما أن ينحرف نحو اليمين يقطع زقاقا تثقل هواءه وخمة الدجاج ، وتزحم دكاكينه أقفاص البلاستك المتربة وماكنات الذبح والتنتيف ، يرى الدجاج المذبوح يغطس في قدور كبيرة مليئة بالماء الساخن بالدم الساخن والرؤؤس ترميها أسنان الماكينة مثل أطلاقات حية …)نلاحظ في هذا المقطع تفاصيل تعتني بتاثيث المكان إلى جانب انبعاث الرائحة (وخمة الدجاج) وتلمس درجات الحرارة في ذلك الصيف القائض(مليئة بالماء الساخن والدم الساخن )أما المقطع الثاني فيؤشر نحو طريق آخر هو (سوق الخضار ) ويكمل طريقه (فيجد نفسه في سوق السمك ، يغطس في الزفرة التي تتكاثف ، يحسها تثقل الهواء كلما توغل في السوق الذي يضيق مع احتشاد الأحواض نصف الممتلئة والبسطات بأسماكها وقد خبت التماعة جلود معظمها وذوت لحومها ص12)
وفي هذا المقطع نشم ونبصر عن قرب في رحلة الخال المتصورة من قبل السارد تفاصيل السوق الشعبي المكتظ بروائحه وقذارة أزقته بالمياه الأسنة وزحمة نفاياته.وفي هذه التقنية تتداخل رؤية السارد مع عين الشخصية التي تعيش الحدث ( الخال) من خلال خبرة معاصرة  ودقيقة للفضاء المسرود من قبل السارد  / المؤلف  الذي يعير عينيه وذائقته وبصيرته بل رؤياه   لشخصية الخال البسيطة والمهمومة بإشكالات غامضة على وفق رؤيا  السارد لأعماق خاله في الحلم (من خلف ضباب النوم أرى خالي يمشي وحيدا ، خطواته بطيئة .كما كان ينوء تحت ثقل لا يرى ، غير عابئ بأمواج الشط …ص18) وسيتكرر مشهد ( سوق السمك ) في الصفحة 20 على لسان السارد وهو طفل بصحبة أمه إلى بيت جدته ، الأمر الذي يؤكد سكونية هذا المكان الذي يحتفظ بنفس الملامح عبر عمر السارد .
هناك توصيف مقرب بعين السارد وصديقه ياسين لسوق الجمعة حيث المعروضات (التي لا شكل لها ولا عد ولا لون )يستغرق الصفحتين 39 و 40 وجزءا من الصفحة 41 .
حكايات مدينة الصور
تحتشد  مدينة الصور (مدينة  المعقل بشكل خاص) بالحكايات والشخوص الحقيقيين والمتخيلين ، و هذه الحكايات ممنتجة ومكثفة عبر قلم روائي متمكن ورشيق ،  تحمل دلالات ودروس مأساوية ودامية وحكايات طريفة عن شخوص الرواية في رحلة المدينة عبر تاريخها المعاصر (تبدأ الحكايات اعتبارا من عام 1961بزيارة الزعيم عبد الكريم قاسم إلى البصرة – المعقل)وتستمر باتجاه مستقبل غامض تؤطره هذه الحكايات الدامية ، وكأنها أشباح تحوم في  فضاء المدينة ، على الرغم من وجود حكايات طريفة تتخلل هذا الجو الملبد بالحزن الشفيف  والحنين الجارف نحو ضفاف الأمان والحرية والعدالة  .
.وفي دفتر الصور تحتفظ الصورة الفوتوغرافية بالكاميرا أو المستلة من جريدة أو مجلة ، بملامح الزمن الذي التقطت فيه ، وهي لذلك ساكنة ، لا تؤثر فيها حركة الزمن وتبدل الأحوال ، ولذا فان الصورة تمثل تاريخا جامدا للشخصية ، وللمكان أيضا ، تاريخا شاحبا إزاء تحولات الشخصية بالعلاقة مع الزمن وكذا الحال في المكان المشخص بإحدى  الصور ، ولذا يأتي  استغراب السارد وشكه في صدق الصورة بإيقاع عبارته المتواتر (الصورة تكذب )، لكننا نلاحظ أن هذه العبارة تكون صادقة في تحريات السارد وتوصيفه لشواخص المدينة :الأسواق والبنايات والشوارع والأزقة ومحلات بيع الخضر والسمك ، فهي ساكنة في حركة السرد كصور فوتوغرافية رآها السارد في مراحله العمرية المختلفة ، في حين تبدو الشخصيات الروائية والحقيقية في منأى عن هذه العبارة ، فهي تتمرد على إطارها في دفتر الصور ، باتجاه الذاكرة الحية لمجموعة الساردين الذين يشتركون في سرد حكايات دفتر الصور ، وهي حكايات  كثيرة ومتنوعة ،تحتشد ، وتتزاحم ، مع بعضها ، وكل حكاية تنافس الأخرى على حيازة مكان خاص لها في قراءتنا ، وذلك أمر صعب ، ولا بد من اختيار نماذج من هذه الحكايات وتوصيفها لإعطاء صورة مقربة عن هذا العالم الضاج الذي يتحرك ويتنفس في صفحات رواية ( مدينة الصور).
تعبر معظم الصور عن نهاية مأساوية – دموية للحكاية ،ويتضح ذلك في الحكايات التي سردت بحيز كبير  من صفحات الرواية :كصورة الخال ، وصورة الزعيم عبد الكريم قاسم ،والصورة الأخيرة لسعود حنش التي ستكون نماذج في قراءتنا ،هذه نتحرى فيها تلك العلاقة الاعتباطية و غير المبررة بين انطفاء شعلة حياة الشخصية  وبين تفاصيل حياتها وأحلامها البسيطة بل البريئة !!
الصورة الأولى :
تطالعنا صورة الخال في صفحات عديدة ثابتة ومعدلة على وفق ما يريده السارد لخاله . في ماضي الحكاية البعيد نرى الخال وهو ( يلبس السدارة وقميص العسكر بازراره النحاسية الكبيرة ص13)اما الصور الأخرى للخال فهي من ذاكرة السارد في فترات عمرية متنوعة من حياته يلخصها بعبارات مكثفة :لم أكن اعلم ماذا يعني أن يخلع سدارته ويستبدل قميصه الخاكي بدشداشة نصف عمر ….ماذا يعني أن يطوي الرمال بعد الرمال ليعمل مع الشيوخ في الكويت .هل يقعي مثل كلب الحراسة إلى جانب الموقد بانتظار صيحة الشيخ ليقفز كما في المسلسلات البدوية؟ص13 غير ان كل ذلك محض تصور فالخال يعمل في الكويت وعندما يجيء في أوقات متباعدة (كنا نعيش وقتها ما يشبه العيد ) وفي هذه الصورة يجلس خاله (بدشداشته البيضاء )التي يلمع قماشها في ضوء الغرفة كلما تحرك …غير أن هذه الصورة يمسخها زمن قادم وفيه يرى السارد خاله (يجرجر قدميه بنعال جلد ممسوح ص10)أو وهو يجلس في مجلس عزاء سعود حنش  (يرشف الشاي ويستمع شارد الذهن إلى عبد الباسط ينغم آيات الحشر ص11)وهذه المفارقة بين الماضي البعيد والحاضر تدفع السارد إلى الاستغراب والإنكار وهو يقول :(لم يكن بين خالي وإنا أتصوره متمهلا يمشي على الكورنيش وصورته المحفوظة في البوم العائلة أية صلة .الصور تكذب ص12).
وعبارة (الصور تكذب )ستكون لازمة أو إيقاع محفز للسرد ، يمحو فيه السارد اثر تقلبات الزمن على شخصية الصورة ، ليحتفظ بالصورة وهي تومئ إلى ماض أليف مترع بالأمل والحلم تجعل شخوصه في منأى عن الحاضر  الدامي الذي انتهوا إليه .ولذا فهو يتأمل في صورة خاله الأولى وينقلها بعناية فائقة من البوم الأسرة إلى دفتر الصور كي يمحو من ذاكرته حاضر شخصية الخال وهو (يجرجر قدميه بنعال ممسوح )أو وهو يراه في أحلامه (يمشي وحيدا ….خالي يمشي ومن حوله تندفع الكلاب كلاب بملامح بشرية من إمامه ومن خلفه أرى كلابا لاهثة ص18)وبذلك يتحول الخال إلى شخصية من شخصيات مدينة الصور ، يحمل سمات الشخصية المبتلاة ،دون أن يفعل شيئا ، ولكنه كائن مبتلى كشخوص الرواية الآخرين!!
الصورة الثانية للزعيم عبد الكريم قاسم (بعد لحظات من إعدامه ص41)التي يشتريها السارد من سوق الجمعة كي يريها إلى الأستاذ طاهر معلم التاريخ الذي تحدث طويلا عن شخصية الزعيم وإعجابه به
لكنه يشعر بخوف وهو يتحسس ورقها المتيبس ويسمع نداءها على الرغم انه لم يدرك معناها ومعنى (ان تلتوي رقبته وقد اصطدم رأسه بالجدار ، معنى سقوطه عن الكرسي معنى أن يتمدد مرميا على الأرض معنى البركة السوداء الممتدة من أسفل صدره حتى فخذيه ص43)ومن اجل ان يمحو السارد صورة الاغتيال يتداعى ذهنه إلى دروس التاريخ ويستعير صوت معلم التاريخ الذي رسخ في أذهان تلاميذه صورا راسخة يحضر فيها الزعيم (بقامته الرشيقة المعتدلة ،ببزته العسكرية ،بسدارته المائلة بمسدسه الويبلي .يأتي ببجامته المقلمة غير المكوية، بالمنشفة الصغيرة سمائية اللون مطوية طية واحدة وملتفة على رقبته ص44)ومن خلال ذاكرة معلم التاريخ يظل الزعيم يهيم بعيدا عن دار الإذاعة .(بعيدا عن اللحظة التي عدل فيها سداراته على رأسه قبل أن يجلس على الكرسي كأنه يتهيأ لالتقاط صورته الأخيرة ص44)وبعيدا عن صورته الأخيرة أيضا يظهر الزعيم (رجلا رشيقا يتجول خارج درس التاريخ مع كل خطوة من خطواته يتعالى هتاف الجماهير :ماكو زعيم الا كريم ص45)او وهو في مدار رؤية الأستاذ طاهر معلم التاريخ عندما كان في المتوسطة حين رآه داخلا إلى مطعم أبيه الصغير بين قلعة صالح والبصرة مع سائقه فقط حيث تختلط الأصوات وتتداخل الملامح مع تصاعد اللحم المسلوق حين يرى ( من رقبته يتدلى حبل التضحية المعقود على صدره ،الحبل الذي لم ير طاهر عسكريا يرتديه غير الزعيم ص47 .وتكتمل الصور الحية للزعيم بلسان والد السارد (لم يكن بيني وبينه إلا أمتار، أمتار قليلة كان جالسا في المقعد الخلفي والى جواره مزهر الشاوي كنت واقفا على الرصيف ببدلة العمل الزرقاء والى جانبي الحاج حميد بدشداشته وعباءته وعقاله نظر لي وابتسم نعم .رفع يده نحوي وسط حشود العمال المتدافعة على الرصيف وابتسم ص49)غير أن هذه التحية والابتسامة ستكون خاصة لكل عامل من عمال الموانئ (كل منهم كان يحس اليد رفعت لأجله ولم تكن الابتسامة إلا له ص49)
الصورة الثالثة :
يبدو دفتر الصور وحكاياته المتنوعة ملخصا مكثفا لعصر التقلبات السياسية الكبرى في تاريخ العراق السياسي بصور مصغرة لطبيعة الحياة العامة على وفق النماذج التي عرضنا لبعضها ،وكل هذه الحكايات تظهر وكأنها تمهيد لظهور وتجلي مأساة سعود حنش الشخصية التي تمثل من وجهة نظرنا نموذجا للجيل المبتلى بالحروب وتشخيصا وإدانة لهذه الحروب الدامية وغير المبررة ، وتتضح الصورة النموذجية لشخصية سعود عبر حياته وآماله وعمره الزمني الذي كان جاهزا لان يكون جنديا قادما في حرب الثمانينيات الدامية ، لولا سقوط قذيفة من قذائف حرب الثمانينيات على رأسه ليتحول إلى بقعة دم على جدار في موانئ البصرة !!
ومن ملاحظة حيرة السارد وهو يفكر أين يضع الصورة المستلة من الجريدة لبقعة الدم التي كانت سعود حنش، نكتشف عمق المأساة وتمثيلها لجيل من أقران الفقيد:)كانت التعليقات تضج في رأسي تتقاطع وتشتبك كلما فكرت بسعود، بغيابه الذي لا يشبهه غياب احد من أهالي المعقل وفي كل مرة تعود الصورة إلى ذهني كأنها الصورة الوحيدة في الدفتر ، لا عبد الحليم، ولا خالي ولا الملاك ولا عبد الكريم حتى ،وحده سعود في حفرته الواسعة على جداره المهدم يعبر من صفحة إلى صفحة ص62-63) .
ولهذا السبب فالسارد لا يتأمل الصورة وينثر تفاصيلها كما يفعل مع الصور الأخرى بل يلجأ إلى التعليق الوارد في الجريدة ينثره كلما فتح الدفتر فيسمع التعليقات واضحة ولها صوت (أراها واسمعها كما لو كان احد ما يقرؤها خلف إذني بصوت واضح وعميق (….)وهي تكرر ما كتبته الجريدة عن إيران وهي تقصف ميناء المعقل كانت تتحدث عن كتلة مهروسة من اللحم والدم ملطوشة على بقايا جدار ص63).
ولكي يمسح السارد صورة كتلة اللحم المهروسة والملطوشة على بقايا جدار، ينثر حياة سعود حنش في صفحات عديدة من الرواية تعيد له الحياة وتكذب الصورة ، يكون ذلك مرة بلسان السارد وأخرى بصوت يوسف حنش الشقيق ، ومرة ثالثة بجرأة كريمة التي تتخطى ضجيج العزاء باتجاه غرفة الفقيد :(دخلت إلى البيت ومرت وسط نساء الحوش المتحلقات حول أم داوود التي سكتت هي الأخرى وقد نزل الصمت من حولها مثل لوح زجاج كثيف غيب عن عينيها مشهد أمواتها الواقفين خارج العزاء (….)توجهت كريمة إلى غرفة سعود كما لو كانت تعرفها كما لو كانت دخلتها مرات من قبل (….)فتحت دولاب ملابسه وقد ترك مفتاحه في القفل (…)حملت ثيابه لبدله كاملة : فانيلة قطن داخلية مخرمة ولباس قماش ابيض وقميصا وردي اللون بذراعين كان يحبه أكثر من قميص واحد كلما جاءها به عرفت أن شيئا ما أسعده وان ليلتهما ستكون ليلة هائلة وبنطلون الجينز سمائي اللون خفيف القماش ص104-105).
ويتخلص السارد من صورة الجريدة المدماة حين يمزقها قطعا صغيرة (اصغر ما يكون لأصابعي أن تقطع ثم نثرتها. عاليا نثرتها ص146).و يستعيض عنها بصوت أخيه يوسف وهو  يسرد تفاصيل الصور الخاصة بسعود : يقف على ظهر إحدى البواخر  ببدلة عمله في المسفن أو يجلس في حديقة من حدائق المعقل يقميص (لا أتذكر انه لبسه يوما .هل هي إحدى حدائق المعقل حقا ؟ وهل كان القميص قميصه بقماشه المخطط الخفيف؟يبدو مثل شباب أفلام الخمسينيات العربية بذراعي القميص القصيرتين وياقته المفتوحة مثل جناحي فراشة ص147).
وهناك عدة صور ومواقف مسرودة على السنة أحبائه :كريمة ، يوسف ، السارد وياسين كلها تعمد إلى تكذيب صورة الجريدة وترى سعود طافحا بالعافية والحياة إحداها هذه الصورة المؤطرة والمتحركة في آن :سعود مع كريمة في صورة (بدت من بعيد مثل أية صورة لزوجين حديثي العهد بالزواج لكنها مع اقترابي منها بدت صورة لا مثيل لها .كان سعود يرتدي بدله أنيقة مخصرة لقماشها بريق سترتها مزررة شعره الواقف القصير يلتمع كما لو كان مبللا وعيناه تبسمان يمد يده اليمنى لتستقر على خصر كريمة ص143).
ان رواية ( مدينة الصور) تمثل وثيقة سياسية جمالية تلخص فترة مهمة من تاريخ العراق السياسي احتدمت فيها الصراعات الدموية وأهلكت الآلاف من الشباب الذين لم يكن لهم اية مصلحة بتلك الصراعات او أسبابها ، وقد كانت تحريات الروائي لؤي حمزة عباس في جداول تاريخ العراق المعاصر قد كشفت وأضاءت العديد من تلك الإحداث بالاتجاه الذي ينتصر فيه الروائي للشخصيات الفاعلة والمخلصة ، ويعري أسماء من تورط في سفك الدماء ،وقد جاء دفتر الصور وثيقة وذاكرة وتقنية فنية منفتحة على حكايات لم تجد لها حيزا في هذه الرواية الممتعة ،لتمثل فضاء منفتحا من الحكايات والشخوص والإحداث والأمكنة تحفز ذاكرة المتلقي على استحضارها بعد الانتهاء من قراءة هذه الرواية أو أثناء القراءة.

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

تعليق واحد

  1. الدكتور ضياء الثامري

    متابعة نقدية جادة للناقد جميل الشبيبي لرواية تستحق بجدارة الكثير من المتابعات النقدية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *