الرئيسية » مقالات » علي البزاز: «محمود صبري بين عالمين» لبهجت صبري: الجدارية الغائبة

علي البزاز: «محمود صبري بين عالمين» لبهجت صبري: الجدارية الغائبة

ali_albazazالدفاع عن المستضعفين وتقويم تنكّر التاريخ للعدالة الاجتماعية عاملان رئيسان ووجهان للثقافة العراقية منذ الخمسينيات المنصرمة. اليسار، الوطن، التنديد بالجوع أينما كان: بؤر فنية لتلك الثقافة التي حاولت وقتذاك إعلان طهرانية الإبداع بموهبة فذّة وقفت ضد سحر المساحيق وغواية التجميل، أي مع المرئي، ناسية غير المرئيّ، الذي هو حاسة البصر عند الفن.
ضد ومع
فيلم «محمود صبري بين عالمين» للعراقي بهجت صبري يجعل المُشاهد المتتبع لتجلّيات الثقافة العراقية يستنتج حضور هذين العالمين (ضد ومع). يقول محمود صبري (مؤلّف «نظرية واقعية الكم»): «عبر قراءتي برتولد بريخت تغيّرت فكرتي الفنية/الاجتماعية عن العالم، التي تصوّر الظواهر الاجتماعية المرئية إلى فكرة تشهد تفاعل الإنسان مع الظواهر الذرية، كتفاعل ذرات الأوكسجين مثلاً. أدعو إلى تدريس مادة الفيزياء في أكاديميات الرسم لمساعدة الفنان على فهم الذرّة، التي هي أساس عالم اليوم». ويقول بريخت: «على المبدع أن ينشغل إلى جانب فنّه بأحد العلوم الحديثة ليعينه على الإبداع واستبطان العالم».
هذا الاهتمام بالعلوم الحديثة، وخاصّة تكنولوجيا الذرّة، صميم «نظرية واقعية الكمّ»، أي استفادة الفن من العلم. إنها نقطة شديدة الحساسية، تُعتبر تطوّراً كبيراً في البناء الفكري لمحمود صبري الذي عُرف بكونه مناضلاً ضد الفوارق الاجتماعية وامتهان الإنسان: يدعو إلى التآخي مع التكنولوجيا، أي مع الآلة التي هي بداية «اغتراب الإنسان»، وبالتأكيد في الفكر الاشتراكي المتشدّد آلهة الشرور كلّها. ليس الفن وحده الذي يعتبر الآلة ـ نتاج التكنولوجيا مطرقة تهديد كما يقول إكزوبري، بل الأديان أيضاً، لأنها تشغل المؤمن عن العبادة، ويتجلّى فيها الشيطان، لكنها الممهدة أيضاً ليوم القيامة، بعد أن تمتلئ الأرض جوراً. بُغض الآلة فيه شوقٌ وحبّ كبيران ليوم الميعاد.
هناك مرحلتان في حياة محمود صبري تتفقان بقدر ما تختلفان على صعيد النشأة الاجتماعية والفنية: الأولى هي التربية العراقية البحتة، لذا يستعمل الفيلم الموسيقى العراقية كإطار لسرد تفاصيلها منذ ولادته في محلة «المهدية» في بغداد، وهي المرحلة الاجتماعية كما يسمّيها وتمثّلها لوحة «الجنازة» (1952 ـ 1962) وجدارية «وطني» التي نفّذ تخطيطاتها في موسكو عام ,1961 وحال انقلاب 1963 الأسود دون إنجازها في بغداد. إن جدارية جواد سليم «نصب الحرية» (1959) تكاد تكون إلى جانب جدارية فائق حسن في ساحة الطيران الجداريتان الوحيدتان العالقتان في ذاكرة الفن العراقي، وها الفيلم يكشف تخطيطات منجزة بالألوان لجدارية محمود صبري الذي لم يستفد من حضوره لعقد مقارنة بين العملين مثلاً، أو حتى لاستنطاق آرائه حول مجايلة الفن العراقي ومسيرته. تبدأ المرحلة الثانية عام 1971 في براغ، مع المعرض الشخصي لما سُمّي بإعلان «واقعية الفن» بيان للفن الجديد، وهو تجربة بلاستيكية تشرح التفاعلات والعمليات الذرية للظواهر المرئية، مركّزاً على ألوان الطيف الذري ومبتعداً عن ألوان الطيف الشمسي المترابطة مع بعضها البعض بنسب معينة (لوحة «ماء، معدن، هواء»). يصف صبري نظريته بالقول إن «المرسم الفني يوازي المختبر العلمي. حين يرسم الفنان، ففنه يحضر محلولاً كيماوياً. واقعية الكمّ تجعل الإنسان يفهم العالم من خلال الظواهر الذرية، بينما اقتصرت نظرة الفن سابقاً على الظواهر الاجتماعية المرئية. لا توجد قوانين ثابتة في الفيزياء». وهو يدرك سبب عدم الترويج لنظريته: «العرب، منذ ألف عام، أمّة أدبية وجدانية على صعيد التأليف. تندر التقاليد العلمية في قيمنا وثقافتنا، وواقعية الكمّ نظرية فنية تستفيد من العلم والتكنولوجيا». الموسيقى التصويرية في هذا الجزء غريبة لبثّ انطباع بان الفنان أصبح بنظريته تلك عالميّ الانتماء.
معضلة
منذ البداية، أدرك المخرج بهجت صبري معضلة فيلمه المتمثّلة بالجانب العلمي في بنيته، ما اضطره إلى كسر الرتابة باستعمال صُوَر الأرشيف ولقطات من لندن وموسكو. نجح حيناً وأخفق أحياناً أخرى، لأن البناء الدرامي أريد له سلفاً شكل المقابلة التلفزيونية، وقد ضُيّعت مادة بحثية ممتازة وفيلم وثائقي للمخرج عن الفنان نفسه. ففي مقابلة أجريت عام 1985 مع الفنان الروسي ديمتري جلينسكي جاء أن محمود صبري سافر إلى موسكو ليدرس الفن فكان محطّ رعاية الفنان ألكسندر دينك واهتمامه، الذي قال لتلاميذه: «أرى تأثير محمود صبري في تجاربكم، وليس تأثيري». مع مادة وثائقية ممتازة كهذه، كان يُمكن توجيه الفيلم إلى منحى درامي مختلف تماماً، بولوج الزمن الفلسفي والفيزيائي في التجربة الفنية. كما أن تبجيل الفيلم لمحمود صبري كمفكّر أولاً ثم كفنان (جاء في التعريف: مفكّر وفنان) وجّه الإيقاع أكثر إلى الجانب العلمي منه إلى الفن.
إن الفنان أوحى للمفكّر بـ«نظرية واقعية الكم»، والعكس غير صحيح. أغفل الفيلم تماماً الجانب المتلقّي الآخر: مقابلات مع فنانين وعلماء فيزيائيين ونقاد مع أو ضد. إذ ليس من المعقول أن يُسمع طرف واحد يتحدّث على سجيته عن آرائه التي أثارت جدلاً بين معارض ومؤيد، من دون معرفة ما قدّمته هذه النظرية للفن بعد ثلاثين عاماً على إعلانها، لا سيما أنها نظرية إشكالية ذات وجوه عدّة، فنية وفيزيائية وتكنولوجية.
تواجه الأفلام الوثائقية التي تصوّر الفنانين صعوبات مضاعفة، وتقف السينما أمام ثنائية مزدوجة: صورة تتحدّث عن صورة (لوحة)، وكاميرا عدستها الفرشاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *