إيمان عبد الوهاب حُميد* : الموشّح الصنعاني

لقطة من صنعاء القديمة

يصعب أن نتحدث عن فن من الفنون بمعزل عن خصوصية المكان الذي درج فيه هذاالفن ، خصوصاً الفن الشعبي ، الذي يحمل روح الشعب وذاكرة المكان ، فالتواشيح والأناشيد لها ما لصنعاء من الخصوصية وكثيراً ما سمعت من الشعراء والفنانين التشكيليين عبارة ” صنعاء حوت كل فن ” أي أنها ملهمة لكل مبدع تتوق نفسه للجمال ، لذلك فهي أكثر المدن احتواء للفنون الشعبية وعلى رأسها الموشحات التي لها حضور قوي في المجتمع الصنعاني الذي لا تمر مناسبة إلا ويكون للأناشيد دور في إحيائها ، ابتداءً بمناسبة مولد الطفل والاحتفاء بقدومه ، عن طريقة عمل مولد تقوم بإحيائه النشادة في مجالس النساء  والتي لا تخلو من مدح النبي وآله،  ثم تأتي  مناسبة الزواج وزفة العريس الذي يتجمع حوله الأهل والأصدقاء مكونين جوقة او فرقة يتزعمها النشاد الذي يصدح باعذب الأناشيد في مقدمتها  الصلاة على النبي ثم مباركة الجميع للعريس زوجه وزواجه بطريقة جميلة يصدح بها الجميع يبدأ المنشد ثم يردد الآخرون وراءه ، مثلاً

هنيئاً فقد زفت إليك عروس             من الغيد في ثوب العفاف تميس
ولاحت نجوم السعد وهي زواهر          وغابت بفضل الله عنك نحوس
وجاءك يوم الأنس بالوصل مُذعناً         لأنك في أهل الكمال رئيس
وهذا مطلع من قصيدة لمحمد إسماعيل الأمير ، ومثلاً أخر من مطلع قصيدة فؤاد الصب بالوصل اطمأنَّا للشاعر  محمد بن على عجلان التي يقول فيها :
فؤاد الصب بالوصل اطمأنا       ونال القلب أسمى ما تمنى
وأضحى في ربوع القوم يحيا      قرير العين موصُولا يُهنَّــا

وأيضاً للموشحات والأناشيد  حضور في الموت أهم و أقدم المناسبات وجودية ، فنجد أن هناك قصائد يؤديها النشادين للأمام زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه وللأمام على ابن ابي طالب كرم الله وجهه وللشاعر أبو العتاهية ، وتحمل تلك القصائد في مجملها  رسائل للتذكير والوعظ ومحاولة إيقاظ النفس من غفلتها كمطلع من قصيدة الإمام على كرم الله وجهه :
النفس تبكي على الدنيا وقد علمت        أن السلامة فيها تركُ ما فيها
لا دار للمر بعد الموت يسكنها            إلا التي كان قبل الموت بانيها
من القصائد التي تنشد في هذه المناسبة قصيدة للعلامة لمحمد بن عبدالله الوزير الذي يقول مطلعها :
إليك وجهتُ يا مولاي آمالي         فاسمع دعائي وارحم ضعف أحوالي
أرجوك مولاي لا نفسي ولا ولدي         ولا صديقي ولا أهلي ولا مالي
لما عرفتُك لم أنظر إلى أحدٍ               فلا الرعية أرجوها ولا الوالي
وأخرى للأستاذ عبد الحميد المهدي يقول فيها :
الكل عن دنيا الدناءة راحلُ         من صداها فهو اللبيب العاقلُ
مهما أرتك من البشاشِ فإنها         تسقيك شهداً فيه سُمُّ قاتلً

وهناك الأناشيد التي تشجي وتُبكي وتسمى أناشيد المدرهه أو التسبيح وهي التي تؤدى لوداع الحجيج الذين يهمّون بالذهاب إلى بيت الله لأداء فريضة الحج ، وتؤدى أيضا حين عودتهم بالسلامة،وأناشيد المدرهه تبدأ بتجمع  أهالي الحجيج في منزل في حوشه  ” مدرهه ” ـأرجوحةـ ينشدون الأناشيد وهم على الأرجوحة بعد أن يكونوا قد علقوا علـى  الأرجوحة شيء من أثر الحاج قميصه مثلاً ـ وهو اعتقاد سائد بأن رفرفة هذا الأثر مع الأرجوحة سيجعل من الشوق أرجوحة أخرى تهز قلب الحاج فيسرع بالعودة إلى أهله ـ بهذا العرض البسيط لأهمية الأناشيد والأهازيج الشعبية، يتضح مدى ارتباط المجتمع اليمني عموماً والصنعاني على وجه الخصوص بالأناشيد والموشحات ، التي تعتبر من أهم أشكال الفلكلور الشعبي .
وللثقافة الخاصة التي تتميز بها صنعاء عن غيرها ابتدأً بالمأكولات السائدة و طريقة الملبس التي لم تطالها العولمة حتى الآن ، فالرجل الصنعاني يعتز بالجنبة التي تعتبر أجمل لمسة في زيه وأناقته ، وقد تصل ثمنها إلى عدة ملايين مع مراعاة تفوت ثمنها
، أسواق صنعاء الضيقة تعوضك عن صعوبة المرور فيها باتساع صدرك ورحابته وأنت تسمع تلاوة محمد حسين عامر رحمه الله  الذي يحب أن يسمع تلاوة كل من الأسواق ، تعوضك عن ضيقها بطيبة أهلها وبشاشتهم فهم لا يبخلون بالابتسامة على القريب والغريب  أتباعاً لوصايا المصطفى عليه السلام بأن الابتسامة في وجه المسلم صدقة ،  لذلك ترى تبادل التحايا والابتسامات  ولو عن بعد بين أصحاب  الدكاكين الصغيرة، والتي لا يتسع صدرها إلا للبائع  ، تعوضك أيضا برائحة البن اليمني الذي لو شمها الميت لأفاق ، هذه الروح تراها قد امتزجت بطريقة أو بأخرى في الأناشيد اليمنية التي تحكي الكثير ..فما عليك إلا أن تُرهف السمع .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *