كيفية الخلاص من إمبريالية المعنى… وجهٌ مضاء بجهدٍ معرفي دؤوب : الناقد جورج طرابيشي*

الناقد والمفكر العربي جورج طرابيشي

إشارة : أتحفنا الناقد والشاعر الأستاذ “مقداد مسعود” بهذا اللقاء الرائع الذي أجراه مع الناقد والمفكر العربي “جورج طرابيشي” .. فشكرا له.
حاوره: مقداد مسعود
شخصيا..تهمني جدا كتابات المفكر علي حرب،وأنا مدين لها بالكثير..لكن أن
ينظر إلى نتاجات الناقد والمترجم الفاعل في الحراك الثقافي العربي منذ نصف
قرن عبر منظور ضيق ذاتوي،فأن ألأمر يجعلني في حيرة من أمري..!!
يقول على حرب(لاأعد طرابيشي مفكرا منتجا للأفكار على غرار الجابري أو
آراكون أو العروي،فهو عارض جيد لأفكار سواه، أو يتبنى أفكار سواه،من غير
إعتراف أو إحالة،وهو عبارة عن كشكول فكري، أعني بذلك عجزه عن صوغ
قضية ،أو طرح إشكالية أو إستثمار منهج..أن نقاشاته مع الجابري هي أقرب
إلى الجدل الكاذب..) ..هنا أرى علي حرب يقع في ذات المطب الذي أنتقد
فيه مناوشات الجابري/ طرابيشي التي تموضعت خارج النص ..والمثبتة
في كتاب( أوهام النخبة أو نقد المثقف) للمفكر علي حرب..
كقارىء..لايمكنني ألإستغناء  عن  مدونات هذه المصفوفات المعرفية: علي الوردي/ نوري جعفر/  كاظم حبيب / فالح عبد الجبار/  عالم سبيط النيلي /عبد الرزاق الجبران /  محمود أمين العالم / طه حسين / سمير أمين / أنور عبد الملك / نصر حامد أبو زيد/حسين مروة/ مهدي عامل/  محمد عابد الجابري / محمدآراكون /محمد عبدالله الغذامي/  فاطمة المرنيسي / ناجية الوريمي أبو عجيلة/علي حرب /برهان غليون /حسن حنفي/ عبد الكبير الخطيبي/إدوارد سعيد/ الطيب تيزني/ مطاع صفدي/ صادق جلال العظم/..
بالنسبة لقراءاتي في النقد ألأدبي،فذاكرتي مدينة جدا للنتاج الثر ،الذي مايزال يواصله الناقد الكبير
والمترجم الذي ملىء فراغا كبيرا في المكتبة العربية جورج طرابيشي…أتمنى له عافية ألإبداع..
حين أقرأ طرابيشي أحسني موسوعيا،ويجعلني مهموما معه ومن خلال قلقه،على مستقبل الرواية
العربية،ينظر إليها من بؤرة التحليل النفسي..(أي تطبيق لمنهج التحليل النفسي،هو إعادة إختراع
وبالتالي تطوير له وإخصاب وكل تطبيقه يكتفي بأن يكون تطبيقا يحكم على نفسه  سلفا بالعقم/
ص10/جورج طرابيشي/ المرض بالغرب) قبل شهور إنتهيت من قراءة(إزدواجية العقل)
وهو الجزء الثاني من(المرض بالغرب) وإزدواجية…. مخصص كدراسة تحليلية لإطروحات
المفكر حسن حنفي..وهنا إستعادت شهيتي شهوتها المعرفية،في تكرار قراءتي ل(نظرية العقل:
نقد نقد العقل العربي (1)/دار الساقي/1999) و(إشكاليات العقل العربي: نقد نقد العقل العربي(2)
/دار الساقي/1998) وفيها يرد على المفكر محمد عابد الجابري،ثم كان لزاما علي العودة
إلى(من النهضة إلى الردة/ دار الساقي/ط1/200) وكذلك(شرق غرب/ أ نوثة رجولة)
(الله..في رحلة نجيب محفوظ) (أنثى ضد أنثى)( لعبة الحلم والواقع)(الرجولة وألأيدلوجية)
(ألأدب من الداخل)(عقدة أوديب في الرواية العربية)(رمزية المرأة في الرواية العربية)
وإستعرت(مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة) و(المثقفون العرب والتراث)
(مصائر الفلسفة…) (هرطقات /1/2) (إسلام القرآن إسلام الحديث )( المعجزة أو سبات العقل في ألإسلام)
هل يحق لي المباهلة؟ أنني قارىء متابع للناقد جورج طرابيشي منذ أوائل سبعينات
القرن الماضي لحد آلآن أقرأ نتاجاته وأكرر القراءات لكل مايكتب وإختلف معه
واتساءل ألم يستوقفه ألأدب العراقي؟ غائب طعمة فرمان؟ فؤاد التكرلي؟ شاكر خصباك؟
مهدي عيسى الصقر؟فاضل العزاوي؟ عالية ممدوح؟ علي بدر؟

الحوار مع المعرفي طرابيشي مهيب..سأستعين به،عليه..سأملىء سراج
أسئلتي من زيت كتبه..
*الناقد جورج طرابيشي..ماهي بإختصار حكاية كتابك (المرض بالغرب)؟
*هذا الكتاب هو في ألأصل إطروحة دكتوراه، كان يفترض بي أن أقدمها
إلى جامعة السوربون/باريس الثالثة،لولا أني أمتنعت في اللحظة
ألأخيرة عن تقديمها.
*ممكن..معرفة سبب أو…أسباب هذا ألإمتناع..؟
*أولا.لأنه كان يفترض بي أن أعيد كتابتها بالفرنسية،مما كان يستغرق مني سنتين أو ثلاثا
من العمل ألإضافي، وبالتالي من تأجيل النشر.ثانيا: لأن تقديمها على شكل أطروحة دكتواره
يقتضي التخفيف من طبيعتها النقدية الجذرية،وهو ماكان يتعارض مع غائيتها بالذات من حيث
أني أردتها،بمنتهى الحرارة،إلتزاما بمنطق النهضة في مواجهة منطق الردة،الذي طغى في
الساحة الثقافية العربية
*لكن ثمة تغيرا في ثريا النص؟
*ألعنوان ألأصلي هو(المرض بالغرب،التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي)
لكن ناشر الطبعة العربية ،أرتأى أن يكون العنوان،أقل جارحية،فأتفقنا على إبداله
ب(المثقفون العرب والتراث)..والحال أن العنوان ألأول يكتسب اليوم راهنية جديدة
*أين تكمن هذه الراهنية..بالنسبة للناقد جورج طرابيشي؟
*من ظاهرة ثقافية..تحول المرض بالغرب ألى ظاهرة سياسية،نجد تعبيرها ألأكثر تمييزا
في العمليات ألإرهابية،التي باتت تستهدف منذ 11 أيلول الغرب بماهو كذلك،لاسياسة
فحسب،بل أيضا وأساسا كحضارة،والحال أيضا أن ثقافة كراهية آلآخر،وكراهية حضارة
آلآخر(وهنا الغرب) هي التي تشكلت مهما تعددت وتنوعت المحفزات الخارجية،الينبوع الداخلي
ألأول للأرهاب،ولاسيما أن ثقافة الكراهية،تلك تخصصت في إنتاجها الشريحة المشار إليها
من ألأنتلجنسيا العربية،قد حظيت خلال العقود المنصرمة،وبفضل الحقل النفطي بتمويل مادي
هائل،أتاح لها أن تتحول إلى ثقافة سائدة.
*طيب..هنا ماذا تقصد ب(عصاب جماعي عربي)؟
*عندما نتحدث عن عصاب جماعي عربي،فأننا لانعممه،ليشمل جميع العرب في جميع بلدانهم،
وبجميع أجيالهم وطبقاتهم، بل نخصصه لنقصد به حصرا: الخطاب المعصوب، الذي تنتجه وتعيد
إنتاجه شريحة واسعة من ألإنتلجنسيا العربية منذ الرضة الحزيرانية،وبما أن عصابية هذا الخطاب
تكمن في تثبيته على الماضي،فمن الممكن إذن تحديده،بمزيد من التخصيص،بأنه خطاب التراث أو
الخطاب التراثي،في إنتاج ألإنتلجنسيا العربية المعاصرة،أو مايسمي نفسه بخطاب ألإصالة.
وبما أن كل نكوص نحو ألماضي،يجد مبرراته ودوافعه اللاشعورية في الغالب،في إحباطات
الحاضر،فأن كل خطاب تراثي،يحمل أو يعكس ضمنيا: موقفا من الحاضر، ومن العصر،وبالتالي
من حضارة العصر،ومن هنا صدور الخطاب العربي الحديث المعصوب،في ثنائية شاملة
:مواجهة العصر وبالضد معه،وكأن لاأصالة إلا… في مواجهة الحداثة وبالقطيعة معها،
وإنما لأن كل مرض بالماضي،هو مرض من العصر،فأن خطاب ألإرتداد إلى التراث
غالبا مايقترن عن ضرورة شبه قوية، بخطاب إرتداد عن العصر.
*المبجل ..إستاذي الناقد جورج طرابيشي.. منهجيا ماهو سر إلتزامك ألأبدي بالتحليل الفرويدي
خصوصا وهنا كارل يونغ/ جاك لاكان/  جيرار ماندل /أريك فروم/ حنا فرويد..أعني ان هذه ألأسماء
وسعت في مديات الفضاء الفرويدي للسكلجة؟
*من الناحية المنهجية،هو أن إلتزامنا،بدليل عمل فرويدي النسب،لايمنعنا من البقاء منفتحين على التأويل
اليونغي،أو على التأويل الذي طوره(جيرار ماندل)،فالتحليل النفسي،لم يكن في يوم من ألأيام مذهبا،
وهو ما ألف قط جسما نظيرا ،مكتمل النمو،فهوقيد تخلف مستمر،والتحليل النفسي مهما إدعى لنفسه،
من قوام العلم الموضوعي،هو أيضا فن ذاتي وخصوصيته كمنهج مرهونة بهذا النسق المرتبط
منه،بشخص مطبق المنهج برؤيته ومعرفته وإمتلاكه لإدواته وعمق حدوسه،ورحابتها.
*لنعد..ثانية..إلى كتابك القيم( المرض بالغرب)..أين تتموضع ألأهمية المفتاحية في الكتاب؟
*ألأطروحة المركزية،التي يدور عليها البحث الذي نضعه بين يدي القارىء،هي أن ذلك
المفعول ألإيقاظي التنبيهي،قد إنقلب ضده، أي إلى مفعول تنويمي تخديري وذلك طردا
مع تحول الصدمة ..إلى كدمة أو…رضة
*إجابتك في إختزالها،ستكون صوغا لسؤالي التالي:
كيف يكون التمييز بينهما: الصدمة/ الرضة؟
*أنه ..أنه فارق كمي في المقام ألأول،فإذا كانت حمولة الصدمة من شحنة التنبيه ضد
طاقة إحتمال الجسم،المصدوم،وقابلة بالتالي للهضم والتمثل وإعادة التوظيف،تحولت
إلى قوة دفع وحفر،وكان لها مفعول دوي القصف المنبه من نومة ألإنحطاط،على حد
قول ممثل السلفية الخالصة: راشد الغنوشي
أو مفعول ألمس الكهربائي،الموقظ للقلب
والعقل،من نوم الغفلة،على حد تعبير ممثل السلفية المنوّرة(محمد عمارة)..
وأخيرا مفعول المهماز على حد تعبير ممثل العقلانية(محمد عابد الجابري)..ولكن
بالمقابل إذا كانت شحنة الصدمة من التنبيه،فوق طاقة إحتمال الجسم المتلقي،وغير
قابلة بالتالي للدمج والتوظيف،فيما سنسميه ألأيض النفسي كان لها مفعول عكسي
:فبدلا من أن تطلق في الجسم المعني آليات الدفاع السوي والتكييف الواعي،من خلال
تعرف الواقع ومواجهته(وذلك أمر مرادف للصحوة أو اليقظة)،تطلق فيه على العكس
آلآليات اللاشعورية للدفاع المرضي من خلال العزوف عن تعرف الواقع وعن مواجهته
ومن خلال إلغاء العقل النقدي والعدول عن التعاطي الواقعي والمعرفي مع العالم إلى
التعاطي السحري وألإستعاضة عن الوقائع بالأستتيهامات وعن ألأشياء بألألفاظ ،
والفارق أيضا فارق كيفي: فالصدمة مفهوم فيزيائي في ألأصل. أما الرضة فمأخوذة
هنا بالمعنى النفسي..وتتجلى الطبيعة الفيزيائية للصدمة،في وظيفتها التغييرية
:تغير الذات /تغير الواقع الخارجي معا،فالصدمة ليست مجرد إيقاظ من(نوم الغفلة)
بل هي إستحضار،أيضا على صعيد الوعي،لضرورة التغييرعن طريق التدخل الواعي
وألإرادي في مسار التاريخ،ومن هذا المنظور،جرى في عصر النهضة،توظيف تعبوي
لم يسبق له مثيل للآية (11) من سورة الرعد،التي تم تأولها في غير سياقها بهدف صياغتها
في معادلة لاهوتية/ ناسوتية فذة لجدل التغيير(إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابإنفسهم).
والواقع أن التغيير هو القاسم المشترك بين مختلف ألإستراتيجيات النهضوية في عصر الرواد
وإذا كانت الصدمة،تستفز الوعي،على هذا النحو وتشحذه وتجعله أكثر حساسية بالواقع الخارجي
والداخلي،فأن ما تستفزه الرضة النفسية، بالمقابل،هي القوة السد يمية للاشعور،ويكون من شأنها
بالتالي أن تثلم الوعي وأن تخدر حساسيته وأن تفتح أمامه المسارب للهرب من الواقع بدل مواجهته،
وأن يكون المفعول الوظيفي للصدمة،هو مطلب التغيير، فأن منزع الرضة النفسية هو إلى التثبيت
فبدلا من تسريع النمو يزداد الضعف اللاشعوري من أجل وقف النمو ومن أجل إلغاء النمو، وماكان
مع الصدمة مهمازا، يستحيل مع الرضة لجاما.
*آلآن ..مع النكوص وألإرتداد،وإستبدال القمصان الأيدلوجية،بقيافة السلطات،وإستفحال التشدد
ألأصولي..كيف يرى ألمعرفي جورج طرابيشي حال ألأنتلجنسيا العربية؟
*في (مستقبل الثقافة في مصر) كان طه حسين هذا الداعية النهضوي،قد شخّص أزمة
ألإنتلجنسيا العربية،بأنها أزمة علاقة مع الحضارة الحديثة،مؤكدا على أنه آن آلآوان
لنقبل على هذه الحضارة،باسمين لاعابسين..اليوم بعد مضي أكثر من نصف قرن،
لئن طرأ من تبدل في مواقف ألأنتلجنسيا العربية،فليس في إنقلاب عبوسها إلى
إبتسامة،فهي لاتزال على وضعها ألإنفعالي الذي لحظه عليها،من كان يدعى بألأمس
أي قبل الردة- عميد ألأدب العربي- وإنما الذي أنقلب على يديه من الضد إلى الضد،
هو شعار طه حسين نفسه:فلسان حالها يردد اليوم(لندبر عن هذه الحضارة عابسين
لاباسمين).وأخطر مافي هذا ألأنقلاب،أنه يأخذ في أيام الردة هذه، شكل جانحة ووباء
نفسي..وباء يهددنا جميعا،بدون ضمانة من أية مناعة والوباء لابد أن يوقف عند حده،
وعدواه عن ألإنتشار،وهذا ما يجب أن يكون أمر اليوم على مدى السنوات القادمة في
لائحة مهمات كل مثقف عربي حريص على أن يكتب له النجاة.
*تأثيلا على إستقرائك للحظتيّ الماضي القريب /ونكوص الحاضر..هل ثمة مقرؤية
لإتصالية خطاب..بين العصاب/ السلطة..؟
*إذا ماقيض.. لخطاب العصاب أن يصبح هو أيضا خطاب السلطة،فأن ما سينفتح أمام المثقف
وأمام ألإنسان العربي،في كل بقعة من الوطن، هو مستقبل من الظلامية؟
*على ذكر الظلامية..هل تتموضع الظلامية ضمن التاريخانية؟ أعني الحتم..الجبر ألإجتماعي؟
*الظلامية..رغم كل شيء،ليست قدرا نهائيا..إذ أن العصاب نفسه( مالم ينحط إلى ذهان ) هو بالتعريف
تعبير عن صراع،فمهما يكن من قسوة إحباطات الحاضر،ومن قوة التثبيت الرضي على الماضي والدفع
بإتجاه النكوص،فأن في الدينامية النفسية،قوى دافعة أيضا ..بإتجاه المقاومة والمعاناة والتقدم،وكتابنا هذا
ليصلح في التعليل ألأخير إلى تسليط بعض أضاءات على آلآلية العصابية اللاشعورية،لتكف عن أن تكون
بؤرة خصبة للأيدلوجيا الظلامية ولنتاج فرص أفضل لعوامل الصلة للتغلب على عوامل المرض..
*على ضوء نتاجك الثر..وتحديدا منذ 1977حيث أصدرتك كتابك( شرق وغرب/ رجولة أنوثة)
مرورا ب(مذبحة التراث في الثقافة العربية/طبعته ألأولى 1993) و(من النهضة إلى الردة/ 2000)
(المرض بالغرب/2005)..عبر ضوء جهدك المعرفي: كيف ترى إلى إتصالية الشرق/ الغرب؟
*ثمة شبه إجماع في الخطاب العربي المعاصر،على توصيف لحظة إحتكاك العالم العربي بالغرب
بأنها كانت بمثابة صدمة..وقد تتعدى في الخطاب العربي المعاصر أوصاف هذه الصدمة: فهي تارة
الصدمة ألإستعمارية أو الكولونيالية أو ألأمبريالية..وتارة ثانية الصدمة ألأوربية أو الغربية
وتارة الثالثة الصدمة الحضارية أو صدمة الحداثة،ولكن مهما تعددت ألأوصاف،فأن الموصوف يبقى
واحدا: فالصدمة هي اليوم ،أحدى المفاهيم المحورية التي تحكم وعي العربي لذاته..مدلول الصدمة هو
بالتحديد،تلك الحركة التي تدب في الجسم الثابت فتجعل منه متحركا ثانيا،نتيجة لقوة الدفع التي تلقاها
من المحرك ألأول: هذه العطالة التي آلت إلى حركة،بقوة دفع مخارج لها،هي التي عمدت في الفكر
العربي الحديث،وفي الخطاب العربي المعاصر، بأسم النهضة.. إن زوال ألإستعمار،بشكله ألإستيطاني
وألإحتلال المباشر، لايغير كثيرا،من طبيعة العلاقات بين المستعمر السابق والمستعمر اللاحق فالذكريات
ماتبرح حية،دامية محرقة والمشاعر ماتزال متأججة وألإستغلال ألإقتصادي ألأمبريالي الجديد وغير
المباشرمايفتأ يقوم بنفس دور ألإسترقاق الكولونيالي المباشر،ثم أن ألأمة المستعمرة سابقا،ماتزال
بفعل عملية المثقافة..أي إستيراد ثقافة المتروبول،تحس إحساسا ساحقا بدونيتها(المؤنثة) أزاء
رجولة ثقافة الغرب وفحولتها..أن عملية المثاقفة بإفتراضها وجود طرفين،موجب وسالب،
فاعل ومنفعل،ملقِح وملقَح،تطرح نفسها على الفور كعملية ذات حدين: مذكر/ مؤنث..ولكن
نظرا إلى أن الثقافة الحديثة- نظر القديمة،هي في ألأساس والجوهر ثقافة ذكور.فأن المثقافة
لاتوقظ في الطرف المتلقي،إحساسا بالدونية المؤنثة،بقدر ما تبعث فيه شعورا مرهقا بالخصاء
الفكري والعنة الثقافية،وتحت وطأة هذا ألإحساس،الذي لايطاق ذله،يلوذ مثقف المستعمرة أو المستعمرة
السابقة،أو مايلوذ بماضيه الحضاري، الذي يفترض فيه،أنه ينم هو آلآخر عن رجولة،ويبعث التراث ألأدبي
القومي،الذي كان قبل الصدمة الكولونيالية،نسيا منسيا، يخامر مثقف المستعمرة شعورا مزهوا بالرجولة، هو
بأمس الحاجة إليه أزاء سؤدد الثقافة المتروبولوية،وسيادتها، بيد أن، بعث الماضي الثقافي،لايمكن بحال من
ألأحوال ان يكون كافيا..
*ألتقط من إجابتك السابقة، صوغا لسؤالي التالي: أين تتموضع ضمن التاريخ العربي المعاصر
أول رضة جماعية،أدت إلى عصاب جماعي؟
*..إنها مرة ثانية..دوي القصف، ولكنه هذه المرة ليس دوي قصف المدافع النابليونية، بل دوي
قصف الطائرات ألأسرائيلية التي أذاقت العرب في حزيران 1967 مرارة هزيمة، بدا معها
حلوا طعم جميع الهزائم التي مني بها الوطن العربي قطرا قطرا وأقليما أقليما،في مواجهة
المستعمر الغربي،فرنسيا كان أم إنكليزيا أم طليانيا،على إمتداد الحقبة الكولونيالية،التي بدأت
بإستعمار الجزائر1830 وأنتهت عمليا،مع بعض إستثناءات ظرفية،بفوز هذه ألأخيرة بإستقلالها
عام1962.
•    إذا كانت الهزيمة الحزيرانية  هي رضة عصاب جماعي..من خلال هذه الرضة ..تحديدا..كيف
ترى حرب تشرين 1973؟
*من الممكن هنا أن نفتح قوسين ،لنشير إلى أن حرب تشرين 1973،كان يمكن أن تشق
قناة للتصريف،ولعلنا لانغالي إذا قلنا أن شق قناة للتصريف كان أصلا أحد العوامل الدافعة
إلى إتخاذ قرار حرب تشرين..أن التأويل اللاشعوري لهزيمة 1967 كان هو ذاته تأويلا ذا
مفعول رضيّ،وفي إعتقادنا أن الهزيمة الحزيرانية،قد حررت على صعيد اللاشعور الجمعي
كمية من الحصر النفسي،لاتقل شأنا،عن تلك التي على الصعيد الشعوري.
*بخصوص إجراء المفهمة..هل الخطاب العربي المعاصر،يتطابق كموضوع مع
منهجية التحليل النفسي..؟
*من الممكن الرجوع هنا إلى رأي محللين ذائعي الصيت،لهذا الخطاب،أولهما محمد عابد الجابري
الذي أخضع الخطاب العربي المعاصر،لتحليل إبستمولوجي،وثانيهما برهان غليون الذي
أخضع الخطاب العربي المعاصر: لتحليل أيدلوجي- سوسيولوجي..
الحكم الذي ينتمي إليه المحلل ألأبستمولوجي للخطاب العربي المعاصر،هو بلا مراء
لصالح المنهج،الذي نأخذ به هنا،فهو يقول بالحرف الواحد: يبدو أن معطيات علم النفس
والتحليل النفسي،بكيفية خاصة تجد ما يزكيها في سلوك العرب الفكري أزاء مشروع
النهضة،أما الحكم الذي ينتمي إليه، المحلل ألإيدلوجي- السوسيولوجي للخطاب العربي
المعاصر،فهو يميل على العكس،إلى ألأعلان عن مطابقة،لاللمنهج التحليلي النفسي وحده
بل إلى إدانة مايسميه ب(العلموية الجديدة)إدانة قاطعة دامغة..هذا الهجوم وهو هجوم عودنا
على شنه أصحاب الرؤى الشعبوية،كلما تعارضت الخصوصية ألأصالية التي ينادون بها
مع الكونية العلمية والعقلانية..لئن كان الخطاب العربي المعاصر..يشكو من تضخم قائما
من التضخم ألأيدلوجي،وليس من تضخم(علموي) ولئن كان يشكو من ضمور إنفتاحه
على المنهجيات العلمية الجديدة في مضمار ألإنسانيات وألأجتماعيات..

*ثمة أسماء أستضاءت بها الفاعلية المعرفية وألأدبية في الحراك العربي..يهمنا معرفة
رأيك بأضوائها..؟
*المفكر ياسين الحافظ؟
*لوكان لي أن أحاكي سلامة موسى وأكتب بدوري(تربية جورج طرابيشي) لكان علي أن
أقر بأن مربيّ الكبير كان ياسين الحافظ،مربيّ السياسي حصرا أو مربيّ ألأيدلوجي بتعبير أدق.
أفضى طريق التماس الشخصي والقرائي مع ما أنجز في الستينيات تطوري نحو الماركسية،
الماركسية كشبكة مفهومية لقراءة الواقع..الماركسية كما يحلو لياسين
أن يقول كوعي مطابق.
*المفكر حسن حنفي..؟
*في كتابات حسن حنفي،قدرة كاتبها شبه اللامحدودة،على مناقضة نفسه فهو لايضع القضية إلا لينفيها
ولايبدي رأيا إلا ليقول بعكسه،فكما يفكر كتّاب آخرون بواسطة ألإستدال أو الحدس أو الشطح أو المقاومة
يفكر حسن حنفي بواسطة التناقض.وهذا التناقض،لايكون علامة على فصام أو تجزؤ في الشخصية
بقدر ما يمثل مجهودا لصيانة وحدتها فلولاه لربما تجزأت الشخصية فعلا وكتابات حسن حنفي،لن
تدفعنا إلى الدخول في أي نقاش أو حجاج مع كاتبها،لأن حسن حنفي هو الذي يتولى الرد في كل مرة
على حسن حنفي.
*المفكر محمد أركون…؟
*فشل محمد أركون،في المهمة ألأساسية التي نذر نفسه لها،كوسيط  بين الفكر ألأسلامي والفكر ألأوربي،
أركون لم يعجز فقط عن تغيير نظرة الغرب الثابتة اللامتغيرة إلى ألأسلام،وهي نظرة ذات طابع إحتقاري.
بل هو..قد عجز حتى عن تغيير نظرة الغربيين إليه هو نفسه،كمثقف مسلم مضى الى ابعد مدى يمكن المضي
إليه بالنسبه الى من هو في وضعه من المثقفين المسلمين في تبني المنهجية الغربية وفي
تطبيقها على التراث ألأسلامي.
*نجيب محفوظ…؟
*أضطره التضاد المبدئي بين لغة الفلسفة المجردة ولغة الرواية العينية،إلى تطوير لغة روائية
خاصة تعتمد إعتمادا جوهريا على التورية وتتجذر في ألأزدواجية الدلالية إلى حد ينعكس
على بناء الشخصية الروائية،بالذات..أما العقبة الثانية ..المتمثلة بإختناق الفكر الفلسفي
فقد وجدت بذورها تثميرا إيجابيا في الممارسة الروائية لنجيب محفوظ،إذ أتاحت له
أن ينجز هو آلآخر،في مجال الكتابة الروائية،ضربا من القطيعة ألأبستمولوجية،تمثلت
بتلك النقلة النوعية،من واقعية المرحلة ألأولى،إلى مابعد واقعية(أو رمزية أوميتافيزيقية)..
*..جورج طرابيشي؟
*أنني أنتمي لجيل الرهانات الخاسرة،فجيلنا راهن على القومية وعلى الثورة وعلى ألأشتراكية،وهو
يراهن اليوم،على الديمقراطية،لالقيم ذاتية في هذه المفاهيم بل كمطايا الى النهوض العربي وإلى
تجاوز الفوات الحضاري،الجارح للنرجسية، في عصر تقدم ألأمم،ولست أنكر على كل حال انني
أخترعت لنفسي في مساري الفكري الذي شهد تقلبات لامراء فيها،أباءً رمزيين شتى ولكن علاقتي
المرحلية بكل واحد منهم كانت كعلاقة العربي بصنمه الذي من تمر،فحاجتي الى التمرد أقوى من
حاجتي الى ألإنضواء تحت لواء أب حام.
*في كتابه(خطاب الهوية) يرى المفكر علي حرب( ان العولمة ليست فردوسا ولاجحيما
بقدر ماهي إمكانات للحياة والتفكير والتخيّل فتحت أمام البشر، بتجلياتها المعرفية والتقنية/181)
*ماذا يعني جورج طرابيشي بقوله(العولمة بوصفها مسألة خلافية؟)
*عندما كان فقهاء المسلمين،يعدون مسألة ما بإنها خلافية ،فأنما كانوا يعنون ان الخلاف
فيها جائز وأن ألإجتهاد واجب وان هذا الخلاف وهذا ألإجتهاد،مهما تفارقت آلآراء
لايورثان تبديعا ولا بألأولى تكفيرا،وإنما بهذا المعنى اقول،أن العولمة مسألة خلافية
فهي قابلة لأن تكون موضوع أخذ ورد، قبول ورفض،بدون أن يستتتبع الموقف منها
إيجابا أو سلبا،إدانة  ودفعا بالهرطقة،بل أذهب إلى أبعد من ذلك،فأقول: أن الموقف الموجب
أو السالب من العولمة لايحدد الهوية ألأيدلوجية للمنتصرين لها أو للمنشقين عليها،فليس
نصير العولمة ليبراليا بالضرورة وليس خصيمها محافظا بالضرورة،وليس يندر ان
تلتقي صفوف منتقديها والمتوجسين منها،وهم في الواقع كثر- قوميين أوماركسيين
أو أصوليين،بل يندر ان لا نقع على خصوم للعبة العولمة او على متخوفين ومتحفظين
حتى في صفوف لاعيبيها الكبار
*من مفهوم الخلافية الفقهية،اشتق سؤالي التالي..آلآن تحديدا ضمن لحظتنا الحضارية
المدببة،من هم في رأي المعرفي جورج طرابيشي..ورثة الفقهاء؟
*ان المثقفين هم الذين ورثوا على مايبدو دورالفقهاء هذا،وذلك في عصر النهضة
الذي طرح على العالم العربي،من جراء أصطدامه وإنصدامه،بواقعة التقدم ألأوربي
إشكالية الوافد والدخيل على نحو لم تعهده الحضارة العربية ألأسلامية،حتى في ذروة
إنفتاحها على الحضارات ألأخرى والثقافات المجاورة أو الموروثة..
المثقفون العفويون الذين انابتهم الملابسات التاريخية المستجدة مناب المثقفين التقليدين
اي الفقهاء كحَمَلَة وفَعَلَة معا لوعي ألأمة وصاروا هم المطالبين بألأفتاء،لاعن قاعدة
التحليل والتحريم الدينية،بل على قاعدة القبول أو الرفض ،المقرر في ألأنثربولوجيا
الحضارية،وبدون أن تجازف أكثر من ذلك في تفصيل هذه النقطة،فأننا سنلاحظ أن
العولمة،قد دخلت الى العالم العربي،لاعن طريق الظاهرة نفسها،بل عن طريق مفهومها
في المقام ألأول،فالعولمة لم تتظاهر في بورصة العالم العربي،ولافي أسواقه المنفتحة
ولاحتى في محفظات شركاته المساهمة،بل في أدمغة المثقفين الشموليين القيمين بإرادتهم
أو بوهمهم، على الوعي العام،فمفهوم العولمة المتداول في العالم العربي،هو من إنتاج
المثقفين في المقام ألأول،وبرسم إستهلاكه.
*تأسيسا على مروحة إجابتك الوافية هذه،أشتق السؤال التالي: هذه التداولية
الرثة للعولمة، هل أحتوت المنطقة العربية كلها؟
*الواقع أن هناك بلدا عربيا واحدا،دخل في تماس مباشروفعلي مع العولمة، هو
ألأمارات العربية المتحدة،وتحديدا إمارة دبي بيد أن ضآلة الحجم الديموغرافي
للأمارة وفاقتها لليد العاملة،حالت ولاتزال وبين أن تكون هونك كونك عربية.
*إتساقا مع مفهوم العولمة..كيف تتعامل ألأسماء التالية مع العولمة:
* المفكر برهان غليون…؟
*العولمة بالنسبة لبرهان غليون ألأسم الحركي للأمركة
*المفكر مطاع صفدي؟
*يراها ..مطاع صفدي إمبريالية مطلقة والعولمة عنده هي كلمة،ملطفة للهجوم الشامل
على جميع دول العالم لإخضاعها لإرادة الرأسمالي الخبير؟
*الباحث عبد ألأله بلقزيز؟
*بلقزيز..يعرف العولمة: فعل إغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات ،إنها
رديف ألإختراق الذي يجري بالعنف المسلح بالثقافة، فيهدر سيادة الثقافة في سائر
المجتمعات.
*التنويري محمد عودة؟
*يرى لاعولمة..بل أمركة،فالعولمة معناها الحقيقي ألأمركة.
*المعرفية..يمنى طريف الخولي؟
*يمنى ترى العولمة هجمة شرسة،تشنها الحضارة الغربية،لقهر اللغة العربية
*الباحث حسين أحمد أمين؟
*العولمة هي المرحلة ألأحدث وألأذكى من هذه المؤامرة ألأزلية
*المفكر محمد عابد الجابري؟
*العولمة..لدى الجابري: نظام يقفز،على الدولة وألأمة والوطن وفي مقابل ذلك
يعمل على التفتيت والتشتيت..العولمة بالنسبة للجابري مشتقة من العالم،وتعني
بالعربي الفصيح،نقل إختصاصات الدولة وسلطتها في المجال ألأقتصادي
وألأعلامي ومن ثم في السياسة والثقافة أيضا،الى مؤسسات عالمية،ونزع ملكية الدولة
ونقلها الى الخواص،والخواص في عصر العولمة،ليسوا بالضرورة من أبناء الوطن،
بل هم وينبغي أن يكونوا من أصحاب الرأسمال المالي الذي لاوطن له.
*الناقدة..إعتدال عثمان؟
*ترى إعتدال..أن العولمة لعبة مميتة،وأن المرشح للموت فيها هو ألإنسان.
*شيخ الشيوعين المصريين ..محمود أمين العالم؟
*العالم..تخرجت من تحت قلمه أجيال متتالية، من الماركسيين واليساريين،هو يمضي
الى أقصى مدى وأعمق غورا..في القراءة الكارثية للعولمة بوصفها نهاية النهايات
بل هي النهاية النهائية للنهائيات جميعا.
*أخيرا….كيف ينظر المعرفي الدؤوب الناقد جورج طرابيشي ..للعولمة؟
*قد تكون واحدة من أخطر نتائج هذا ألإستقبال المأتمي للعولمة،ظاهرة ومفهوما
هو ألإنزلاق من رفضها ،الى رفض الحداثة ومن التشنيع عليها الى التشنيع على
الحداثة نفسها..وهكذا  لاتعود الهجائيات المضادة للعولمة تدور حول مسألة خلافية
قابلة لتوظيف أيدلوجي مضاد،بل تغدو تعبيرا عما أسميناه في مكان آخر
عصاب جماعي عربي
*نشر هذا الحوار في ثلاث حلقات/  صفحة ثقافة/ جريدة طريق الشعب..
*العدد/146/ ألأحد/ 16/نيسان/2006
*العدد/147/ألأثنين/ 17/ نيسان/ 2006
*العدد/148/الثلاثاء/18/نيسان/ 2006

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار تربوي يجيب عليه المشرف التربوي فراس حج محمد .

فريق منهجيات: وصلني عبر البريد الإلكتروني، هذه الأسئلة من موقع مجلة منهجيات التربوية (بدر عثمان، …

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.