كريم الثوري : العراق خصوبة الشعر2 رؤية في ( ما قاله الماء للقصب ) لبلقيس الملحم

من ثقب في الجنة
من على جناحي جبريل
نزل وطني
مجللاً بالبهاء
منقوشا بجمال باهر خفي
كعروس من سرمد الروح البعيدة
خلخالها سكري
وضحكتها قصب
القصب الذي مضى بها جنوبا
باتجاه قلبي
حيث هناك
ينزل وطني أول النهار
مثل قلبي
كطفل من زهور
ولأن الماء زاد النهر
سقاه الله من وطني
إلى ثقب في الجنة

تلك هي قصيدة ( صلاة جنوبيّة ) في ديوان الشاعرة السعودية بلقيس الملحم ( ما قاله الماء للقصب )
ما لفت انتباهنا ونوينا الاقدام عليه في طوافنا الجنوبي معها هذه المرة هو تكرار لفظ الجنوب في هذا الديوان في أكثر من مقطع وقصيدة ، الجنوب الذي صار لغزا مُحيرا في الدراسات الإجتماعية ، الإنسانية والتاريخية  ، حتى بات ملجأ قسريا يلجأ إليه المُوحدون بعيدا عن أعين سلطات المركز ، لذلك ليس كثيرا أن يهب الله هذا الركن المُخَلّص  في حلاوته كقصب السكر ،  كل تلك الصفات الجمالية الزاهية :
مُهربّا ( من ثقب في الجنة )
محمولا على جناحي العفة المؤتمنة ( من على جناحي جبريل)
فكيف لا يكون ( مجبولا بالبهاء – منقوشا بجمال باهر خفي)
نلاحظ دقة حجم الرسم من خلال استخدام النحاتة الشاعرة الملحم  ، وهي تحاول لملمة دقة مشاعرها لتصبها على طريقة النقش البطيء دون عجالة من امرها ، وكأنها تصف لنا ليلة معراجها عروسا في طقوس سومرية :
( كعروس من سرمد الروح البعيدة – خلخالها سكري  وضحكتها قصب )
لينتهي هودج زفة العرس في مفصل الجنوب كما هو مرسوم لها ،  كنهر عارف طريق الارواء ، محمولا على شغاف قلبها ،  القصب ،  :
( القصب الذي مضى بها جنوبا باتجاه قلبي )
في هذه الرحلة ( الضومائية ) كما يحلو لنا أن نسميها  ، إبتدأت لعبة الاشراق بمقاربة تنتمي ملامحها إلى جنوب الوطن ( ينزل وطني أول النهار ) ، هذه الإشارة الإشراقية لها صلة بمشرق الشمس / أول النهار / وكما هو معروف في المدن الجنوبية ( ذلك لأننا نتكلم عن العراق ) ، تحديدا عند أقرب المناطق تماسا  بأول النهار ، وما مثل التشبيه ( مثل قلبي ) سوى انتماء صميميا في نزوحه الصوفي ( سنتطرق إلى النزعة الصوفية في مقام آخر )
ودليلنا على ذلك تكرار لفظ  ( مثل قلبي )  مرتين ، مرة بدلالة القصب  الذي هو سيّارة الجنوبيين ، ( وقد مضى بها جنوبا ) ،  وأول النهار وما يرمز إليه إلى أول مطلع الشمس
كما أن الوجه الآخر في تجاذب ال( الضوء – ماء ) كما نرى في المقطع الأخير :
ولأن الماء زاد النهر، سقاه الله من وطني ، إلى ثقب في الجنة
( من ثقب في الجنة كانت بداية الاشراق وإلى ثقب في الجنة كانت خاتمة لملمة الضياء ، كذلك هو الماء… في إشارة إلى حالتي صعود بخار الماء وسقوطه مطرا )
الملاحظة الثانية في هذا السياق المهم  ، ما نلمحه من تجاوب طردي بين: /  الماء والنهرمن جهة  والله والوطن من جهة أخرى /   :

( ولأن الماء زاد النهر / سقاه الله من وطني / إلى ثقب في الجنة )
لاحظوا عملية تصاعد الماء مشفوعا بالوطن بإتجاه غيمة الارواء  ، وقد انفتحت له الجنة عبر ثقب الخواص
ربما هي إشارة إلى دورة المياة في الطبيعة  ، ولكننا نراها  ذات صلة بصلاة الناسك الأخير في معراج التصوف العارف
فالنور على شدة توهجه وشفافية تخطية على طريقة – صلاة جنوبية –  ، ينبعث من مصدر الاشعاع  / من ثقب في الجنة ، ثم ،  إلى ثقب في الجنة ، … مثل قلبي
وهذا ما يدعم حجتنا في القسم الأول حين تكلمنا عن توحد ( الرؤية – الرؤيا ) عند الشاعرة  في ما يُشبه الحدس الاستباقي  ، فمن يرى النور من ثقب في الجنة ، كمن هيأته المقدمات النورانية ، يقل للشيء كن فيكون ، وهذا يدخل في باب الطاقة / الطاعة / الكامنة والتي هي جزء لا يتجزأ من الطاقة الكلية ، كما هو معروف عند بعض المدارس الفلسفية  (ياعبدي  أطعني تقل للشيء كُن فيكون ) .
وفي مقطع من قصيدة ( قُبَل ) نتلمس طعم القُبلة الصوفية في لحظة مقتطعة هي مزيج من احساس التصاق الفراشات بالنور قبل احتراقها  ، وليس مصادفة أن يكون المحفل ( فوق نعاس دجلة  ) :
(قُبل الشعر في دمي تذوب ، مخضرة بك ، تعصر من مائك أنهارا طويلة ، كحلمي الذي ، فوق نعاس دجلة ، كحليب الجنوب ، ثم تحترق… )  النقاط من اجتهاد الكاتب
لنتابع أنسنة مسلسل ( ثم تحترق) الذي تكرر في هذه القصيدة أكثر من مرة :
قُبل الشعر في دمي تذوب ، لونها أنت ، طعمها أنت / ثم تحترق… /
قُبل الشعر في دمي تذوب ، غسقا طينيا ، أصابع ، من منارة في سمائي ، تُحرك نجما ، تُساقط في دمي ، كواكب / ثم تحترق…/
قُبل الشعر في دمي تذوب ، عمرا بأكمله ، تشعل في الماء ، رئة جديدة، تحرث الحب ، فوق تخوم القصائد / ثم تحترق…/
ربما كان حضور( سيزيف الملحم ) طاغيا في الأسطورة الاغريقية ، متبلورا عند متسلقات تصاعد النشيج عند ( بلقيس سيزيف ) قبل صحوتها فاصطدامها بالمطبات ، لكن ذلك لا  يمنع التكرار والمحاولة ،  كل ما كان مجرد أحلام  ترويها  خيوط طفولتها المشاكسة قبل تساقطها في حصار المعنى  ،.. ( ثم تحترق…)
وكذلك في مقطع آخرمن قصيدة ( مُباح )  ، تجد الشاعرة نفسها على طريقة حواء في بعض مفاصلها الاستباقية ، ينتابها ذات الاحساس المازوخي في تمريغ أنف حبها ، مشغوفة بدافع  الطهر قبل السمو ، فما لا يسمح لغيره مرهون به ، كما في الضرورات تبيح المحضورات ، كل ذلك على مذابح العشق ، وكما يحلو لها ولنا في متابعات بحثنا الجنوبي ،  مُحلى بنعناع  (طعم جنوبك ) :
( مباح…، أن تمرغ بحزنك ، أنف حبي ، أن تلوك لي القصيدة ، بطعم جنوبك )
وعلى طريقة ( ثم تحترق ) يتكرر مشهد  المقاطع المُبيحة ، لكن ضربة النص هنا  اختلفت ، فثمة شعور بوضع حد لما يمكن وصفه التوقف عند سقف معين، مرسوم بعناية المشتهى كما هو الملتقى ، لا مباح في فاصلة مشكوك ولاؤها تحول بين ما توافق بين المصدر والمشع :
( لا مباح… / أن تدق مسامير الأفراح / فوق كبرياء النجوم / في سماء الوطن / لا مباح…/ أن يعلم مكاننا وسط هذا التيه / غير أنا وأنت / دجلة والقمر… )

الوركاء أو أوروك
( إنكسرت يا أبي / إنكسرت / سنة أخرى بلا أمي وأنا / أتلو تمائم سومر على جسدي / فلربما تزورني أوروك ) ، مقطع من قصيدة  ” ربما تزورني أوروك ”
وفي مقطع من قصيدة مُبشَّرة بالعراق ، تقول :
( نزلت من الجنة ، عندما استيقظت ، سألت طفلا من بابل… ، فرد عليّ قائلا : مبشرة أنت بالعراق ، مخدرة به ، وبالنطق به ، على صدرك ! )
وليس آخرا مقطع من قصيدة أغنية القصب :
(رباه ، أنت تعرف حكايتي هذه ، بعد وعاء الليل هذا ،  أفرغت فيه ، كل ما أملك من دموع ، فسبي أقفاص صدري سومري ، يلفني بلعنات توجعه ، يغربل فيّ ، أشجار لساني… ، رباه ، إنه يطهو همومه ، بلا ملامح ، فيطعمني الجنوب بأكمله ، هكذا دفعة واحدة ، ما أعذب ماءه ، دب فيها عشق قديم ، من إغفاءة على الأهوار ! )
إقتطعنا هذه المقاطع ذكراً وليس حصرا فقد وجدنا فيها صلة بما يمكن السفر والإحاطة ،  قدر الاقتراب من بعض المؤثرات الحسية القادمة من ذات الصهيل المدوي في وجدان الشاعرة الملحم  ، ما يصب في مجال بحثنا الذي لا يبتعد كثيرا عن أرض سومر ، ( بلاد ما بين النهرين ) ،
ففي قصيدة ( ربما تزورني أوروك ) لا ندري إن كانت الشاعرة الملحم تخاطب المُخلص القرآني الذي يُضاهي  جلجامش / وهو الأجنبي على رواية طه باقر /  في قسوته وجماله وجبروته ، وقد أباح لنفسه دون سواه انتهاك حرمات أوروك مقابل إطفاء لذاته الخاصة ( إنكسرت يا أبي ، إنكسرت )  ومعروف على أقوى الروايات أن جلجامش قد انتصر على مدينة أوروك وأخضعها لسلطانه وجبروته  ، لذلك نرى تبعا لهذا الانتهاك بات حلم الشاعرة تناصا مع حلم أوروك في عودة  رغبتها المُصادرة لإحياء الحاضن الأسطوري تحت عنوان الأم ؟
وسواء كان التأويل قريبا من المعنى أو لا ، لا يخفى على المتتبع تأثرها وأنقياد مضامينها في هذه القصيدة انسجاما مع روحها التواقة إلى الخلود على طريقة أوروك الأصل في قصدها ، وكما في المقطع الوارد ذكره في قصيدة ( مبشرة بالعراق) حيث نراها تقول على طريقة محاكاة الاسطورة الحكمية ، ما يدعم حجتنا فيما ذهبنا إليه في مقطع ( ربما تزورني أوروك ) ، بلقيس الملحم أنتقلت خطوة إلى الأمام  فقد كشفت عن هدفها الأبعد ، فما الهدف من زيارة أوروك لها سوى لأنها  ( مُبشَّرة بالعراق القرآني ربما ،  نقول ذلك مُجازفين بخلاف العادة تماشيا مع الموضوعية والتجريد ) مدعومين بنزولها المعنون ( نزلت من الجنة )  ، ونرى هذا التماهي أيضا شديد الوضوح في مقطع من قصيدة ( ابنة أبي أنا ) إذ تقول : / بلقيس… سيكون لك شأن عظيم يابُنيتي ، هناك قلب لا ينام ، لا ريح تصفع ، ولا طين يصدأ ، …. هناك الله يبعث الأنبياء ، دون أن يعلن عنهم / ، فهل أرادت من وراء ذلك  أن تُحاكي  النص الاسطوري من خلال النص القراني ؟
أما المقطع الثالث في قصيدة فرح ( عذاب الحياة الجميل ) ، نراها على طريقة الجنوبيات في رحلة مزاوجة الحزن بالأمل ،  متوسمة الحلم المنشود في حالة رجاء طال انتظاره   ، تقول في ذلك / فمازلت صابرة على وسن الظمأ ، حالمة من فمك ، أخصف بهدبي المجنون جنوبا ،  قصب ترابك /
فكيف يكون القاتل المقتول معشوقا على نخلة ؟
ذلك ما نراه منسجما مع طبيعة ما نعرفه وعشناه وكُتب عنه تماشيا عبر الأثر فيما يعرف بالجنوب ،  والأجواء الموحية والتي انعكست حتى على طبيعة التفاصيل الدقيقة في البنيان الإجتماعي والإقتصادي والسياسي بل وحتى العمراني ، ما جعل الجنوبيين  موهوبين متّسمين بمسحة الحزن ، ممزوجة بسحناتهم المطحونة بذهب الشمس ، فكل نواح له صلة بهم ، سواء كان التماس قادما من أرض الجزيرة العربية على طريقة بلقيس الملحم  ، أو من أقاصي البلدان البعيدة ، نقول ذلك من باب الزهو بالحزن  ، على أنه أجمل ما نملك في طريق الفرح الحقيقي  ، ذلك الذي يقترب من رقصة الفراشات  ، وهي تلوذ في توهجها المشع ، قبل أن يفضحها السر :

سأفضح السِّر
وأضرب في منافي الدروب
هذا زمن تحبل فيه الصخور
ألا ترى كم وردة تهتز من بينها
أنا من ترقد النخلة بين نهديها
صنو خاصرتك سأجني رحيقي
وناصية سمائك سأضع وزر بكائي
أحمل رعودي معي
كأني أبحث عن ربوة نائية القُبلة
من وحي الله
…..
فما أنا سوى :
مُبشرة بالعراق
رأيتني في المنام
انعطف يمينا مع صوت بعيد
بات مني قريبا كالوريد
همس الملك
بينما أفتح شبابيك الدنيا
لحظة عرس
قبل أن يحف بجناحيه قائلا :
سوف تدخلين الجنة ! علامة التعجب من عنديات الكاتب
سترينها بأم عينيك الآن
بين يدي نهر طويل
شاسع أزرق
عميق جدا جدا
وعلى ضفتيه
وقفت غابات من النخيل
والسماء التي لم أعرف لها حدود
بيوت القصب كانت شاخصة أمامي…
وفي ختام دهشتنا معها نُغني معا ،  ما توافق مع جنون تجوالنا معها ، فثمة فيض يتوسع في مآقينا ، حتى أيقظَ مضاجع الغياب :
منذ العراق
والجنوب
والأهوار
جُن يسكنني…
لنا عودة في تناول العراق في المنجز الشعري لبلقيس الملحم  بإذن الله تعالى
شكرا بلقيس الملحم

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

|| الناقد الراحل د. حسين سرمك حسن : تحليل رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم | الحلقة الثالثة(ملف/153) .

هل يمكن أن تتفق هذه المعلومات مع تسلسل أحداث حكاية أحمد التي قصّها علينا الراوي …

| صباح الأنباري : ميكافيلية الغزل في حكايات حميمة (*) .

  العنونة (حكايات حميمة) تشي هذه العنونة بوجود مجموعة حكايات أو مرويات ينقلها لنا الحكواتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *