رمزي العبيدي : علي الندة موهبة لمْ تكتملْ بعد

شارع أبو نواس في الستينيات

نشرَتْ جريدة ( الزمان ) الدولية بطبعاتها المختلفة : الدولية والعربية والعراقية ، بعددها ( 4042 ) الصادر يوم السبت 12 / تشرين الثاني / 2011م ، وفي الصفحة ( 13 ) منه ، قصيدة للأستاذ علي الندة ، بعنوان : ( قفْ للحكومة ) ، قلتُ : ( قصيدة للأستاذ ) ولم أقلْ : ( قصيدة للشاعر ) ، لأنَّ هذا الرجل يبدو أنَّه يحاول أنْ يكونَ أو يصبحَ شاعراً ، وأعتقد أنَّ لديه القدرة على ذلك ، وربَّما سينجح إذا عرفَ أو حاول أنْ يعرف الفرق بين الضرورة الشعرية والخطأ اللغوي ، وسأشرح له ولغيره في غير مقالتي هذه هذا الفرق ، بعد أنْ أبيِّن أولاً الأخطاء اللغوية التي ورَّط نفسه فيها ، وتورَّطَتْ معه جهة النشر التي نحترمها جميعاً ، وهي جريدة ( الزمان ) في أخطاءٍ أخرى كثيرة ، هي طباعية أو مطبعية لم ينتبه إليها مصحِّحوها في بغداد ، قلتُ : ( في بغداد ) ، لأنَّني أعتقد أنَّ مَن يحرِّرونَ الصفحة ( 13 ) منها التي تصدر في نفس اليوم في مختلف طبعاتها ، هم المحرِّرونَ الذينَ يعملونَ في مكتبها ببغداد ، وربَّما أكون مخطئا ً في اعتقادي هذا ، لا أدري وليس هذا هو المهم ! .
قبل كلِّ ذلك لا بُدَّ لي أنْ أشير إلى أمورٍ أربعة :
1. لا علاقة لي بالحكومة العراقية التي استهدفها الأستاذ علي الندة في قصيدته ، مع تسجيل إعجابي بالمعاني الحقيقية أو التوصيفات والنعوت التي أطلقها عليها ؛ وأجده مقصراً في هجائها وذمِّها لأنَّها حكومة تمثِّل دولة للأوغاد والسَفل ، وبما أنَّني لستُ بشاعرٍ أو ولا أتمكَّن من قول الشعر ذاماً هاجياً لها معه ، ذلك لانعدام الملكة الشعرية عندي ، لذا فإنِّني سأردِّد عنها وأقول قول الطغرائي في مطوَّلته أو لاميَّته المشهورة التي مطلعها :
أصَالَةُ الرَأي صَانَتْنِي عَن الخَطَل
وَحِيلَةُ الفَضْلِ زَانَتْنِي لَدى العَطَلِ

مَجدِي أخَيراً وَمجدِي أوَّلاً شَرَعٌ
والشَمسُ رَدْأَ الضُحَى كالشَمسِ فِي الطَفَلِ

وأريد من هذه اللامية الخالدة قوله فيها :
مَا كُنْتُ أُؤْثِرُ أنْ يَمْتَدَّ بِي زَمَنِي
حَتَّى أرَى دَولَةَ الأوغَادِ والسَفَلِ

تَقَدَّمَتْنِي أنَاسٌ كَان شَوطُهُمُ
وَرَاءَ خَطوِيَ إذْ أمشِي على مَهَلِ

هذا جَزَاءُ امرِئٍ أقرَانُهُ دَرَجُوا
مِن قبلهِ فَتَمَنَّى فَسْحَةَ الأجَلِ

2. إنَّ قصيدة ( قف للحكومة ) تدخل في باب السرقات الشعرية ، والسرقة الشعرية   هي : أنْ يأخذ واحدٌ ما شعر غيره أو بعضه وينسبه لنفسه ، وهي على ثلاثة أنواع : النسخ أو ما يعرف بـ ( الانتحال ) ، والمسخ أو ما يعرف بـ ( الإغارة ) ، والسلخ أو ما يعرف بـ ( الإلمام ) ؛ وبالتحديد تدخل هذه القصيدة في النوع الثاني من السرقات الشعرية ، وهو المسخ أو الإغارة ، فقد أخذ الأستاذ الندة بعض اللفظ من قصيدة أحمد شوقي :
قُمْ لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبْجِيْلا
كادَ المُعَلِّمُ أنْ يَكُونَ رَسُولا

ليورِّط نفسه بعد ذلك في التقيُّد بقافية شوقي ( لا ) ، وبحره العروضي الذي هو بحر ( الكامل ) وهو ما لا يُشتَرَط في هذا النوع الثاني من السرقات الشعرية ، ومن هنا وقع في الخطأ اللغوي الذي سنبيِّنه لا حقاً ، وقد نمدحُ له هذه السرقة الشعرية ، لأنَّ نظمه امتازَ بحسنِ السَبك ، مع النظر أنَّني ألحظ في سرقته الشعرية هذه اختلاف الغرض الشعري بينه وبين شوقي ، فقد أراد كاتبنا الندة هجاء الحكومة ، وأراد أمير الشعراء مدح المعلِّم ، وهذا الأمر من النوادر التي شخَّصتها من قراءاتي لنماذجٍ ونصوص من السرقات الشعرية ! ، فمن المعتاد تطابق الأغراض الشعرية في تلك السرقات .
3. للأستاذ الندة كاتب الأبيات قابليةٌ جيِّدةٌ في النظم عليه أنْ يطوِّرها بقراءة النصوص الشعرية القديمة في التراث العربي ، مع قراءة شروحاتها أو الاستعانة بقواميس اللغة لفهم معانيها ، والابتعاد عمَّا أشرْتُ له به من السرقات الشعرية ؛ أو يترك الشعر لأهله إنْ لم يرتضِ لنفسه أنْ يسمع نصيحتي ؛ وهو عندي أفضل وأحسن من شويعري ما يسمُّونها أو يطلقونَ عليها ( قصيدة النثر ) ، فليس للنثر قصيدة لأنَّه ـ وببساطة ـ نثرٌ ؛ وانتظروا منِّي ـ قريباً أو بعيداً ـ عن النثر وقصيدته المزعومة بحثاً ضافياً ، أطلع عليكم به بعدما أنتهي من بحث بعض نماذجٍ كتبها شويعروها .
4. بفضل قصيدة الأستاذ علي الندة هذه ـ ( قف للحكومة ) ـ أو بسبب قراءتي لها وانتباهي على ما ورد فيها من أخطاء وهفوات لغوية ، كتبْتُ بحثاً ضافياً عن ( الضرورة الشعرية والخطأ اللغوي ) ، تساءَلتُ فيه : ( هل يجوز للشاعر ما لا يجوز للناثر ؟ ) ، وأخـذتُ فيه : ( نماذج من نقد الشعر العربي ) ، وبقراءته يمكن للأستاذ الندة أنْ يعرف الفرق بين الضرورة الشعرية والخطأ اللغوي ؛ وكتبتُ فيه : (( إنَّ الضرورة الشعرية هي : ما اعتاد النحاة القدامى أنْ يطلقوه على ما ورد في شواهدهم الشعرية ـ التي يريدونَ منها إثبات صحَّة قاعدةٍ نحويةٍ أو فرعٍ منها قد يكون نادراً أو شاذاً ـ من الشواذ والنوادر التي وردَتْ في شعر العرب الأقدمينَ من الجاهلية حتى بشار بن برد [ 65 ـ 167هـ ] ـ [ 713 ـ 783م ] ، فقد كان آخر الشعراء الذين استشهد سيبويه بشعره ، ذلك بعد أنْ هدَّده بشار بأنَّه سيهجوه شعراً وينال منه إذا لم يستشهد بأشعاره ، ففعل سيبويه مرغماً ، ولأنَّ سيبويه  فعل ، فقد استشهد غيره بشعرٍ لبعض شعراءٍ غير ابن برد من الذين سبقوه ، وانتهى الاستشهاد الشعري به ، وكانتْ نيَّة سيبويه أنْ يوقف الاستشهاد حتى شعراء النقائض ـ جرير والفرزدق والأخطل والراعي النميري ـ لذا فلا ضرورة لشاعر بعد بشار بن برد ، وما ورد في أشعار مَن توفي بعد عام ( 167هـ ـ 738م ) فإنَّه يقع في باب الخطأ اللغوي ) ، إذن لا علاقة للخطأ اللغوي بالضرورة الشعرية التي توقفتْ عند بشار بن برد ذلك الداهية الأعمى البصر مفتوح البصيرة نافذها .
***
وتتلخص أخطاء الأستاذ علي الندة في هذه القصيدة بما يلي :
* البيت الأوَّل :
قُفْ لِلحكومة وافها التَبْجِيْلا
فَالشَعبُ كُلُّ الشَعبِ صَارَ ذَلِيلا

كان عليه أنْ يقول كما قال شوقي ( وفِّها ) ، أي : أدِّ لها ، لا ( وافها ) بمعنى : اذهب إليها ؛ وسأتساهل معه بأنَّ أعدَّ هذا الخطأ مطبعياً ، مع أنَّني أعرف أنَّه ليس كذلك وأنَّه أراد التغيير أو التبديل في تعبيرات شوقي لكنَّه لم يوفَّق بما أرادَ ، لكنَّني لا يمكن أنْ أبرِّر له بقيَّة أخطائه اللغوية في هذه القصيدة ؛ ولا بُدَّ أنْ أشير إلى أنَّه كان موفَّقاً في الشطر الثاني من هذا البيت توفيقاً كاملاً ، فقد راقني وأعجبني التعميم الذي استخدم له كلمة ( كلُّ ) ، مع أنَّنا نحن نقاد الأدب لا نحبُّ التعميم ، بل نمقته ونتجنَّبه وننتقد معيبينَ مَن يستعملونه ، فنعم له وصحَّ لسانه لأنَّ كلَّ شعبنا العراقي المسكين صارَ ذليلاً بفضل دولة الأوغاد والسفل ـ التي نوَّهْتُ بها قبلاً ـ وحكوماتها الفاشلة ، أو في ظلِّها .
* البيت الثالث :
بِاسْمِ العروشَ يُبَاعُ شَعْبُ كَامِلُ
لِيَذُوقَ مِن ذُلِّ الهوانِ فصولا

الصحيح أنْ يقول : ( بِاسْمِ العروشِ يُبَاعُ شَعْبٌ كَامِلٌ ) ، لأنَّ ( العروش ) مضاف إليهِ مجرور ، ونائب الفاعل وصفته للفعل ( يُبَاع ) ـ ( شعبٌ كاملٌ ) ـ نكرة مع نعتها ، وهي واجبة التنوين ، وهو لم ينوِّنها أو يتركها بدون حركة فأنوِّنها أنا له ، لذا أستبعد أنْ يكونَ خطأه هنا مطبعياً .
* البيت الرابع :
إِنَّا انْتَخَبْنا والعراقُ مُرَادٌنَا
اتَظُنٌ هذا الشعْبٌ كَانَ عَجُولا

لأوَّل مرَّة في حياتي أرى ـ وأتمنَّى أنْ تكونَ الأخيرة ـ تنوينَ الضمِّ يأتي مع المضاف ذلك في قوله : ( مُرَادٌنَا ) ، ولا أدري ما هي القاعدة النحوية التي سوَّغَتْ له ذلك ، وينطبق ذا الكلام على تنوينهِ للمُعَرَّف بـ ( ال ) التعريف ، في قوله ( الشعْبٌ ) ، أمَّا قوله : ( اتَظُنٌ ) ، ففيه مصيبتي المصائب ، لأنَّ هذه الهمزة التي كتبها بطريقة أو على طريقة همزة الوصل ـ بدون الرمز ( ء ) ، هي في الحقيقة لا همزة وصل ولا همزة قطع ، بلْ هي همزة الاستفهام التي يجب ترك مسافة بينها وبين الكلمة عند الطباعة ، هذا أولاَّ أو هذه هي المصيبة الأولى ، والمصيبة الثانية ـ التي هي أكبر وألعن ـ تكمن في أنَّ الأستاذ علي الندة نوَّن الفعل ( تظنُّ ) ، فكتبه هكذا ( تظنٌ ) ، والصحيح أنْ يكتبه كما كتبته له ، وهذه سابقة في الخطأ اللغوي ربَّما لم يسبقه غيره لها .
* البيت السادس :
خَدَعُوا العِرَاقَ بِقَولِهِم إِنَّا لَهَا
وَبِقَولِهِم إِنَّا لأبْنَاءِ العِرَاق ِ مُعِيْلا

الصحيح أنْ يقول : ( معيلونَ ) بالجمع لا بالإفراد ، وبالرفع كخبر لـ ( إِنَّ ) المشَّبهة بالفعل لا بالنصب ، كما فعل في قوله : ( مُعِيْلا ) ، ولا تبرر له الألف في قوله : ( مُعِيْلا ) على أنَّها ألف الإطلاق ، وأنَّه استخدم ( معيل ) بالإفراد لا بالجمع ، لسببينِ أولهما : إنَّ ألف الإطلاق تأتي قبلها فتحة النصب ، وهي تسمَّى بألف الإطلاق لأنَّها تُطلَق بها هذه الفتحة السابقة أو تُطلِقها هي ، ومحلُّ الكلمة المقفَّى بها الرفع ، وثانيهما : إنَّه لا يجوز له الإفراد في هذه الحالة لأنَّه يتكلَّم بصيغة الجمع .
* كَثرَتْ أخطاء الأستاذ علي الندة الإملائية ، فقد رأيْتهُ يضع الضمَّة محل التنوين ، والتنوين محلَّ الضمَّة ، في الأبيات : ( 7 ، 8 ، 9 ، 10 ، 11 ، 12 ، 14 ، 15 ، 16 ، 18 ، 20 ، 21 ، 22 ، 27 ، 29 ) ؛ فقـد كتب : ( [ سبيلٌهم ] 7 ، [ الموتٌ ، الضحكٌ ] 8 ، [ مالهٌم ] 9 ، [ الشعبٌ ، الصبرٌ ] 10 ، [ يورثٌ ] 11 ، [ قـدرٌ ( الثانية ) ] 12 ،  [ جرحٌ ] 14 ، [ الحكامٌ ] 15 ، [ كفاكمٌ ] 16 ، [ وٌلد ] 18 ، [ لاقمتٌ ] 20 ، [ وخلقتٌ ] 21 ، [ وخلقتٌ ] 22 ، [ صرتٌ ، الدمعٌ ] 27 ، [ العيشٌ ] 29 ) ، والصحـيح أنْ يكتبَ : ( سبيلُهم ، الموتُ ، الضحـكُ ، مالهُم ، الشعبُ الصبرُ ، يورثُ ، قدرُ ، جرحُ ، الحُكَّامُ ، كفاكمُ ، وُلِدَ ، لأقمْتُ ، وخلقتُ ، وخلقتُ ، صرْتُ ، الدمعُ ، العيشُ ) بالترتيب ؛ ولأنَّها كثرَتْ ـ أي الأخطاء الإملائية ـ فقد قرَّرْتُ أنْ أعزلها مجملاً فيها ومشيراً إليها ومصحِّحاً لها بدون كتابة الأبيات التي جاءَتْ فيها ، واكتفيْتُ بالإشارة إلى أرقامها كما فعلْتُ ، ذلك لأعزلها عن الأخطاء النحوية التي ورد بعضها في نفس الأبيات ، وسأتجاوزها بكتابة صحيحة عندما أكتب أبياتها ، واضعاً خطاً تحت الكلمة التي سأصحِّحها أو صحَّحتها .
* البيت الثامن :
المَوتُ أمسَى فِي العِرَاق فَرِيضَةٌ
والضحكُ أمسَى فِي العِرَاق ِعَوِيلا

الصحيح أنْ يقول : ( فريضةً ) لا ( فريضةٌ ) ، لأنَّها تعرب خبر ( أمسى ) التي هي من أخوات ( كان ) الناقصة .
* البيت الحادي عشر :
واظنٌ انَ الصَبرَ يورثُ ذلةَ
واظنٌ صَبرَكَ يَا عِرَاقٌ ثَقِيلا

هنا عاد الأستاذ علي الندة إلى تنوين الفعل ، فقد نون الفعل المضارع ( أظنُّ ) في موضعينِ ، وكتبه أيضاً بلا همزة : ( واظنٌ ) ، والصحيح ما كتبته له ، وهذه الهمزة هي همزة حروف الزيادة على الفعل الماضي ليصبح مضارعاً وهي معروفة بهمزة ( أنيتُ ) ، ثمَّ يكتب الحرف ( أنَّ ) المشبَّه بالفعل هكذا ( انَ ) ، وأراه لا ينون المفعول مع أنَّه نكرة فيقول : ( ذلةَ ) ، والصحيح : ( ذلةً ) ، وآخر ما فعل في هذا البيت أنَّه نوَّنَ المنادى النكـرة المقصودة ، فقال : ( يا عراقٌ ) ، والصواب : ( يا عراقُ ) .
* البيت الثاني عشر :
قَدَرٌ وَهَل قَدَرُ العِرَاق ِ مَصَائِبٌ
كَمْ أزَّرَتْ كَفُ الطُغَاةِ عُذولا

لا يجوز في الشعر أو في غيره تنوين الممنوع من الصرف أو صرفه كما فعل الندة في ( مصائب ) كاتباً لها : ( مصائبٌ ) ، ناسياً أو غير عارف أنَّها على صيغة ( مفاعل ) الممنوعة من الصرف ، وقد تساهلتُ معه بأنْ عددْتُ له خطأه في تنوينه لـ ( قدر ) الثانية ، خطأً إملائياً ، والحقيقة غير ذلك فهو قد نوَّنَ هذه الكلمة باعتبارها نكرة لكنَّه نسي أنَّها مضافة إلى معرفة ، وبذا لا يجوز تنوينها .
* البيت الثالث عشر :
تَاهَ الطَرِيق فَأينَ أينَ شُمُوعُكُم
مَا لاحَ فِي الأفق ِ البَعِيدِ دَلِيلا

الصحيح أنْ يقول : ( دليلٌ ) لا ( دليلا ) ، لأنَّ المحل الإعرابي لهذه الكلمة هو فاعل للفعل ( لاح ) ، وعن الألف فيها  أ هي ألف الإطلاق أم لا ؟ ، أقول راجعوا ما كتبتُ عنها في نقد البيت السادس من هذه القصيدة .
* البيت الرابع عشر :
جُرحُ العِرَاق ِ قَصَائِدٌ مَذبُوحَةٌ
كَمْ أنجَبَتْ تِلكَ الجراحِ سيولا

مرَّة أخرى يصرف صيغة ( مفاعل ) الممنوعة من الصرف ، فيكتب : ( قصائدٌ ) ، والصحيح أنْ يكتب ( قصائدُ ) ، وبعدها يجر الاسم المعرَّف بالألف واللام الذي جاء بعد اسم الإشارة ( تلك ) فيكتب ( الجراحِ ) بكسر الحاء ، والصحيح : ( الجراحُ ) لأنَّه يعرب بدلاً من اسم الإشارة ذاك ، والذي هو مبنيٌ في محلِّ رفعٍ فاعل للفعل ( أنجبَ ) المتصلة به تاء التأنيث الساكنة ، والبدل يتبع المُبدَل منه كما هو معروف ، أو كما تقول القاعدة النحوية .
* البيت الخامس عشر :
يَا أيُّهَا الحُكَّامُ يَكفِي ذِلَّةً
هَلْ كَانَ فَي تَنصِيبِكمْ تَنزِيلا

إنَّ محَّل اسم ( كان ) الناقصة من الإعراب هو الرفع لا النصب ، فالصحيح أنْ يقول أو يكتب : ( تنزيلٌ ) لا ( تنزيلا ) كما قال ، وعن هذه الألف التي جاءَتْ بعد ( تنزيل ) في هذا البيت الخامس عشر ، وبعد ( دليل ) في البيت الذي يليه الذي هو السـادس عشر ، وبعد ( أصول ) في البيت الذي بعدهما الذي هو السابع عشر ، أقول كما قلتُ سابقاً في نقدي للبيتينِ السادس والثالث عشر ، ولا داعي للتكرار بأنَّها ليسَتْ ألفاً للإطلاق ، أو لا يمكن عدُّها كـذلك ، ولا أدري ما هي ؟ ، أو من أين جاء بها الأستاذ الندة ! .
* البيت السادس عشر :
يَا أيُّهَا المُتَحَزِّبُونَ كَفَاكُمُ
لا لَيسَ فَي ظُلمِ الشَعبِ دَلَيلا

وأجدني مضطراً إلى أنْ أكرِّر نفس الكلام الذي قلته في البيت السابق ، عن أنَّ محلَّ اسم كان من الإعراب هو الرفع لا النصب ، فكان عليه أنْ يقول : ( دليلٌ ) لا ( دليلا ) كما قال ، أمَّا قوله ( الشعبِ ) فليس فيه خطأ لغوي ونحمد الربَّ على ذلك ، لكنَّ فيه خطأً عروضياً ، فالصحيح أنْ يقول: ( الشعوب ) ، بغض النظر عن الخطأ اللغوي الموجود في القافية .
* البيت السابع عشر :
لا لَيسَ في ظُلمِ الشُعُوبِ مراتبٌ
اوكَانَ فِي عُرفِ الطُغَاةِ أصُولا

هنا ألاحظ أنَّ الأستاذ الندة يكرِّر نفس الأخطاء ، فقد صرف صيغة ( مفاعل ) الممنوعة من الصرف بتنوينه لها في قوله ( مراتبٌ ) ، والصحيح : ( مراتبُ ) ؛ وقد نصب اسم الفعل الناقص ( كان ) فقال : ( أصولا ) ، والصواب : ( أصولٌ ) ، وزاد الطين بَلَّةً بأنْ كتب ( اوكانَ ) هكذا ، والصحيح أنْ يكتبها هكذا ( أوَ كانَ ) ، بأنْ يضع الرمز ( ء ) فوق الألف لأنَّها همزة استفهام ، ويدمجها مع حرف المدِّ الزائد ( الواو ) المفيدة ندباً ، ويفصلهما عن الفعل عند الطباعة .
* البيت الثامن عشر :
كُلٌ يَرَى في حِزبِهِ وُلِدَ الهُدَى
اتَظُنُّ نَفسَكَ سَيِّداً وَرَسُولا

أعود هنا لأكرِّر أنَّه كان يجب عليه أنْ يضع الرمز ( ء ) فوق الألف ، لأنَّها همزة استفهام كان يجب عليه فصلها عن الفعل عند الطباعة ، ليس هذا هو المهم لأنَّني شخصته في هذه القصيدة من قبل ، فالمهم أو الأهم خطأه في قوله ( سيِّداً ورسولاً ) ، فصوابه على وجهين ، أولهما : أنْ يحذف الواو من بينهما فيقول : ( سيِّداً رسولا ) ، باعتبار أنَّ الفعل المضارع ( تظنُّ ) يمكن أنْ يتعدَّى لمفعولينِ ، فلا معنى لهذه الواو العاطفة بينهما ؛ وثانيهما وهو الأرجح عندي : أنْ يبدل واوه هذه التي يصرُّ عليها بـ ( أم ) المعادلة ، وهي  حرف العطف الذي يأتي مع همزة الاستفهام في مثل هذه المواضع ، فيقول : ( سيِّداً أم رسولا ) ، وهذا هو الأقرب للمعنى الذي يقصده الندة ، لذا رجَّحته وفضَّلته لي وله .
* البيت الثاني والعشرون :
وَصَنَعْتُ مِن جُوعِ الفَقِيرِ مَعَاوِلاً
وَخَلَقْتُ مِن نَخْلَ العِرَاق فُلُولا

هنا يطالعنا الأستاذ الندة بعكس ما عوَّدنا عليه أو ما تعوَّدناه نحن منه من خطأ في هذه القصيدة ، فهو يمنع المصروف من الصرف في قوله : ( نخلَ ) ، والصحيح أنْ يقول بكسر الكلمة : ( نَخْلِ ) ، فلا مبرِّر ولا تأويل لفتحه لها .
* البيت الثامن والعشرون :
أَوَ بَعدَ ذَاكّ العِزِّ تَحيَا ذِلَّةً
أَوَ بَعدَ عَافِيَةِ غَدَوْتَ عَلِيلا

لم أفهم أو لم أعِ تلك الشدَّة ( ّ ) الموضوعة فوق اسم الإشارة ( ذاك ) ، فقد كتبه الأستاذ الندة هكذا ( ذاكّ ) ، والصحيح أيضاً ما كتبته أنا له بلا شدَّة ؛ أمَّا عدم تنوينه الاسم النكرة غير المضافة في قوله ( عافيةِ ) ، فلم أجد له مسوِّغاً كذلك ، فالصحيح أنْ يكتبه بالتنوين هكذا : ( عافيةٍ ) .
* البيت الثلاثون :
لكنَّما الأَحزَانُ فِيكَ طويلةً
إِنِّي رَأيْتُكَ كَالحُسَينِ قَتِيلا

الصحيح أنْ يقول : ( طويلةٌ ) لا ( طويلةً ) كما قال ، لأنَّ كلمة ( طويلةٌ ) تعرب خبراً للمبتدأ الذي هو ( الأحزانُ ) ، ولا يعربان كلاهما معاً اسم وخبر للحرف المشبَّه بالفعل ( لكنَّ ) ، لأنَّ الـ ( ما ) التي دخلتْ عليه أو جاءَتْ معه هي : نافية كافة لعمله ، وبذا يأتي بعده مبتدأ وخبر مرفوعان ، وبدون وجود هذه الـ ( ما ) أيضاً أو بحذفها ، يجب الرفع على أنَّها ـ كلمة ( طويلة ) ـ خبر للحرف المشَّبه بالفعل ، وحذارِ حذارِ من التأويل ، أو لا يصحُّ التأويل هنا مطلقاً ، بِعَدَّها حالاً أو غيره ـ صفة أو نعت ـ لأنَّ الخبر أقوى من الحـال وغيره .
* البيت الحادي والثلاثون :
بِاسمِ التَحَرُّرِ قَد لَقِيْتَ مهانةً
وَغَدَوْتَ يَا هذا العراقَ ذَلِيلا

عذراً من الأستاذ علي الندة ، لأنَّ هذا البيت ليس فيه أيُّ خطأ لغوي ، لكنَّني كتبته للفائدة ، فالأستاذ علي الندة نصب كلمة ( العراق ) التي تعرب بدلاً من اسـم الإشارة المنادى ( هذا ) ، قلتُ نصبها مراعاةً لمحلِّ المنادى من الإعراب وهو النصب ، والكلام في سياق القاعدة النحوية صحيحٌ ولا اعتراض عليه أو غبار ؛ لكن يجوز تحريكه بالضـمِّ أو بناؤه عليه ، مراعاة للضمِّ المقدَّر على المنادى المبني قبل النداء ، فصـحَّ أنْ يقول : ( يا هذا العراقُ ) ، وعندي أنَّ هذا هو الأفضل والأجملُ في سياق الشعر ، أو سياق قصيدة الأستاذ الندة بالتحديد .
* البيت السابع والثلاثون :
يَا أيُّهَا الأحزَابُ لَوَّح زَيفُكُم
مَا عَادَ فِيكُم لِلعِرَاق ِمُعِيلا

إنَّ الفاعل من مرفوعات الأسماء ، ولا أدري كيف تمَّ نصبه من قبل الأستاذ الندة في قوله : ( معيلا ) ، فالصحيح أنْ يقول : ( معيلٌ ) .
***
ليعلم الأستاذ الفاضل علي الندة وليعلم غيره : إنَّني أعرف ولا أجهل أنَّه إذا طبَّق تصحيحاتي على قصيدته ( قف للحكومة ) ، فإنَّ الوزن العروضيَّ فيها سينهار أو سيتحطَّم عنده .
ويسألني وتسألونني ومن حقِّه وحقِّكم أنْ تسألوا جميعكم : ماذا يفعل ليتجنَّب هذا الانهيار أو ذاك التحطُّم في الوزن العروضي ؟ ، وهل بإمكانك أنْ تجنِّبه كلَّ ذلك ؟ ؛ أجيب : إنَّه ليس بإمكاني أنْ أجنِّبه كلَّ ذلك ، لأنَّني لسْتُ شاعراً ، لكنَّني أستطيع أنْ أقول له ماذا عليه أنْ يفعل ؟ ؛ فببساطة عليه أنْ يعيد صياغة هذه الأبيات التي أشرْتُ له بها مبتعداً عن الأخطاء اللغوية التي وقع فيها ، وسيجد ذلك سهلاً لأنَّ لديه الموهبة والملكة الشعرية التي لم أنكرهما أبداً عليه ، وعليه أنْ ينتبه إلى أخطائه الإملائية أيضاً ، وبذا سأقول عنه : إنَّه شاعرٌ ، أو أنعته بصفة الشاعرية .
لقد حرمتني أخطاء الأستاذ علي الندة اللغوية والإملائية من أنْ أناقشه بلاغياً ، أو بفنون البلاغة وعلومها : البيان والبديع والمعاني ، وأعِدُهُ وأعِدُكَ أيُّها القارئ الكريم بأنْ أناقش هذه القصيدة الجميلة بلاغياً وأنقدها إذا استجاب كاتبها إلى ملاحظاتي وتوجيهاتي وتصحيحاتي له فيها ، فأنا لا أريد أنْ أخوض في البلاغة مع وجود هذه الأخطاء ، حتى لا يطلع عليَّ واحدٌ من المتعالمِينَ فيقول لي : كيفَ تقبل نصاً وتنقده بلاغياً وفيه كلُّ هذه الهفوات والزلات اللغوية والإملائيَّة ؟ .
وقد وجدْتُ في قصيدة الأستاذ الندة بعض الزحافات والعلل في البحر العروضي ، لم أشر إليها لنفس الأسباب سالفة الذكر .
وعودٌ على عنوان هذه المقالة التي طالتْ أكثر مَّا يجب أنْ تطول ، وليس هذا بسببي بل بسبب الكاتب كما لاحظتم ، والذي قلتُ فيه إنَّ موهبة علي الندة لم تكتمل بعد ، وهـنا أقول : إنَّها بحاجةٍ إلى صقلٍ وتوجيه ، وهذا كلُّه بيده ، فهو الوحيد الذي يستطيع أنْ يكمِّلها بالقراءة والبحث والدرس ، وعندها سيجدها تنصقل عنده لوحدها ، وبيده أيضاً أنْ يختار لها ولنفسه موجِّهاً من علماء العربية ومعلِّميها ، وهم كثر عندنا في العراق ، وبإمكانه كذلك أنْ يستعينَ بواحدٍ من شعرائنا المعاصرينَ ـ أعني بهم شعراء العمود لا غيرهم ـ الذين تتطابق عندهم القاعدة اللغوية الصحيحة البعيدة عن الخطأ والزلل مع معانيهم البلاغية التي يعرضونها في سياق قصائدهم ضمن بحرها العروضي ، وهؤلاء هم القلة للأسف الشديد ! .

***

للتواصل مع الكاتب يرجى الكتابة إلى :
Ramzee_Alobadi@Yahoo.Com
Ramzee_Alobadi@Hotmail.Com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.