محمود سعيد: اليشماغ (الكوفية) عربية أم إنكليزية؟

محمود سعيد
محمود سعيد

فوجئ كاتب محترم بـ: أن تصميم غطاء رأسنا الوطني الشماغ وصناعته انكليزيان.
وتكلم في مقال أغر بما يدعم رأيه من أسانيد.
ولتفصيل الموضوع ووضعه في مكانه الصحيح، أحب أن أذكر ما يأتي:
1 ــ إن ما يسميها الكاتب المحترم بالحطة البيضاء اسمها بالعربية: الكوفية، وهي عربية قديمة جداً وكانت تصنع في الكوفة. والتراث العباسي المجيد مليء بذكرها، وتسمي الكفية أحياناً، وتلك البقعة عريقة بالحياكة وصناعة الأقمشة إلي حد الآن، ويصنع في منطقتين قريبة إليها “النجف” و”المجر” في الوقت الحالي أفضل أنواع أقمشة العبي، أو العباءات الرجالية الصوفية. وتباع القطعة الواحدة الآن منها بأسعار غالية جداً تتجاوز عشرة آلاف دولار. لأن العباءة عندما تطوي لا يزيد حجمها على حجم علبة سيكاير، وهي مرغوبة جداً في دول الخليج العربية وفي السعودية.
صناعة النسيج ذات تراث عريق في الوطن العربي فالقطن المصري موجود منذ زمن الفراعنة، ومن يدقق فيه يري عجباً في دقته وصنعته، ثم تطور في العهد العباسي العظيم إلي ما يسمي بدبيقي ودبقاوي ودمياطي في مصر، وعدني في عدن، وظهر نوع آنذاك ينسج من خيوط الذهب والفضة مخلوطاً بالقطن أو الكتان أو الصوف، ويباع بأسعار خيالية تعادل الآن ربع مليون دولار، واشتهرت أقمشة الديباج الموشاة، والعتابي المخطط في بغداد، بينما كانت سمعة الموزلين (الموصلين) عمت العالم كله، في الموصل، وأخبار عشرات أنواع الأنسجة مبثوث ذكرها في كتب التراث التي قاومت الفناء بعد أن أودي بها الفريق المتعاون مع ابن العلقمي في دجلة.
أنواع النسيج تلك إضافة إلي ما كانت سوريا مختصة به من أنواع الحرير كانت تصدر إلي معظم مدن العالم.
أما الآن فأفضل أنواع الكوفيات فيصنع لا في الكوفة أو بريطانيا، بل في سويسرا. وهناك مصانع سويسرية تفرض أثمانا لا يتخيلها العقل لسعر الكوفية الواحدة “أربعة آلاف دولار” وما تزال بعض مصانع الكوفيات في سويسرا تعمل بتوجيهات بعض العرب، وأعرف شخصاً من بغداد شريكا في معمل سويسري.

إن تحول الصناعة من مدينة إلي أخري أو من قطر إلي آخر لا ينفي أنها وجدت في مكان ما. ولا يؤثر هذا سلباً أو إيجاباً في سمعة أو عراقة شعب ما، أو عادة يتبعها ذلك الشعب قط. في نظري ذلك طبيعي لأنه يخضع إلي قواعد اقتصادية بحتة.
2 ــ اليشماغ/ الشماغ. وهو ما فاجأ الأخ الكاتب العزيز عندما اكتشف من مصادر معينة أن تصميمه وصناعته انكليزيتان.
ليتسع صدر الأخ الكاتب. تصميم اليشماغ وصناعته موصليتان عراقيتان مئة بالمائة ولا علاقة لإنكلترا بهما من قريب أو بعيد. وكان هناك مئات ورشات الصناعة اليدوية، وتسمي بالموصلية “جومة” تصنع ثلاثة أنواع من اليشماغ: الأسود والأبيض، والأزرق الأدكن والأبيض، والأبيض والأحمر. ولقد شهدتُ ذلك في الأربعينات عندما كنت طفلاً، إذ كانت محلتنا تحوي على غير جومة. وكانت تلك الجوم تنسج الخام الأبيض والأسمر، ونسمي الأبيض خزنة، والأسمر “جابان” لأن أول دولة أجنبية قلدت صنعه هي اليابان، ومن ثم أرسلته إلي العراق، وعرضته بأسعار واطئة قبل الحرب العالمية الأولي، فتوقفت صناعته في الموصل، ثم توقفت صناعة الخزنة بعد الحرب العالمية الثانية لأن الإنكليز أخذوا يصنعونها ويبيعونها بنصف تكلفة الصناعة الموصلية وكانت الخزنة الإنكليزية ذات علامة الأسد. لكنها لم تهنأ بسيطرتها على السوق العراقية مدة طويلة فقد اكتسحتها الخزنة اليابانية علامة السمكات الثلاث، إذ أخذ اليابانيون يبيعونها بسبعين بالمائة من سعر الخزنة الإنكليزية. ثم توقفت صناعة اليشماغ الموصلية فجأة بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أغرقت بريطانيا السوق بنوع رديء جداً من اليشماغ المطبوع لا المنسوج.
كان اليشماغ الموصلي ينسج من خيوط سود وبيض، وذلك يعني أن “النقشة” تخير مرتديه أن يضعه على الوجه أو البطانة كما تسمي آنذاك، وكان يصنع بشكل يتفنن صناعه به. فكان الأسود على سبيل المثال نحو عشرة أنواع، يختلف باختلاف حجم المربع الأسود الموجود فيه. وبنوعية الشراريب التي تتراخي من حافاته، كل حجم لنوع من الناس، فأهل الموصل مثلاً يفضلون النوع الوسط، نحو نصف أنج مربع. أما الأكراد فيفضلون النوع الأصغر المليء بالشراريب المتدلية منه بعد لفه على شكل عمامة. ويفضل اليهود النوعية نفسها ولكن من دون شراريب. أما المربع الأسود الكبير فكان من علامات عمائم الآثوريين، وكان هناك يشماغ تجد فيه حجم المربع الأسود بحجم حبة الحمص وهو ما يفضله أهل عقرة، وهناك نوع آخر تكبر فيه الحبة السوداء على حساب البيضاء فتظنه قطعة سوداء من بعيد، وهو ما يفضله معمومو العمادية الخ.
ثم جاءت الضربة الأقوي من بريطانيا العظمي فامتلأ السوق باليشماغ الإنكليزي رخيص السعر بشكل لا يمكن منافسته. مطبوعاً على جهة واحدة، ولغرض تحقيق ربح أكبر فقد كان القماش أرق من القماش الموصلي، وكان الصبغ غير ثابت. وذلك يعني غشاً ظاهراً للعيان، دفع المشترين إلي التوقف. وحمل المصدرين البريطانيين خسائر لا أدري قيمتها. لكن الصناعة البريطانية سرعان ما صححت أخطاءها فبدأت تنسج اليشماغ، وتبيعه بسعر أرخص فقضت على صناعة النسيج في الموصل كلية، لكنها لم تتمتع بذلك مدة طويلة فقد سيطرت الصين الشعبية التي أغرقت الأسواق باليشاميغ كلها من أسود وأحمر وأزرق ونيلي وبأسعار لا تنافس.
لم تكن تلك هي الصناعة الوحيدة التي قضت عليها بريطانيا في العراق والموصل بشكل خاص. بل قضت على صناعتين أخريين أيضاً.
كان في الموصل حسبما كنت أري في السوق، ثم وثق بعدئذ الباحث د ــ كمال أحمد أكثر من 30,000 ورشة صناعة أحذية، تصدر معظم نتاجها إلي المناطق الأخرى. توقف معظمها عندما أغرقت مؤسسة “باتا” الأسواق بأحذيتها الرخيصة بكثافة وبأسعار زهيدة أيضاً فأبادت الصناعة المحلية.
ثم أعقبت بريطانيا خطوة أخري لتقضي على صناعة العربات التي تجرها الخيول، وكانت مزدهرة في الموصل أيضاً، فقد عرضت الهيلمن وهي سيارات صغيرة ورخيصة في كل مكان.
تلك سنة التطور. الصناعة الرخيصة تقضي على الصناعة الجيدة العريقة الغالية الثمن.
كل شعب من شعوب العالم يعتز بتراثه الحضاري الذي يكون هويته الأصلية من لغة وتقاليد وعادات. أما الملابس والأزياء فتتغير. ولا أعتقد أن انتقال صناعة الكوفية من الكوفة، إلي سويسرا، وصناعة اليشماغ من الموصل إلي بريطانيا، أو الصين تجعلنا نحتقر أو نتخلى عن الكوفية واليشماغ، أو نحتقرهما ونحتقر من يضعهما!
كان الأوربيون يقلدون العرب في ملابسهم فيما مضي، ونحن الآن نقلد الأوربيين في ملابسهم. فهل ذلك عيب؟ الموضوع صناعي، تجاري بحت. لا علاقة له بالهوية.
غطاء الرأس العربي قبل الإسلام هو العمامة. أو الكوفية والعقال. والعقال هو حبل من صوف أو قطن أو حرير الخ. يشد على الكوفية كي تثبت على الرأس. ولا ضير في نظري إن استبدلت بالقبعة، أو الطاقية أو أي شيء آخر. المهم هو الاحتفاظ بعناصر الهوية الأصلية.
لم أجد في ما كتبه الأستاذ الكاتب أي هوية صممها المستعمر، وصنعتها مصانعه ونحن نتبارى بالتمسك بها والذود عن حياضها. ونتعصب لها حد ألعمي، على حدّ تعبيره. ولا يعلم أحد متى اخترعت الموصل أو صنعت اليشماغ، لكن من يستعملونه أخذوا بالانحسار، ف لم أجد فيها حين تركتها سنة 1958 سوي خمسة ــ إلي عشرة بالمائة ممن يرتدون اليشماغ. كما أني لم أرَ أحداً يعتبر اليشماغ رمزاً للعروبة قط كما ذكر الكاتب.
ففي البلدان العربية كلها يرتدي الجيش وهو رمز الوطن وقوته البذلة الأجنبية ويستعمل الأجهزة الأجنبية، والعلوم العسكرية الأجنبية.
لكن المشكلة الكبرى ليست فيمن يعتبره رمزاً من العرب، بل فيمن يعتبره رمزاً لنا من أعدائنا، فمن يعش في أمريكا يري يومياً في المسلسلات والأفلام تهين العرب والمسلمين بهذا الزي. وجميع من يرتدي هذا الزي في الأفلام الأمريكية يقومون بأعمال مخلة بكل القيم. البارحة على سبيل المثال أقحم المخرج عربيين، يجلسان على الأرض، يرتديان الزي نفسه ويأكلان بأيديهما بشكل مقزز، ويتكلمان لهجة عربية فيها كلمات مغربية ومصرية وعراقية. وكما يقول المرحوم ادوارد سعيد إن الممثلين الذين يقومون بأدوار عربية في الأفلام والمسلسلات الأمريكية يهود كلهم. هذه هي المصيبة. الكل يهاجمنا لأننا نرتديه. ونحن في الحقيقة لا نأبه له.
إنني أجد في استعمال آلة تسمي باسم غير عربي نوعاً من التلاقح الحضاري الذي يثير عندي الاعتزاز، فقد ذكرت في محاضرة لي في جامعة شيكاغو أننا “العراقيين” نستعمل في عدة الشاي أسماء أجنبية كلها ما عدا الصحن الذي يوضع فيه القدح.
أما أهم ما ذكره الأستاذ المبجل فكان عن علم الثورة العربية، وحسبما سمعته من المرحوم نذير الغلامي وهو من المثقفين المواصلة الذين عاصروا الفترة المضطربة التي انتهت بسيطرة بريطانيا على العراق أنه قال: إن ألوان العلم مستوحاة من أعلام الدولة الراشدية والأموية والعباسية والفاطمية ولا علاقة لها ببيت صفي الدين الحلي. وهذا ما شكك فيه الكاتب المحترم وهو على حق، لكني لا أري أن شيئاً صاعقاً أو مذهلاً حينما أقرأ اتفاقية سايكس بيكو التي أقرت ألوان العلم العربي، لأن ذلك الزعم لم يكن حقيقة، كل ذلك غير مهم، المهم في نظري هو السيطرة على البلد. أما العلم فلا قيمة له إلا بمن يرفعه. كان محمد “ص” يغير رايته في كل غزوة. لكنه كان حراً يفرض ما يراه هو ولا يقبل بما يفرضه العدو. أما نحن فنقبل بما يفرضه العدو الآن، ونرفض أي تصحيح يصدر عن عاقل منا. هنا بيت القصيد.
وختاماً لابد أن أذكر أنني في طفولتي كنت معجباً بقصيدة الحلي هذه، لكني استصغرت الحلي وقصيدته عندما علمت أنه أنشد هذه القصيدة الطنانة لا تمجيداً لانتصاره على المغول وهم أعدي أعدائنا آنذاك. بل لأن قبيلته العربية هزمت قبيلة عربية أخري. فيا لبؤس الشاعر. ويا لبؤس القصيدة، ويا لبؤس الغرض.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن العاصي : ينظر الأوروبيون إلى المسلمين على أنهم متخلفون.. التجريد الصارخ من الإنسانية .

“ليس عليك أو تكون وحشاً أو مجنوناً لتجريد الآخرين من إنسانيتهم. يلزم فقط أن تكون …

| حاتم جعفر : في حاضرة الفن السابع .

                              …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.