مصطفى سعيد : مشنقة الرحمة

مسح القاضي وجهه بمنديله, أعاده لجيبه, الهيبة تهيمن على منصته, صار يُقلب في جمع الأوراق أمامه, أخذ قلمه ببطء ثم أشار للمأمور ليستدعي متهم القضية التالية..

دخل المتهم قاعة المحكمة, سيق إلى وراء القضبان, جلس حيث سمع القاضي يتحدث إليه :

– أرسلت للمحكمة أكثر من مئة خطاب خلال فترة سجنك, تُطالب فيها النظر بقضيتك مجدداً, عجيبٌ قولك, كيف أنك بريء وتطالب المحكمة بإعدامك, لم نكن لنذعن لطلبك إلا في خطابك الأخير, هددت المحكمة وحملتها المسؤولية أنك ستنتحر إن لم نعقد جلسة للنظر بقضيتك مجدداً, لو أنك غير محكومٍ بالمؤبد لصدر بحقك حكمٌ آخر, لأن هيئة المحكمة وقضاتها لا يُهددون, رفضت فوق ذلك واحداً من المحامين المتطوعين للترافع عنك, بما أنك المتهم فأنت معني بالدفاع عن نفسك, اسمع ما توصلنا له  نحن هيئة المستشارين والقضاء, دون سرد التفاصيل أمام الملأ لأن قضيتك منتهية..

– بما أن قضيتك مر عليها اثنتا عشرة سنة, لا يحق لنا ولك النظر بها مجدداً كما ينص الدستور, وإن أحضرت استثناءً من وزير العدل لإعادة فتح ملفك, فاعلم أن الحكم الصادر في قضيتك كان قراراً غير قابلاً للطعن, صدر وأفهم علناً, لكني عدت وأخرجت ملفك من الأرشيف, اطلعت عليه كما يحتم عليَّ واجبي الأخلاقي قبل المهني, لا شيء فيه ولا أمل لك, الدلائل والشهود كلهم ضدك, لذلك وفر عليك وعلى هيئة المحكمة الوقت وارجع لزنزانتك أعانك الله عليها, لو أرسلت بخطاباتك لرئيس الدولة حتى يصدر عفواً جمهوريّاً لكان أفضل  من أن تهدر أوراقك المرسلة لنا…
أغلق الملف ونطق الكلمات التالية:

– رُفعت الجلسة.. أعيدوه لسجنه وشددوا المراقبة عليه..

قام الناس, قام وكيل النيابة, صاح القاضي على المأمور ليدخل عليه القضية التالية, لكنه سمع دوي صراخٍ من المتهم يهز الأرجاء..

لا يعلم القاضي ما الذي دفع به ليأمر جنود المحكمة بإعادة المتهم, وجده باكياً متألماً يصرخ بأعلى صوته, لما هدأ مسح دموعه بلوعةٍ وقال :

– اثنتا عشرة سنة من السجن على جريمةٍ لم أرتكبها, اثنتا عشرة سنة أراسل لأتظلم عند هيئة المحكمة, أنا لا أطلب الحرية منكم إنما أطالبكم بإعدامي, إن الألم الذي ألقاه لا يمكن لآدمي قبوله, وبعد أن أحسست بالفرج لا تدعني   يا حضرة القاضي أدافع حتى عن نفسي..
– صاح وكيل النيابة بعدما قام عن مقعده: لمَ سنسمعه إن كانت القضية منتهية؟ ثم يا حضرة القاضي إن بدأ بالدفاع عن نفسه فذلك يعني لهيئة المحكمة أن القضية فُتحت من جديد..

قال القاضي بعد أن تلبسه الارتباك والحيرة:

– لن نفتح ملف القضية من جديد, سنعتبره حديثاً جانبيّاً, ليتحدث المتهم وسنسمعه, لنـرَ ما عنده..

وقف المتهم من خلف القضبان, مسح وجهه براحة يده, صار يتلو بشفتيه دون أن يسمعه الحضور, كأنه يستحضر الدعاء, صمت قليلاً, حدق بالأرض, عاد ومسح براحة يديه المثنى ساحة وجهه, ثم رفع بسبابته عالياً كأنه يخطب:

– أتمنى يا حضرة القاضي أن تسمعوني ويسمعني الحضور, حتى آخر رمق تمتلكونه, لربما قصتي طويلة, لكني جاهداً سأحاول اختصارها..

كنت مراهقاً يا حضرة القاضي, كأي مراهق ٍ, لكني كنت أكثرهم حظّاً على هذه الأرض, أبي لا يحرمني حتى من المحرمات, بعلمه أو بغض بصره, لا فرق بين الاثنتين, يقول لأمي دائماً: إن لم يفعل ابننا هذا من الذي سيفعل, له الحرية في كل شيء, بل كنت أرى الدعم منه حتى على الخطأ, لذلك استوحش الشر بداخلي ولم أقدر على قبول ما أُحرم منه بطيات عقلي.. كل ما أريده أحصل عليه وبمباركة المسؤولين..

أحببت فتاةً, نعم أحببتها بكل جوارحي, كأن الشمس تسطع في السماء وتغيب لأجلها, لم يكن للحياة أي معنى دونها, هاج هذياني نحوها, راكضاً وراء ظلي الدافئ الذي ألتمسه في آفاقها, حتى حسبت هيامي يوماً محض جنونٍ, هزني كبرياؤها, ربما لأنها رفضتني في البدء ذلك ما دفع أحاسيسي المتمردة بداخلي على الإلحاح فيها, لكني انجرفت في نهرها ولم أنكب في بحر حبها, قالتها بصراحة: لا يتناسب أحدنا مع الآخر, وشكرتني بكل تهذيب ودَعت لي أن ألاقي الفتاة التي أحبها وتحبني..

لم يكن ذلك الإيمان الذي عرفته الآن من الهبات التي أمتلكها, لأقول إن الدنيا ما هي إلا قسمة ولكلٍّ منا نصيبٌ فيها, بقيت من بعيد أتابع أخبارها ولا أقدر على الوصول لها, ما جعلني أثور على كل من حولي أنها أحبت قريبها, لم يبقَ في قلبي بعد الذي سمعته قطرةُ مرح..

نعم ابن خالها أصبح خلها, ذلك الهزيل صاحب النظارة السميكة الذي لا تبارح عيناه كتب التعليم, تعلمون يا حضرة القاضي كم هو صعبٌ على الرجل أن يحب امرأة ثم تحب هي واحداً غيره, بل ما هو الأشد أنه أقل شأناً منه, لم أتقبل ذلك بخلايا عقلي, ولم يكن سهلاً على قلبي سماع ذلك, كنت مستعدّاً لتدمير العالم كله من أجلها, مستعدّاً لأموت تحت قدميها..

وها أنذا أموت كل يومٍ بين ندمي وطيش نظراتها الأخيرة, أموت, لكن دون احتضار..

جلس المتهم على كرسيه بعد أن كلّ الوقوف, عاد ليكمل وهو يبكي :

– أنا بريء من جريمتي يا حضرة القاضي, أقسم بالله العظيم أني بريء, لكني سُجنت على كل حال, لذلك سأعترف بجرائم أخرى ارتكبتها, لكن, لم تصل للقتل العمد, أقسم بالله لم أقتلها, كيف أقتلها وأنا من كان يعبدها..

جاءتني تقول بملء فمها, بعدما تهربت مراراً من ملاقاتي: إنها ستتزوج من قريبها, جاءت لتحدث عطباً على هذا القلب المضرج بالألم, ثم رحلت يا حضرة القاضي كأن شيئاً لم يكن, نعم.. حطمت فؤادي ثم قالت بأنها ستتزوج وعليَّ تركها وشأنها لتلتفت لزوجها..

ضاق العالم الواسع على صدري, أصبح كل شيء قاب قوسين من الزوال, ليس للعالم كما ذكرت يا حضرة القاضي معنى دونها, لذلك بحثت عن السُبل كلها, حتى أوجدت ما هو أقذُرها, لأبعد الحبيب الجديد عن ساحتي, تدبرت أحد السجناء, معلومٌ لديكم, ملفه في السوابق قيد شبر, حكم مؤخراً بالمؤبد مثلي, أصبحت الآن معه في طابورٍ واحد لاستلام وجبة الطعام, محكوم بالمؤبد لكنه ليس محكوماً بجريمة قتلٍ مثلي أنا الوضيع,  ذكر إبان اعتقاله في سرد التحقيق أن حبيبها هو الذي كان يُورد لهم الدولارات المزورة, ألقوا القبض على خلها المظلوم وسجنوه بعدما نجحت بتسريب حزمةٍ من الدولارات إلى خزانته, كان لدى والدي الكثير منها, أحياناً أبيعها بنصف قيمتها, لم يكن أبي يهتم لسرقتها أو فقدانها, لربما هو من كان شريكاً في طبعها وتهريبها, أنتم من يعمل على مثل هذه القضايا يا حضرة القاضي وتعلمون ماذا تعني, استدعي كل أفراد عائلته للتحقيق, تحطمت آمال الأسرة المحافظة وشاع صيتهم على كل الألسنة وطلق صهرهم ابنتهم وللأحداث بقية..

حسبتُ بعد ذلك أن الساحة خلت لي من أي منافس, عدت لأتقدم لها, لكنها كانت ذكية بما يفوق الخيال, علمت أنني أنا الدنيء وراء كل ذلك, طردني والدها من البيت, خرجت من عندهم وأنا مستعدٌّ لإبادة العائلة بأكملها.. هكذا, كيف لأمثالهم فعل ذلك فيَّ وأنا من تلهث أجمل النساء خلف حذائه, كان أبي ضابطاً يا حضرة القاضي, نعم.. ضابطاً كأغلب ضباط ومسؤولي هذا الوقت, يستغلون مناصبهم ومراكزهم لاضطهاد الناس, لأن اتصالاتي حثيثة مع كل من دبت بهم شهامة الوشاية, تدبرت أمر تقريرٍ أعد لأمن الدولة, أن والدها عضوٌ في حزبٍ محظور, تعلمون ماذا يعني ذلك في بلداننا العربية, وما أسهل تدبير مثل تلك الأمور, سُحب الرجل من تلابيبه لا يعلم المنجمون والعرافون أين مكمنه, عاد الجو نقيّاً كما ظننت لي وحدي, دخلت يوماً بيتهم, وسائق سيارتي قد أفزع الحارة بوقوفه, السلاح يزين خصره, مستنداً على السيارة بالنمرة الاستخباراتية, حددت لها مهلة أن تقبلني وتتزوج بي…

قبل انتهاء المهلة يا حضرة القاضي, حضرت إلى مكتبي, كان في عينيها خوفٌ يستعصي على التفسير, كانت ترتجف وتهذي يا حضرة القاضي, أول ما سألت عنه سلاحي, لم يخطر أي شيءٍ على بالي, حتماً لن تجسر على قتلي على ما ظننت, تعلمون يا حضرة القاضي ماذا يعني قتل ابن ضابط له مركزه في أوكار المدينة, لذلك لن تُضيع مستقبل أسرتها, خوفها عليهم يحيلها عن فعل ذلك, ثم قالت يا حضرة القاضي أن آتي إلى مكانٍ عام حددته, طلبت مني أن أحضر سلاحي, قالت مبررة: إنها تريد أن تتباهى بصحبتي, لو أنها طلبت مني إحضار كتيبة من الجيش لأحضرتهم بضباطهم ومدرعاتهم, وماذا تفعل جيوشنا سوى التباهي باستعراضاتها العسكرية ؟..

ذهبت لموعدي, كان مكان جلوسنا مكشوفاً أمام الرصيف, بعدما نقر فمها عدة كلمات, عادت وطلبت مني مجدداً أن أُخرج سلاحي, تظاهرت بإعجابها الشديد به, قالت: إنها تريد أن يهابها كل من يراها برفقتي, طلبت مني تلقيمه, سحبتُ ظهر السلاح حتى اندرجت الطلقة لبيت النار, طلبت مني متحديةً شجاعتي سحب مطرقة بيت النار, ما هذا المطلب من فتاتي؟.. لو طلبت أن أكون الطلقة في بيت النار حينها لفعلت, رفعتها, سألتني إن كان السلاح جاهزاً لإطلاق النار, أجبتها: نعم, نظرت في وجهي, نعم …لن أنسى نظرتها تلك, حدقت, بانت دموعها كنبع ٍ صافٍ لا يعكره أمثالي, ضعت للحظاتٍ في نظرة عينها, السلاح ما زال بيدي, سألتني كيف يطلقون النار, طلبت مني وضع إصبعي على الزناد, وضعتها وأنا ضائعٌ أمام عينيها, قفزت من أمامي, لا أعلم ما حصل, استغرق الوقت برهة, حتى تضغط على يدي وإصبعي على الزناد لتخرج الطلقة في وجهها, تناثرت دماؤها على وجهي ويدي بل حتى على الطاولات القريبة منا, بقيت أحدق حاملاً سلاحي لا أعرف ماذا حصل, تجمع الناس, حضرت الشرطة لتجد الجثة مهشمة الرأس ملقاةً على الأرض والسلاح ما زال بيدي, الشهود والحشود أكثر من الحاضرين في قاعة هذه المحكمة, ما أثبت التهمة عليّ,كما تعلم يا حضرة القاضي, لأنك اطلعت على ملفي, أنها كتبت رسالة قبل مجيئها بخط يدها, قائلةً فيها: إنني هددتها بالقتل إن لم تتزوجني, وإني كنت وراء سجن الأب والخطيب, نعم يا حضرة القاضي خرجت  الطلقة من فوهة مسدسي نحوها, هي من عصرت يدي لتفعلها, كتبت رسالتها حتى تكون كل الأدلة مصوبة نحوي, لكني بعد هذه السنين, أدركت أن النعمة لا تدوم, تعلمون أن أبي غدا متقاعداً لا يعترف به الآن شرطي مرور, بعد هذه السنين أقسم لكم أني لم أفعلها, هي من قتلت نفسها بسلاحي, وبإصبعي, قتلت نفسها حتى تفهمني أن الحب لا يؤخذ بالقوة..

لذلك أطالبكم بالرجوع للتهم الباقية وإصدار حكم الإعدام بهذا الرأس الذي ركله الشيطان إلى ملعب الشر..

وأطالبكم يا حضرة القاضي, أمام الله, أن يمثل وزير الداخلية أمام هيئة المحكمة, لأنه يعلم كل خفايا أجهزته, عداك يا حضرة القاضي, وإني سأوافيكم بأسماء الضباط الذين من المفروض أن يشاركوا في بناء البلاد, هم من يروجون المخدرات والنقود المزورة, ويديرون أكبر شبكات الدعارة..

نظر القاضي إلى المتهم, كان يريد أن يتحدث معه لكنه صمت, فجأة سمع وكيل النيابة يقوم ويدوي صوته في قاعة المحكمة..

– أطالب يا سيادة القاضي بإعادة فتح ملف المتهم..

تأمل القاضي مجدداً الأوراق التي أمامه ثم قال:

– تُحال أوراق المتهم إلى المفتي العام..

– يُعاد النظر في القضايا التي ذكرها ليمثل أمام قاعة المحكمة كل من شاركه في مؤامراته, للمتضررين الحق في طلب تعويضاتهم المقررة في الدستور ليعود الحق لأصحابه..

قاطع سرد القاضي لحديثه المتهم وهو يصرخ..

– الآن حكمتم بالعدل, والآن سيقول الشعب: يحيا العدل, يحيا العدل..

من مجموعة ( الظالمون) ج2 صدرت عن دار الكفاح 2007
مدونة المجموعة: http://alzalemon.blogspot.com/

شاهد أيضاً

ليس الْحُزْنُ بِهَذَا السُّوءِ الذي أنت تَظُنُّ
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

في ساعة مُتَأَخِّرَةٍ من اللَّيْل يُطْرَقُ الْبَابُ بِقُوَّةٍ أَفْتَحُ فإذا هو جارنا الذي لم أره …

أكاذيب المساء
القاص /محمد رمضان الجبور

لِأَكْثَرِ مِنْ عَشْرِ سنوَاتٍ وَالْمَقْهَى هُوَ المَقَّهى، وَاللَّيْلُ هُوَ اللَّيْلُ، وَالْكُرَّاسِيُّ الْمُتَحَلِّقَةُ حَوْلَ الْمَنَاضِدِ الْمُهْتَرِئَةِ …

غانم عزيز العقيدي: أنا وفنجان قهوتي

في الصبح حين افيق وقد غادرت أحلامي إلا بك فالحلم أنت واليقظة أنت وأنا وفنجان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *