جمعة اللامي: معاصي كريم جخيور..

ذاكرة المستقبل / جمعة اللامي

الاحد : 19 ـ 4 ـ 2009

“أنا الخاسر ترفي/ عالية أقدامي وراسخة/

والملائكة دائمة الطواف/ مترعة أساريرهم بالغبطة/

وفي أكوابهم عسل الحوريات”

(تراجيديا – خارج السواد)

إشارة : هذه المقالة القصيرة للمبدع الكبير ” جمعة اللامي ” هي قطعة دامية من أدب السجون .. يكتبها اللامي بوجدانه وحرقة ذاكرته عن الشاعر المناضل ” كريم جخيور ” .. ومن المؤكد أن اللامي خبير بمعاناة المبدعين المسجونين هو الذي عاش تجربة مدمرة في غيابة السجن .. ونتمنى أن تفتح مقالة اللامي هذه ملف أدب السجون المنسي في الثقافة العراقية في بلد هو صاحب أبشع تجربة في السجون والمعتقلات والتعذيب .. مشكلة المبدعين المناضلين في البصرة مثلا ممن سجنوا وعذبوا وطوردوا مثل فرات صالح وخالد كتاب السلطان وقصي الخفاجي وحاتم العقيلي وكريم جخيور وجابر خليفة وغيرهم هو صمتهم وعدم تشدقهم بكفاحهم وتمسكهم بتراب وطنهم وعدم هجرتهم إلى “المنافي السياحية” رغم أهوال معاناتهم السياسية والفقر المدقع الذي عاشوه مع عائلاتهم ..مبدعون يبيعون الطحين واللوزينة والفلافل في سوق البصرة .. وكان أحدهم ” مجنونا ” تماما فقد كان آخر جندي عراقي ينسحب من جبهات القتال عام 1991!!! تحية إجلال وإكبار لهم جميعا ..وأرجو من القاريء الكريم أن ينتبه إلى تذييل العنوان – المكان الذي يضعه اللامي تحت اسمه وهو ( الشارقة – ميسان ) .. مجنون كبير في حب العراق مثلهم ..
————————————————————–

تنويه :
الى الزملاء جميعا .
ارجو اعتماد هذا النص المرسل اليكم من قبلي . اما نص الجريدة الورقية ، فهو مجزوء .
مع التقدير
جمعة اللامي
الشارقة ـ ميسان

joma-allamikarem-alnajar.jpgفي معتقل “الرضوانية”، قرر كريم جخيور، الشاعر البصري، أن يزداد جمالاً. أسرَّ بقراره هذا الى أخوته في الزنزانة البغدادية، بعدما تيقن تماماً أن الشعر صعب مركبه، مثل الكرامة التي هي فرس عنود، لا يقرب سرجها إلا فارسها.
لقد ولدته أمه شاعراً، ولذلك اكتسب اسمه صفته من تلك الولادة، مثلما حدث في ذلك اليوم في سنة قبل أن يدخل العراق العقد الأخير من القرن الماضي.
كان كريم يعرض “صينية المعجنات” عند رأس السوق البصري الشهير، وهو يكتب في سره مسودة قصيدة :
اعترف الآن لكم/
على مهبط الماء ولدتني أمي/
فاغتسلت به جنوباً طاهراً/
وماء فراتاً

دنا منه اثنان، فقال الأول: أنت الشاعر كريم جخيور؟
– نعم، أنا هو.
وهو في “سيارة المخابرات”، بين اثنين سحبا أقسام سلاحيهما، أرسل الشاعر المعتقل، كلمة وداع إلى “صينية المعجنات” و”السوق” و”الأسرة” و”البصرة” و”العراق” وكان يعرف انه صائر إلى التنور. وهناك، في سنة وستة أشهر، أدرك الشاعر الرعوي هذا انه لن يخسر شيئاً أبداً، بعدما قرر أن يربح نفسه.
اليوم الأول هو اليوم الثاني من السنة الأولى، وهو اليوم الأخير من السنة التالية أيضاً. لقد تم وضع الزمن بالقرب من “صينية المعجنات”، عند رأس السوق البصري الشهير. أما زمنه الشخصي فهو الشعر، شعره الذي كان يقاسمه الأرق، وقسوة آلات التعذيب.
قال له المحقق: “أنت شاعر، اقرأ لي قصيدة”.
– “ليس هذا مكان للشعر”.
قال كريم جخيور، للمحقق الأنيق، الأشقر، الذي أراد أن يتلهى بكرامة إنسان معذب، وشاعر على فطرته، ولم يكن ذلك مكاناً للشعر، غرفة المحقق، لكنه حوّل مكان العذاب إلى منزل للعائلة.. وقصيدة.
ينتصر السجين على السجان بالفن.
جعل من علبة الجبن الصغيرة كأس شاي، وطاسة ماء، ومبولة. نعم، مبولة.. فهو سعيد سعيد ذلك الذي تجود عليه الأيام بعلبة جبن صغيرة، سوف يحول “تنكها” بعد ذلك إلى إناء متعدد الاستخدامات.
اما كيس ” البلاستيك ” الصغير ، الذي يقع بيد السجين صدفة ، فكريم يجعل منه مرحاضا مريحا . كانوا يخرجونهم الى المراحيض مرة واحدة في اليوم ، وياخذ ” الاستاذ ” السجان بالعد من الواحد الى الخمسة ، ثم يفتح الباب على السجين .
اي فضيحة ؟
كان كريم يلقي بكيس البلاستيك في المرحاض ، ويتطهر بما يتيسر من ماء في تلك الثواني الخمس .
هناك، في “معتقل الرضوانية” ازداد كريم جخيور، جمالاً وطهراً وطهرانية. صار شفافاً مثل قصيدة، وازداد عتقاً مثل كرم يثربي، لذائذه الشعر.

جمعة اللامي
www.juma-allami.com
juma_allami@yahoo.com

شاهد أيضاً

كيف سيغدو شكل العالم بعد فايروس كورونا؟ هناك أربعة احتمالات مستقبلية بقلم: سايمون ماير ترجمة: د. رمضان مهلهل سدخان

أين سيحلّ بنا المقام بعد ستة أشهر، أو سنة، أو عشر سنوات من الآن؟ أستلقي …

ا. د. محمد كريم الساعدي: فلاسفة التشويه الغربي وقصدية الإساءة للرسول محمد

محمد كريم الساعدييعد الفيلسوف والاجتماعي والروائي والمؤرخ (شارل لوي دي سيكوندا) المعروف بأسم (مونتسكيو 1689-1755) …

مؤسسو مصر الحديثة
مهدي شاكر العبيدي
أوستن / تكساس

هناك سلسلة كتب تصدر بعنوان ( تعرَّف إلى العالم ) ، أغلبها مترجَم عن اللغات …

3 تعليقات

  1. جابر خليفة جابر

    جمعة الجميل اللامي ،جمال ما تكتب حزنه والوانه العراقية المعجونة بالالم النبيل،،اعتقل الشاعر الاروع كريم جخيور ضمن باقة من ادباء البصرة ،لااورد منهم ولااشذا،فرات صالح ،عادل الثامري،عبدالسادة البصري،عبدالرزاق صالح…وواصل العد الى عشرة واكثر ، ولكل قصة، لكل عائلة من عوائلهم ، لكل قصيدة هربوها قصة..اتذكر فرات هنا ، اما كريم فقد كان يحفظ، ولكل طفل غصة =الم و= قصة او قصيدة او جمال كما اللامي الجميل كتب،،لتلك الايام العجاف القاسياتالجميلات سلاما ورفيف اوراح لاتعرف البرد ولاتعرف الترف ولا………..غير العراق،لنعطرن النفوس بحبه.

  2. وديع شامخ

    المبدع جمعة اللامي
    كانت إشارتك للشاعر الصديق كريم جخيور تحمل اكثر من دلالة ، اهمهاا نها اعتراف ولو متأخر بقيمة الانسان والشاعر في زمن المحنة الماضية ، وهو درس كبير لكل من يتشدق الان بأن الفرصة التي اعطيت للمهمشين والمقصيين سابقا لم تعد تجدي لعدم بروز مواهب جديدة .. كريم جخيور واحد من المواهب التي كانت تنتظر هذه العدسات الحساسة والصادقة .
    محبتي الى كل اصدقائي الذين ذاقوا ظلمة الرضوانية وسوها من سجون الوطن السجن الكبير

  3. عزيز داخل

    بسمه تعالى بسعادة لاتوصف قرأتك ,سوف نتواصل شعرا ونثرا يا اخي العزيز وديع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *