محمّد علوان جبر : سركون بولص بين القصة والشعر

كل فن هو تحرر روح ، من المكان والتاريخ
                                        دبليو بي يتس

ابدأ بحثي هذا بسؤال …  (  لماذا كتب سركون بولص القصة … ؟ )  هذا الستيني الجميل ، الذي اقام اجمل العلاقات المتوازنة مع الشعر ….  هل يمكن ان ينطبق عليه ماقاله (  فوكنر )  في مقابلة معه اوائل ستينات القرن الماضي حينما سئل عن من يكتب القصة او الشعر او الرواية قال :
( … عندما لايجد من يكتب ان باستطاعته كتابة الشعر ،  فانه يلجأ الى كتابة القصة القصيرة التي تعد شكلا متسلطا ومثيرا بعد الشعر،  وحين يفشل في الاثنين يرتمي في احضان الرواية  )   …   لم يكتب سركون الرواية ولهذا لم يصعب عليه يومها ان يكتب الشعر او القصة …هذا اذا طبقنا عليه مقولة ( فوكنر)
لقد كتب سركون القصة في مرحلة شهدت الكثير من سطوة الاشكال الفنية التي عدت نقلة نوعية سميت بالجيل الستيني ،  ربما لهيمنة المعالجات السردية التي تبتعد عن المباشرة  وكذلك ادخال معطيات سايكولوجية في تصوير الشخصيات ،  وكان لرواد الجيل الخمسيني بصمة كبيرة في وصول القصة الى شكلها الجديد  عبر اسماء كثيرة يتصدرها عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي وغائب طعمه فرمان ومهدي عيسى الصقر وغيرهم …  حيث تفردت القصص التي نشرت في تلك الفترة بالمعالجات الداخلية ،  ربما بسبب اشكالات ومأزق الواقع السياسي ،  فسعى كثيرون ومنهم سركون الى تقديم معالجات ذاتية متناولا الهموم الفردية عبر الرمز حينا والريبورتاج والتقطيع والتجريد والتغريب والعبث حينا اخر .
وقد حمل سركون الى جانب مشروعه الشعري مشروعا قصصيا عبر معالجات تجريدية واضحة ، في تلك الفترة التي ظهرت فيها اسماء مهمة في عالم السرد العراقي الحديث متمثلة بجليل القيسي وجمعه اللامي ومحمد خضير وعبد الرحمن مجيد الربيعي ويوسف الحيدري وفهد الاسدي وغيرهم الكثير التي لايسع هذا المكان لذكرهم ..  صحيح ان هذه المرحلة المسماة بجيل الستينات كانت نتيجة طبيعية للتطور التجريبي الذي وصلت اليه القصة الخمسينية وكان لمحمد خضير رأي جميل وهو يصف خروج جيل الستينين من رحم الخمسينين اذ يقول ((  سبق لهذه السفنية الصغيرة ان خرجت من ليل المرفأ الخمسيني الملبد بغيوم اليأس والكأبة والتسلط  وغادرت الخليج الستيني العاصف بالتقولات والشائعات ،  وهاهي تمخر في مياه هادئة وتلج عرض البحر ..  ))  .
لقد اقام سركون من خلال قصصه القليلة علاقة تجريبية  متوازنة بين الحكاية والشعر , علاقة درامية ،  متمثلة بالجمل الشعرية الجميلة التي كان يبثها بين السطور والتي لم تنفصل عن المتن الحكائي المدروس بعناية ،  لقد استخدم في قصصه كل الوسائل السردية المتعلقة بالمكان والزمان ،  والفضاء  الجمالي والصور التي يغوص فيها وسط اعماق بطله الازلي  المكابر ابدا ـ  يوسف  ـ  هذا اليوسف الرائي كل شيء ،  دخل عبر العين والاذن والايماءات الحركية والاصوات ،  كل الاصوات بدءا من الموسيقى وتفاصيل الاحذية وهي تضرب الارض ،  احذية انثوية دائما توحي بتكتة تشبه الى حد ما موسيقى تصويرية غير منظورة الا في الوهم الكبير الذي يشدنا بقوة لافكاك لنا منها في عقل وعين الرائي ،  المثقف المزاجي الذي يغلف نفسه بالعتمة والابواب الموصدة ،  فكان يعيش في اغلب  القصص كشفا دراميا متدرجا للشخصية العصامية حينا والعبثية المتأزمة عاطفيا احيانا اخرى ،  مقتربا من خلق هياكل ناقصة لحكايات سرعان ماتبدأ بالامتلاء والتفاعل مع الضوء والحركة ، الحركة هي عين البطل  ،  تلك الكاميرا التي تلتقط الصور باشكالها الفانطازية او الواقعية البسيطة ،  صور مبهرة ممتلئة شعرا فمثلا في قصة القنينة تطالعنا عبارة (  المرأة التي تضيء بالضحك )  او (  البيرة تضحك في صراخه )  وهذه المرأة التي يحدثنا عنها نراها في اخر القصة وهي تغني تحت المطر .. ( …..     ورفع رأسه فجأة ،  ارهف اذنه ، مغمضا عينيه …  كانت المرأة تغني  وكان الغسق ، وقال :   ـ   انها حنونة جدا  …  واخذ يبكي  ـ  هنا نجد يوسف يراقب  مجرد عين تقف محايدة ازاء الغليان  الذي تتحرك فيه القصة وهي تكشف مايفعله قريبه مع امرأة في سيارة تقف تحت المطر ،  يحيلنا هذا التوالي الدرامي الى النقطة الجوهرية التي شكلت حلا عبثيا وسط عقدة موت الابن  عبرالسؤال القاسي
ـ   ابنك مات البارحة ،  لماذا جئت بالمرأة ….؟
فواجهني بعينين زجاجيين تحت جبينه  وقال بلطف
ـ   انت لاتفهم  !
اقام في هذه القصة  الكثير من العلاقات التجريبة المتوازنة مع الفضاء .. والروائح العفنة .. والمطر والبيرة والغثيان والطين والمشمع المبلل ، والمرأة المبللة ،  والبطل المفجوع بموت ابنه  الكثير من المعطيات السايكولوجية متناولا الالم الفردي الرامز الى السوداوية  في رحلة البحث عن الحل العبثي تحت المطر الذي رسمه على هيئة عين تراقب الفضاء وعين اخرى تراقب باب السيارة المفتوح الذي تطل منه صورة المرأة الضاحكة البيضاء والرجل الذي يتجشأ قبل ان يصعد اليها ،  ويبقي الباب مفتوحا ليتيح لنا وله تكملة الاتي  ، وينطبق التداخل الشعري والنثري دون الاخلال بجمالية الحدث في هذه القصة وقصة (  الايام الاخرى ايضا )  مثلا حينما نقرأ  عبارة الراوي( يوسف ) ايضا  وهو يتحدث عن الفصول قائلا   (   ..  كانت المدارس مقفلة  والصيف طويلا والثياب تنتشر كالاغاني على الاجساد الانثوية ..)  او حينما يصف الفتيات وهن يسرن و (  لحمهن كلحم خوخة )  او( والشمس متكئة على رأس عمارة )  او( كحيوان نهري مدور )  او (  الشوارع مغطاة باسفلت تغطيه بدوره بقع رخوة من جلد الشمس )  او (  وتذكر بلا سبب نهارا اصفر  جدا )  .. كل هذه الجمل الشعرية لم تتكىء على الشعر المجرد بل كانت مبثوثة وسط الفضاء النثري .. تكمله وتزيح جمودا مفترضا .
لقد كسر سركون بولص  عبر ادراكه لعبة التجريب وفهمه العميق للغة وقدرتها على الاداء والتعبير الكثير من التقليد الذي كان سائدا في  اغلب ماكان ينشر  ،  مستخدما التكثيف في الصورة ، وهذا يحيلنا الى سؤال المعنى (  هل ان التكثيف يخل  في العمق والمعنى ..؟ )   بالتأكيد نحن لانظن ذلك اذ اني ارى ان القصة القصيرة تعد قطعة فنيه يمكن ان تستجيب احيانا الى المديات القصوى للحس والخيال الانساني .. ولكن لايمكن المضي بعيدا في هذا الامر لذا اعد التكثيف الذي عمل عليه سركون في كتابته لقصصه القليلة يعد تجديدا تجريبيا  يحسب له .. وهذا ماكان واضحا في قصة ( الايام الاخرى ايضا )  فنرى الراوي يتفادى التفصيل والاطناب ويدخل في الاعماق القصية للبطل وهو يتحدث عن وحدته عبر التداعي المذهل وسط عالم فسيح يدورفيه ،  وتدور معه الصور المتدفقة عبر الفلاش باك  نرى الكشف عن الشخصية عبر المزاجية والتوتر والعواطف القلقة التي ينهيها بعبارة(  قبل ان يهرب وكان في انفه طعم السمك النييء )  وينطبق هذا الهروب في قصة ( العلاقة ) المنشورة في مجلة العاملون في النفط عام 1965 .   اما في قصة ( غرفة غير مستعملة )  التي يغلب عليها المضمون الانساني الجميل في قصة حب من طرف واحد مع امرأة يكتشف لاحقا انها ترتدي عين زجاجية والتي تنتهي بحلم  يبرر فيه كرهها له وغثيانها من حضوره .. حينما يقترب منها لاهثا وكانت هي تضحك بخلاعة واحد محجريها فارغ  … عار  كردهة مضاءة  ) .
اما قصة الملجأ  فكانت عبارة عن بحث وجودي عن المعنى  .. الذي ربما هو الموت والعبث يشكلان حلا جنونيا يمكنهما ان يكسرا رتابة الدوران البطيء لعجلات دراجة تدور بموازاة خط سكة الحديد حيث يقول …..
ـ    كان يتبعني ظل طويل جدا يشتبك في اسفله بظل الدراجة ،  وكان اسود اللون يمتد على الارض المتربة كحيوان خرافي ….)
حتي يصل الى كلمة …  (  لقد قررت نهائيا ..! )  يصل بنا الى القرار الفلسفي مستعيرا عبارة لاناتول فرانس (  الحياة ثلاثة اشياء ..  ولادة  ،   الم  ،  موت  ) ويكرر (  ـ  كنت لااريد الا ان اطفر فوق الشيء الثاني الذي يقف بين الولادة والموت ) حيث يقرر ان ينتحر بطريقة غريبة حينما يبني له ملجأ يشبه الفخ عبارة عن حصى وصخور يكومها فوق بعضها البعض ويشيد منها مايشبه الملجأ الذي هو عبارة عن فخ للموت ولكنه قبل ان يدخل الملجأ ربما يتخيل ان يجرب الموت عبر موت الاخر ،  حيث يدخلنا بحوارات جانبيه تنتهي بموت الحارس الذي يدخل مايظنه ملجئا حينما تنهار الصخور عليه ليدفن تحتها ) هل اراد سركون ان يخبرنا ان الحارس نافس البطل في تنفيذ  ماكان يريد ان يفعله …  فيعود بهدوء راكبا دراجته متجها نحو المدينة  وينطبق الخيار الفلسفي كذلك في قصص ( وغمرتني اليقضة كالماء ) وقصة   (قطار الصباح )   .
لقد كتب سركون بولص هذه القطع الادبية الجميلة المكتوبة بلغة تفجيرية تشاكس الروح ،  والتي كانت موحية جدا وخالية من الحشو والاطناب ،  وشكلت نسيجا مكتملا ،  اكدت تقدمه على عصره كثيرا حيث وازن بين الشعر والقصة  قبل ان يأخذه الشعر بعيدا عن شواطىء فن القصة القصيرة   .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

تعليق واحد

  1. جمانة _ القصيم

    منور استاذ محمد بموضوع ثري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *