حسين سرمك حسن: “سركون بولص” قاصا : مأزق البطل الستيني المأزوم

نعرف تماما الراحل “سركون بولص” – رحل في برلين في يوم 22/ 10/2007- شاعرا فذّا له بصمته المميزة على جسد الشعر العراقي والعربي منذ أن ظهر ضمن جماعة كركوك المؤثرة في مسيرة الشعر العراقي ، لكن قليلين منا عرفوه قاصا نشر العديد من القصص القصيرة في مجلات أدبية مختلفة كمجلة “العاملون في النفط” و “الكلمة: العراقيتين و”الآداب” اللبنانية و”أفكار” الأردنية وغيرها . ومؤخرا وصلني من الصديق الناقد “ناجح المعموري” كتاب عنوانه “سركون بولص قاصا- أربعة عشر نصا قصصيا” من إعداد وتقديم ” روبين بيت شموئيل ” الذي ييحمد له تخصصه في أدب المبدع سركون بولص حيث سبق له أن أصدر كتابا آخر عن الراحل في بغداد عام 1998 عنوانه : “سركون بولص : حياته وأدبه ” . وتشير مقدمة الكاتب إلى أن أول قصة نشرها سركون هي ” القنينة ” نشرت في الآداب اللبنانية – 12/كانون الأول / 1964 – ، أما آخر قصة فهي ” وغمرتني اليقظة كالماء ” ونشرتها مجلة ” الكلمة ” العراقية في أيلول / 2010 . وعندما نراجع قصصه الأولى : القنينة ، الأيام الأخرى أيضا ، العلاقة ، والغرفة ، فستجد أنها بسيطة البناء أولا ، ومسرودة بطريقة كلاسيكية ثانيا ، وتخيم عليها – ثالثا – الثيمة الكبرى التي استولت على أجواء أدب الستينيات وهي ثيمة البطل المأزوم المهزوم الذي يعاني من الخواء وتمزقات الذات وصعوبات الإختيار والضياع . يشكل الجنس ، انهماما أو قرفا ، مسألة مركزية في النصوص الأربعة عشر ، ومن الطبيعي أن يكون للمومس حضور مؤثر في مسار وقائع القصص ( راجع قصص ” القنينة- ص21″ و ” في صباح ما .. هناك- ص67 ” و ” الحمامة والزنجي- ص 101) المرأة المسحوقة التي تدوسها عجلة الحياة وأقدام الرجال بلا رحمة ، كما يضفي عليها الكاتب ملامح ” أمومية ” ( في اللاشعور تكون المومس الوجه المستتر للعملة الأمومية ) وهي ما اصطلح عليه بوصف ” المومس الفاضلة – والوصف من جان بول سارتر – ” التي شاعت شخصيتها في أدب الستينيات عالميا ومحليا . في قصة “القنينة” لا يجد أحد شخوص الرواية الذي ثكل بموت إبنه غير المومس “الحنون” كي يفرغ لديها حزنه الخانق. وفي قصة “في صباح ما.. هناك ” لا يجد يوسف الذي سيهرّبه المهرب خارج وطنه غداً غير المومس التي ترفضه بثبات  يقضي ليلته الأخيرة عندها خائفا مرعوبا من فكرة الرحيل ، في حين يشعر أنها / المرأة الملاذ ذاتها منفية بدورها في المكان وغارقة في توترات خاصة وزمن غريب شخصي تستحيل إضاءته حتى بالنسبة إليها. أما في قصة “يجوب المدن وهو ميت” فالمومس الغجرية ” منقذة ” لكنها تحمل بطل القصة الهارب من اللاشيء في عربة صاحبها ميت .                                                                                              # وقفة :
———–
ويهمني أن أتوقف هنا عند قصيدة “صديق الستينات ” لسركون بولص من مجموعته الشعرية “الحياة قرب الأكروبول” وهو من أروع نصوصه “اليومية” والذي زاوج فيه بين السمة السردية واللغة اليومية العذبة وتصوير تركيبة الموقف الستيني الشائك من بطل مسحوق ومدينة ملتهمة وقهر سياسي ومقهى رث تستهلك الأعمار ومومس فاضلة بحكاية صديقه الستيني الخارج من المعتقل مؤخرا والباحث عن تأكيد الوجود من خلال الإلتحام بالأنثى العطوف:

رأيته ينزل الدرج المؤدي إلى غرفة “سعاد” الممرضة التي تعطف على الشعراء المفلسين في مقهاهم المتواضع

قريبا من غرفتها / حيث يجلسون قبالة ساقية  /  من الوحول تجري وسط الزقاق                                                                     الممرضة الليلية ذات الحذاء الأبيض الحزين / البغيّ المتساهلة في النهار “سعاد”                                                                      وحيّاني شارد الذهن ومن بعيد .. بإيماءة باهتة / هو الذي قضى معظم النهار يحاصرني                                                                   على أريكة المقهى لأسلفه نصف دينار ، متحسسا بقجة / صغيرة جاء بها قبل ساعات من السجن / كلما روى قصة اعتقاله الأخير في الليل ، وروى عن مطابع تُهرب بين السراديب ، ورجال دفنوا وهم أحياء / شعارات تُرش في الليل بمنفاخ دراجة ، على الجدران وعن         أحلامه بالثأر / في زنزانته ، بامرأة لإثبات رجولته مهما كانت الوسيلة ثم أراني / في ظهره آثارا خلّفتها أسلاك الكهرباء / رغم أن عنقه المهتزة من مركز في النقرة كلما / توقف عن الحديث ، تكفي / وتكفي إيماءاته اللاإرادية الناتجة من ضربات الجلّاد                             رأيته ينزل الدرج المؤدي غير آبه / بشظايا الزجاج ولا بالدمية المكسورة أو الملاط المتهافت على ياقته / من الجدار ، يده في جيبه ، وعلى وجهه المرفوع بحدة / لسحب النفس الأول من سيجارة أولى / يتلقى الشمس الغائصة بين منارتين وراء دجلة / كأي فاتح عاد منصورا من معاركه ، متدثرا / بجلود الذئاب

# عودة :
————
وتخيم المناخات “الكافكوية” حيث البطل المتهم بلا جريمة محددة يعرفها ، والمطارد من قبل قوى قاهرة بلا هوادة ، فبطل قصة ” الأيام الأخرى أيضا ” يمقت الجميع كما أنه يشعر بأنه منبوذ من الجميع . أما بطل قصة “الحفرة ” فهو فعلا ساقط في ” حفرة” خواء وعبث وجود لا خلاص منها حد أنه يهجر الفتاة التي تحبه بلا سبب ويغدار البيت الذي يحنو عليه بلا مبرر سوى إحساسه بتفاهة الحياة وأنه لن يبقى من وجوده سوى حذائه وثيابه . هذا الإنسان المحاصر بمشاعر العزلة والخواء ، لا يستطيع تأسيس أي علاقة مع الآخرين الذين هم “جحيمه ” حسب وصف سارتر أيضا ، وقد يلجأ إلى سلوكات عدوانية تدمّر الأخر ( قصة “غرفة غير مستعملة” ص 45 ) بل ذاته هو نفسه وبطريقة قد تبدو غير مبررة كما هو الحال في قصة “الملجأ” التي يبني فيها بطلها ملجأ خارج المدينة كي ينتحرفيه وعندما يأتي الحارس متطفلا عليه يقوم بقتله !!. كانت تلاحقه عبارة قديمة لأناتول فرانس : الحياة ثلاثة أشياء: ولادة، ألم ، موت. ” كنت لا أريد إلا أن أطفر فوق الشيء الثاني الذي يقف بين الولادة والموت- ص55″. طبعا بالجريمة الأخيرة يمكن أن تنفتح القصة على تأويلات وجودية معقدة.    والمدينة ، هي الغولة التي تسهم بعزم في سحق حيوات أبطال سركون، فهي تبتلعهم وتمسخ هوياتهم وتلفظهم أمواتا يمشون على قدمين، أمواتا أحياء يتشابهون في كل ملامح الخراب حتى أن القاص ، وبدافع من عملية الإنمساخ والإنسحاق الموحّدة والشاملة هذه يستخدم اسم “يوسف” لبطله في خمس قصص رغم اختلاف ثيماتها وهي: الأيام الأخرى أيضا، العلاقة، الحفرة، غرفة غير مستعملة ، في صباح ما .. هناك .                                              ويبدع سركون في رسم نهايات “هيتشكوكية” مرعبة لبعض قصصه، يصورها بعين سينمائية شديدة الرهافة والدقة. في قصة “غرفة غير مستعملة” وبعد أن تصفعه “روزيت” التي حاول تخريب حياتها يصف خيالات بطله النهائية :                                                           (حين اضطجع يوسف في فراشه البارد كانت صورة ” روزيت ” تأخذ وجوده برمته. ونظر في عينيها وشاركها حزنها وأفكارها وكراهيتها الجميلة له وغثيانها من حضوره . ثم رآها تخلع ثيابها ويقترب منها خلسة ليحتضنها من الوراء، وتمد يدها إلى عينها وهي تضحك باغتباط، ثم تعيدها إلى المنضدة وفي قبضتها العين الصناعية الجامدة. وفجأة تستدير إليه وهي تضحك بخلاعة وأحد محجريها فارغ ، عارٍ كردهة مضاءة- ص54) .                                أو المشهد الختامي لقصة “الملجأ” بعد أن يقتل بطلها الحارس ويسقطه تحت أنقاض الصخور والصفيح ويبتعد عنه حيث يزاوج بخلاقية عالية بين دوافع الموت ودوافع الحياة بروح سادومازوخية مؤثرة :                                                                                                                                       ( ومددت يدي فأنهضت بها الدراجة، وابتعدت قليلا ثم نظرت إلى الوراء للمرة الأخيرة. كانت يد مخضبة تتحسس طريقها ببطء بين الصخور التي كفت عن الحركة، وظهرت بارزة في الهواء كيد مسيح ساقط . وفكرت : لقد كان يريد أن يحل مكاني ، وإن كان يمزح . وامتطيت دراجتي ورحت أدفعها على مهل بحذاء الخط الحديدي الذي لا نهاية لامتداده ، وظللت أحدق أمامي وقد لفّت العالم غشاوة باردة دامية ، مندفعا تحت الشمس التي تنهار ببطء في طريقي الطويل نحو المدينة –ص60). هكذا تكون مصائر الشخوص كافة ، وبلا استثناء ، سوداء يرسمها الموت، وتحكم الإمساك بها قبضة الخراب.
في القصص الأولى لم يكن سركون يهتم بالبناء اللغوي بصورة دقيقة ، فتجده، على سبيل المثال، يكرر الفعل “كان” مرات كثيرة في الصفحة الواحدة بصورة مملة :                         (كانت الشمس كالمعدة .. وكانت معزولة.. وكان القرف.. وكانا يتفرجان..وكان الزوج يعرفه.. وكانت أفكاره تتجه.. ولكنه كان مشوشا.. كان منشغلا.. وكان قد أمضى النهار.. وكان ينظر إلى الذبابة كالمخمور.. وكان يتماسك ويواجه القيء..وكان يفكر..وكانت الخياطة.. وكانت الساقان.. كانت شفتاها- ص 25).                                                                         كل هذه الـ “كانات” في صفحة واحدة، لكن كلما تقدمنا مع نصوصه، تنضج قدرته الشعرية السردية الفذّة، وتتسيد رؤاه الفكرية الفريدة ، ويرص بنية قصته رصّا بلا استطالات ولا ترهلات حتى تبلغ مستوى باهرا في النصوص الأخيرة مثل ” الحمامة والزنجي” و”يجوب المدن وهو ميت” و”غمرتني اليقظة كالماء” و” عشاء متأخر” والأخيرة من عيون الفن القصصي لغة وبناء وموضوعا حيث يحكي عن زوج محاسب مهمل من قبل زوجته العاقر التي تخونه وتدعوه لأن يتركها وشأنها وتنهره دائما . يقرر اخيرا أن يأخذها في نزهة بالسيارة .. وعندما ينفد وقود السيارة يخبرها بأنه سوف يجلب صفيحة بنزين ويعود سريعا .. وفي محطة الوقود يشاهد أنموذجا أنثويا ملتهما مثل زوجته الخاصية .. فيقرر عدم العودة في أول وأخطر قرار يتخذه في حياته منطلقا راكضا بسعادة تحت المطر وسط نظرات الناس المندهشة . وفي الوقت الذي تبقى فيه الزوجة وحيدة في السيارة تحت المطر ، يجلس الزوج في مطعم ليتناول عشاءه بارتياح واسترخاء :                                                                       ( حين احضر الخادم طعامي ، ووضعه فوق المائدة ، فكرت بأنه أول عشاء لي ، منذ سنين ، أتناوله متأخرا إلى هذه الساعة من الليل . فقد كنت ، حتى هذا اليوم ، أتناوله في الساعة الثامنة من كل مساء . وكنا نجلس بمواجهة بعضنا على المائدة ، أنا وهي ، دون أن ينظر أحدنا إلى الآخر – ص 92 )

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

تعليق واحد

  1. العزيز ابو علي الورد …. تحية عراقية خالصة

    … قرأت مقالتكم عن سركون بولص باعجاب .. لانها كانت قراءة جادة في قصص سركون اولا .. وثانيا نحن اسرة مجلة ( امضاء ) قررنا ان يكون قاص العدد الثاني هو سركون بولص .. فسيتم نشر بعض قصص الكتاب وحتما ستكون قصة الملجأ من ضمنها وبعض الدراسات التي تناولت سركون قاصا .. اتمنى ان تساهم في العدد الثاني لاننا يشرفنا ان يكون اسمك ومادتك عن سركون اذا ارتأيت نشر المقال الموجود في الموقع او ان تختار لنا انت مادة اخرى عن اى سارد عراقي … ( المجلة تعنى بفن السرد … قصص .. مقابلات .. شهادات .. ترجمة .. مقالات نقدية ) وانت حر في اختيار ماتشاء .. يمكنك ارسال المادة على عنواني مع المحبة … اخوك المحب ابدا ( محمد علوان جبر )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.