شوقي يوسف بهنام* : عذاب الكتمان؛ قراءة نفسية لقصيدة “العطر المكتوم” للشاعرة لميعة عباس عمارة

*مدرس علم النفس – كلية التربية – جامعة الموصل
الكتمان فعل أرادي غايته الكبرى حماية الذات من الانكشاف وهتك حجب تلك الذات وعدم فضحها أمام الآخر خشية التقليل من احترامها لذاتها . ولذلك تلجأ إليه مغبة الوقوع فريسة سخرية الآخر. وغالبا ما يكون الأمر المكتوم ما يخالف المعايير الاجتماعية السائدة وفي مفاهيم التحليل هناك الكبت repression والقمع suppression  وهما من آليتان دفاعيتان غرضهما حماية الأنا من تهديدات الهو والانا الأعلى وهذه هما شكل من أشكال الكتمان أو العكس اي الكتمان شكل من أشكال القمع والكبت . ويعتبر ” فرويد ” ان آليتي القمع والكبت هما الأساس في نشوء وظهور العصاب والذهان وغالبا ما يعمل الكبت أو القمع على طرد فكرة غير مرغوبة أو فعل مخالف لنواهي الأنا الأعلى . ومن هنا عذاب القمع أو الكبت وبالتالي الكتمان . ويدخل السر في دائرة الكتمان . حيثما وجد سر هناك يوجد الكتمان . والعكس هو الصحيح .وكلما ازداد زمن الكتمان زاد عذابه واشتد على صدر صاحبه . ويهدف العلاج النفسي عموما والتحليل النفسي خصوصا الى التخلص من آثار القمع أو الكبت أو الكتمان من خلال عملية التفريغ الانفعاليabreaction  أو التطهير الانفعاليcatharsis   من خلال تقنيات التداعي الحر وفقا للطريقة الفرويدية . والهدف ، كما قلنا هو إزالة مشاعر القلق والذنب بسبب الفكرة المكبوتة أو المقموعة أو المكتومة . والتعامل معها التعامل السوي والسليم . والشاعرة لميعة عباس عمارة مبتلية هي الأخرى بهذا الداء ..اعني داء الكتمان إن صح التعبير . ولذالك لم تعد لميعة تتحمل بعد ضغوط الفكرة التي تطاردها  ، وبصورة قصدية أو غير قصدية تمارس فعل المكابرة وعلمية خداع الذات self-deception  . وفي القصيدة عودة الى الذات وعودة الاستبصارinsight لديها . وعنوان القصيدة هو الآخر دال على هذه المفارقة .. اعني مفارقة المكابرة وخداع الذات . العطر المكتوم ..وأي عطر لا يستطاع النفاذ والانتشار إن لم يك عطرا كاذبا وفاسدا أو ليس بالعطر بالمرة . ولا ادري هل ان لميعة كانت مدركة لعنوان القصيدة .. أميل الى الظن انها تعني ما تقول . فالقصيدة سيرة واضحة للمكابرة (1)وخداع الذات . لميعة تعيش ذات المحنة . القصيدة بهذا المعنى .. مكاشفة … إعلان … رفع الراية البيضاء … لنقرأ القصيدة ونرى أي عطر تتباهى به لميعة أمام هذا المحبوب . هذا العطر أصبح في خبر كان .. غير نافذ .. مهجور ..محصور في أوانيه ..انه مثل صاحبته محصورة بين أسوار ذاتها التي وصلت حد الانهيار أمام جبروت جماله .. تقول القصيدة :-
أتدري بأنـّي أذوب حنينا إليك َ
وأهفو لأدنى خبر .
‘تصدق أنـّي أأرق حتى الصباح
ألون منك الفكر ؟
(اغاني عشتار ، ص 84)
*************************
ينبغي ان نلاحظ لغة الانكسار والتذلل الواضحة في المقطع . لغة المقطع غريب على لميعة في كبريائها وشموخها وعنفوان أناها . أهذه هي لميعة التي يتمنى لفتتها القمر ؟؟! . أنها الآن تذوب حنينا إليه وتأرق حتى الصباح . والنقطة المهمة انه لا يدري بذلك .هي التي تشعره وتعلن حبها له . ما أسعده من مخلوق في هذا العالم . مسكين أيها القمر الجميل انك تتمنى لفتة من لفتات لميعة إليك وهي ذائبة بمن لا يدري بها . لميعة والقمر مسكينان !!! . تستمر لميعة في سرد أحزان مكابرتها :-
أتعلم‘ أن عنادي ضباب
وهجري رياء
وأن التي تتجنى عليك
َتمنـّى لقاء ؟
(المصدر نفسه ، ص 85)
*********************
ها هي لميعة تعلن إفلاس عنادها وتعتبره محض ضباب . جميل هذا التعبير . انه اعتراف بأن عنادها لم يك في محله . حتى هجرها له كان محض رياء . انظروا كم كانت لميعة تتجنى عليه . لقد كان هذا التجني محض غطاء لحب عميق . ومن وجهة النظر التحليلية فأن سلوك التجني ليس غير آلية تكوين رد الفعل reaction formation  وما تسمى بآلية التكوين العكسي كما يترجمها الدكتور مصطفى حجازي وهي ” موقف أو مظهر نفساني خارجي يذهب في اتجاه معاكس لرغبة مكبوتة ، وبشكل رد فعل ضدها ..(2) الهجر إذن  هو تكوين عكسي لرغبة الحب . تسأله لميعة عن دموع الكبرياء . ترى ماذا قالت له :-
أأبصرت من خلل الكبرياء
دموعا ذليلة
وروحا تسيل على راحتيك
وتبدو بخيلة ؟
(المصدر نفسه ، ص 85)
**************************
ها هنا تكمن الإشكالية الكبرى عند لميعة . كيف نوازي أو توازي لميعة ، إذا شئنا الدقة ، بين الكبرياء ودموع التذلل ؟ تعبير عن معاناة نفسية عميقة الغور .. لقد احدث حبها له انجراحا لنرجسيتها التي ما انفكت لميعة تعبر عنها وتعلنها في منجزها الشعري على وجه العموم . لا نجد لدى لميعة مثل هذا النمط من التفكير . الأنا عندها منتفخة بشكل صريح . لكننا هنا نجدها تذرف دموع التذلل على رغم انف الكبرياء . ماذا ينفعني الكبرياء وهو بعيد عني . لكنها تعود فتسيل لتقول ان روحها تسيل على راحتيه على الرغم من ظهورها بمظهر البخل وهو دالة الكبرياء أيضا . لنرى ما هي المظاهر الأخرى لهذا الرياء النفسي الذي تعيشه شاعرتنا لميعة . تقول لميعة :-
احبكَ ، يكذب زم الشفاه
ويهذي عنادي
احبك َ في هربي ، وافتعال الخلاف
وطول ابتعادي
(المصدر نفسه ، ص86)
مازالت لميعة تتمركز حول عنادها الضبابي هذا . زم الشفاه اندفاع شعوري كاذب .. لميعة هي التي تقول ذلك . اندفاع للتهرب وعدم المواجهة أو موقف ينطوي على صراع بين رغبتين متضادتين متعاكستين تعيشان في لا وعي لميعة . الأولى إنني لست بحاجة إلى رجل .. انها كما قالت للشاعر ابو ريشة جمع ” لا ” . ومهما كانت لميعة ممعنة في رغبتها بأن تكون نجم يسطع في سماء الشعر .. الا ان هذه الرغبة لن تخلصها من جسم امرأة يريد ما يريد . وهذه هي الرغبة الثانية المضادة للأولى . لميعة تتوسط هذا الصراع الدائر بين هاتين الرغبتين . وهنا تتجلى الرغبة الثانية بوضوح . فمهما افتعلت الخلاف وهربت من نور وجهه خوفا من الاحتراق ..ومهما ابتعدت وعاشت رحلة الوهم وهذيان عنادها .. يبقى حبها له هو الطريق الوحيد للخلاص . ترى كيف بدت السماء … تلك الظاهرة التي ألهمت الكثيرين من الشعراء والفلاسفة والفنانين . نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر عبارة الفيلسوف الألماني عمانؤيل كانط المشهورة ” اثنان يثير بي العجب : السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي والقانون الأخلاقي في داخلي ” . تقول لميعة :-
وكنت أموه‘  وجه السماء
وأكتم عطري
وأغمض عيني عما أحس
لتجهل أمري
(المصدر نفسه ، ص86)
*************************
التعبير واضح في هذا المقطع . وجه السماء قد تغير عند لميعة . أو إذا شئنا الدقة ، هي التي غيرته من خلال عملية التمويه له . نعتقد ان في عملية التمويه هذه تكمن رغبة عميقة ودفينة عند لميعة وهي خشيتها وخوفها من تحول وجه السماء كله الى وجه من تجب  فيحيط بها من كل جانب ويلاحقها أينما ذهبت . ولذلك لجأت إلى إغماض العين والعبارة ذات دلالة نفسية  تعني ممارسة آلية الإنكار للواقع لكي تبقى تعيش في دائرة الوهم ..المهم هوان لا ينكشف أمرها له مغبة تصدع جدار الكبرياء لديها . لميعة ملت من مسيرة المكابرة تلك وهاهي تناديه بكل ما لديها ..ترى كيف كان ذلك النداء :-
وإشراقتي
والتماع عيوني
وبرد يديه
تناديك يا سادرا في الضياع
” تعال إليه ! ”
(المصدر نفسه ، 87)
*********************
على الرغم من إشراقتها ولمعان عينيها الا انه بارد اليدين . في تقديرنا البرد دلالة على عدم  شعور هذا الغائب السادر في الضياع شوق لميعة ولهفتها للقائه . ترى هل استجاب هذا البارد اليدين لنداء لميعة ؟. هذا ما لا شأن لنا به ..

الهوامش :-
1-    تناولنا بالتحليل تحت عنوان ” من أحزان المكابرة ” قصيدة ” ماذا أقول له ” للشاعر نزار قباني وهي منشورة على موقع الندوة العربية للشعر .
2-    لابلانش ،جان – بونتاليس ، ج. ب ، 1987 ، معجم مصطلحات التحليل النفسي ، ترجمة : الدكتور مصطفى حجازي ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان ، ص 195-197 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.