حسين سرمك حسن : محمّد وهيّب : تجربة 53 عاما في الفن

قبل أسابيع ، وعلى صفحات ملحق ألف ياء الزمان الغراء، نشرت مقالة عن كتاب (مسرحياتي) للمبدع (صباح عطوان) والذي صدر عن دار جدل في دمشق مؤخرا، وقد نقلت فقرة تحدث فيها صباح عن الفنان “محمد وهيب” قائلا: “مع المسرح الاحترافي لمديرية التربية بالبصرة، والمتمثل بالفرقة الرسمية التي تقدم عروضا كلاسيكية للمسرح كـ “أوديب ملكا”، وأعمال وليم شكسبير كـ “هملت” وبعض أعمال المسرح الأوروبي والعربي بدءا من جون باتريك بـ “القلب الأرعن” وانتهاء بـ ” يا طالع الشجرة” لتوفيق الحكيم ، وكان يقود هذه التجربة بالبصرة مخرج عبقري – في تقييمي الشخصي – هو ” محمد وهيب ” – فهذا الرجل الأكاديمي الحرّيف ، قدم في البصرة عروضا مسرحية مميزة ، وبمستويات لم يقدم مثلها في العراق حدث مماثل ، بما في ذلك أغلب أعمال الفرقة القومية للتمثيل في بغداد ، كانت عروض محمد عالمية بامتياز ، وقد تأكد هذا اليقين لدي ، بعد ما جلت أوروبا بعد ذلك بسنين ، وشفت أنواع العروض الخارجية هناك ، وقد ضم مسرح التربية الذي كان يترأسه محمد وهيب ، باقة من زينة شباب البصرة . لعلني أتذكر منهم المرحومين : فيصل لعيبي وأسعد عبد الحسين ، وطالب جبار وحميد الحساني ونصير حسين وحسين زيدان فيما بعد وغيرهم – ص 23 ) . وسألت نفسي وقتها: من هو “محمد وهيّب”؟ ويأتي الجواب إنه ذاك الإنسان البسيط المهذب الصموت الذي التقيته في مقهى مبتذل في “جرمانا” من ضواحي دمشق العروبة. وكنا في محنة الحصول على الإقامة. هو هذا محمد وهيب الذي وصفه صباح بأنه مخرج عالمي . وآه يا ثقافة هي قطة تأكل أبناءها . أرسلت رسالة بالموبايل إلى الأستاذ محمد وهيب استفسره فيها عن قولة صباح فأجاب بحياء المبدعين الكبار نعم أنا المقصود لكن صباح متفضل بالوصف !. وقد تساءلت وقتها أيضا : رجل بهذا التاريخ الطويل والغني والحافل بالتجارب الفريدة والمنجزات الفذّة ، كيف سيتعرف أبناء الجيلالحاضر على تأريخه وكفاحه لغرض الإقتداء به والنهل من من معين تجاربه ؟ متى يقوم بـ “تسجيل” تاريخه الشخصي الذي هو في الواقه ليس ملكه ، بل هو ملك الثقافة العراقية ؟
الآن أصدر الأستاذ “محمّد وهيّب” كتاب “حياته” : “حياتي في الفن – تجربة 53 عام” عن دار الينابيع في دمشق . وقد قدّم للكتاب الأستاذ الناقد “إحسان وفيق السامرائي” قائلا: (لقد خلق الفنان “محمد وهيب” ممرات غير مطروقة للمسرح فظل مخلصا لبعث الحركة الفنية في البصرة حاضرة العراق، والتي ظلت خالدة رغم السحب الدموية والهدم الحضاري والحرب.
ولكن ما يؤلمنا هوتعثر تلك الطاقة الخلاقة التي وضعت لخدمة الفن عندما خيم ليل الإحتلال وأعداء وحدة وعروبة العراق ، فجعلوا من الفن محرقة ومكان للإبادة والتخريب ومحطة لتهجير المثقف والفنان.
لقد ضحّى الفنان محمد وهيب بسنوات عمره في توثيق الزمن النضالي للإنسان ومكافحة الجهل والهدم والتخلف والأمية إلا أن اصابعه الخلاقة التي عملت سنوات بلا تراجع ستبقيه أكثر من رائد ومعلم وفنان – ص 11).
ومن المؤسف أن تقرأ في الكتاب ملاحظة من الفنان يعتذر فيها عن عدم حصوله على وثائق وصحف مهمة (لكون أيادي خبيثة ومريضة أحرقت أرشيفي بعد الإستيلاء على منزلي وممتلكاتي الشخصية وشكرا لزملائي الذين أسعفوني ببعض القصاصات – ص 263).
ولعل من الفقرات المؤثرة جدا تلك التي كتبها الاستاذ محمد وهيب على الغلاف الأخير واصفا مشاعره الراهنة تجاه وطنه البعيد:
(لا أدري حين وقفت لأول مرة من خمسين عاما على خشبة المسرح.. كيف دب الإرتجاف إلى كل أجزاء جسمي .. وها أنا بعد أن أشعلت شموع العطاء على خشبة المسرح أستذكر الإرتجاف الذي مازال يلازمني .. فإذا به ينتفض كلما ذكر اسم العراق وأهل العراق.
فليتني شمعة تظل موقدة وهي تعانق نخيل العراق . فلك يا أمي يا من أرضعتني حب وأصالة وود الجماهير.
يا أمي الكبيرة يا وطني أنحني باجلال لكما لأهديكما شذرة كتابي ولأضع أمانة في عنق عطيل ولبيد والعزيزة أروه اللذين عاهدوني على أن يديموا اشتعال شموعي المتوقدة وأن يرووا بإخلاص أرض العراق ليظل على مر التاريخ نخلة الوفاء والعطاء ).
إن ما سيدهش القاريء هو هذا الكم الهائل من المسرحيات والتمثيليات والمسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية التي أخرجها أو كتبها أو مثل فيها الفنان “محمد وهيب” والتي من الضروري أن يحتفظ بها وتؤرشف فهي جزء مهم جدا من تاريخ الحركة الفنية العراقية.
ومن المؤسف أن تضيع قيمة هذا الكتاب المهم وهذه السيرة الرائعة وسط طباعة رديئة جدا وإخراج فني سيْ وركام هائل من الأخطاء الطباعية والإملائية والنحوية .. وأقترح على الأستاذ “محمد” إعادة طباعة الكتاب بعد إعادة تصميمه وإخراجه لغويا.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

مهند طلال الأخرس: #كل_يوم_كتاب.. طريق الخيّالة

طريق الخيّالة، سبعون عاما من الذاكرة، كتاب سيرة ذاتية وهو بقلم المناضل والفدائي البطل احمد …

10 تعليقات

  1. التقيت بالاستاذ الفاضل محمد وهيب لاول مره في سوريا عن طريق معرض للرسم الذي شاركت بيه والدتي وكان ذلك العطاء والابداع هو الاستاذ محمد وهيب حيث اهدى امي كتابه الذي نشر وانا قرات الكتاب وكنت من المعجبين به

  2. عدي محمد وهيب

    شكرا لكم جميعا
    وهذا انما يدل على ثقافتكم ومستوى النضج الثقافي الذي تحملوه في زمن اصبح سطوه الجهل اعلى منبرا وارفع مقاما من الثقافة الاصيلة في الزمن الجميل لقد اقشعر بدني وانا اقرا مقالة الاستاذ الناقد حسين سرمك حسن ومن تعليق الاخت ساره عنده احسست ان هناك المراقب والناقد المثقف والمتلقي المتذوق نعم اشكركما وبجزيل الشكر والامتنان

    ابن الفنان
    عدي محمد وهيب
    ماجستير واستاذ جامعي بالرياضيات في ولاية ايداهو- الولايات المتحدة الامريكية
    adaywid@yahoo.com

  3. عدي محمد وهيب

    شكرا لكم جميعا
    وهذا انما يدل على ثقافتكم ومستوى النضج الثقافي الذي تحملوه في زمن اصبح سطوه الجهل اعلى منبرا وارفع مقاما من الثقافة الاصيلة في الزمن الجميل
    لقد اقشعر بدني وانا اقرا مقالة الاستاذ الناقد حسين سرمك حسن ومن تعليق الاخت ساره عنده احسست ان هناك المراقب والناقد المثقف والمتلقي المتذوق نعم اشكركما وبجزيل الشكر والامتنان

    ابن الفنان
    عدي محمد وهيب
    ماجستير واستاذ جامعي بالرياضيات في ولاية ايداهو- الولايات المتحدة الامريكية
    adaywid@yahoo.com

  4. عدي محمد وهيب

    شكرا لكم جميعا
    وهذا انما يدل على ثقافتكم ومستوى النضج الثقافي الذي تحملوه في زمن اصبح سطوه الجهل اعلى منبرا وارفع مقاما من الثقافة الاصيلة والابداع وخاصة من الرواد الاوائل في المسرح العراقي والعربي وكان لي الشرف ان اكون ابن احد اعمده الفن العراقي محمد وهيب
    لقد اقشعر بدني وانا اقرا مقالة الاستاذ الناقد حسين سرمك حسن ومن تعليق الاخت ساره عنده احسست ان هناك المراقب والناقد المثقف والمتلقي المتذوق نعم اشكركما وبجزيل الشكر والامتنان

    ابن الفنان
    عدي محمد وهيب
    ماجستير واستاذ جامعي بالرياضيات في ولاية ايداهو- الولايات المتحدة الامريكية
    adaywid@yahoo.com

  5. 1969NewsVideosVideo DetailsBiographyImagesRelated LinksTwitterBBC ResultsShoppingAzzaman 2010-08-23:العملية الإنتاجية حجر عثرة أمام أي عمل مسرحي 
    دمشق – حكمت القيسيسحر عالم المسرح المخرج محمد وهيب وانبهر بأجوائه وكان ذلك خلال عام 1958 حيث التقي بالفنان جبار داود العطية وهواحد اساتذته عندما كان طالبا في متوسطة المربد في محافظة البصرة وقد عمل مع العطية في مسرحية (تؤمر بيك) ثم ساهم في التمثيل في مسرحيات اخري هي (راس الشليلة – الجياع – وتحيا الجزائر) وقدتلقي 

  6. عدي محمد وهيب

    شكرا للاستاذ حسين سرمك حسن انه لمن الشرف لي ان اشكرك لى كلامك الرائع بحق الفنان محمد وهيب  واود ان اقول انه لازال هناك المثقف الاصيل والمتذوق الذي يبحث عن الابداع والمبدعين وبالمجال الثقافي والفني خاصة والذي يعبر عن دقة بحثك ورقي النقد لتتناول فنان رائد مثل محمد وهيب فجزيل الشكر والامتنان لك سيديوشكر للاخت ساره ومايدل عن ذوقها الرائع في زمن اصبح الفن والاعلام عمل من لاعمل له واصبح الجهل عنوانا
    يشرفني ان اكتب تعليقي هذا ابن الفنان محمد وهيبعدي محمد وهيبماجستيربالرياضيات واستاذ جامعي بجامعة بويزي ولاية ايداهو-الولايات المتحده الامريكية
    adaywid@yahoo.com

  7. اروه محمد وهيب

    الشكر الجزيل للذين يقدرون الفن واصوله وجذوره
    شكرا للناقد حسين سرمك الذي اختار الفنان محمد وهيب موضوعا له
    شكرا لوالدي لبذله سنين عمره في خدمة الفن والثقافه في البصره بصوره خاصه والعراق بصوره عامه
    لقد قدم وما زال يقدم للفن لمستهًُُُ المميزه وشكرا لانك دونت تاريخ حياتك ليكون ارث لنا نفتخر به
    نحن واولادنا واحفادنا ع مر الزمان
    ربي يعطيك الصحه وتقدم المزيد لانك نهرٌ لا يجف ان شاء الله
    تحياتي …

  8. مجدي الشوملي

    في العام 1974 كنت على وشك تقديم مسرحية في مسرح الثقافة – البهو في البصرة، وخلال البروفات النهائية وعشية العرض- تقدم مني المخرج محمد وهيب وقد كتن مديرا للبهو واقترح اجراء تغيير ات في الشكل وتشكيلات في الديكور. وقد قدم لي كل الامكتنيات لانجتح العرض، سعدت لاقتراحاته ونفذتها بكل رحابة صدر. لم أكن مخرجا بل كنت طالبا في كلية الهندسة وأقدم المسرح للطلاب. كنت من وقت لأخر أزوره في المسرح وقد تعلمت الكثير منه

  9. عطيل محمد وهيب

    اللهم أعطه العمر المديد يقاس الانسان بقدر إسهامه في الحياة وترك اثر وانت أفنيت عمرك بالعطاء انشاء الله يحسب لك بميزان حسناتك والدي العزيز

  10. محمد الديري

    انا من كتب سيرة الأستاذ محمد وهيب، لا يوجد أخطاء إملائية إلا في نفسيتك المريضة يا سرمك .
    أبو عطيل صديقي و انا من كتب ذلك في داره في مدينة جرمانة السورية ، اسألوا عنى محمد الديري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.