د. بشرى البستاني : قصص قصيرة

الجنوب
**
يقولون في مدينتها أن الخيول ترى في الليل أجنحة الملائكة فتصهل، سألته: هل ترى الخيول في مدينتكم أجنحة الملائكة؟
ضحك، وأخبرها أن أجنحة الملائكة تظلله إذ يغطي شعرها الحريريُّ وجهه ، برائحته ذات العبير الكثيف ولونه البرونزي المائل للسمرة..
ريحٌ رطبة تجتاح المكان، تحمل في هبوبها رائحة الشبو الليلي طالعاً من حديقة بيتها ، وهو يملأ الشارع عطراً متوحشاً….
تغمض عينيها المليئين بالدموع وتلصق وجنتها بخشب المنضدة البارد، الليل قد توغل، وهي بانتظار الفجر الذي سيأخذها إلى الجنوب في مهمة صعبة، وحيدةً إلا من جروحها الثقيلة، طراوة المائدة الملساء تذكرها بطراوة كفيه وهما يضغطان بحرص على فقراتها العنقية التي تشكو سوفان انحناء دائم فوق لوحات الرسم وأدوات التشكيل، وتقول: أهذه كفُّ عامل بناء، من يصدق..!
لم يدرس الهندسة المعمارية ليكون عامل بناء، لكن الإصرار على البقاء في الأرض اضطره إلى  الرضى بما يتاح من الأعمال، ولم يكن أمامه غير ذلك: نقل الحجارة والاسمنت، بناء الجدران، تسليح السقوف، وأعمال أخرى سرية توكل له بين آونة وأخرى، يغيب فيها عن زملائه أياماً ، ثم يعود بعدها متفائلاً يواصل عمله معهم بحب ، ويتقاسم وإياهم الخبز والبسمة والطرائف، لكن بساطته وعذوبته لم تنس أحداً منهم احترامه ..
في آخر لقاء لهما قال وهو خارج:
قد يكون هذا اللقاء الأخير، كوني شجاعة  ..
قالت وهي تشم باطن كفه: أنت أكثر شهامة من أن تفعلها.
قال لكنهم بلا شهامة ..
ابتلعت دموعها، وراحت تدفع شعرها إلى الوراء، وتحاول الابتسام بجهد، مد كفيه وأعاد شعرها إلى كتفيها.. قبل جبينها وخرج..
هاتف المساء يرجوها أن تنتظر سيارة في الفجر تأخذها إلى الجنوب..
هاتف المساء يقول: إن أقارب بحاجة إليها، فهم ليسوا على ما يرام..
هاتف المساء يضرب جرس الخطر في حياتها الطافحة بسعادة بالغة الجروح..
قلق مجنون يهز أرض البيت الذي أحباه معاً..
صراخ صامت يملأ عليها البيت نشيجاً..
تتحرك بوجع في الزوايا ..
يا إلهي .. ماذا تفعل بانتظار الفجر..؟
كل شيء مظلم وصامت إلا أنين فقرات عنقها، ونشيج لوحات لم تنته بعد  ،  تنتظر رأيه بالخطوط والألوان كي تدفعها باللمسات الأخيرة نحو الأطر التي يعدها بيديه.. في الفجر يعلن بوق سيارة خافت عن حضوره ، وتندفع سيدة فارعة الطول نحو المقعد الخلفي، وتهرع السيارة بسرعة لافتة تشق ضباب صبح باكر باتجاه الجنوب..

في طرف بعيد ..
**

كانت قد طوت كل أوراقها الملونة وانصرفت للعمل ، فالعمل فضاء يحتوي الحياة ويستنفد طاقة تمور في جنباتها  ..
في ليالي الشتاء الطويلة يأخذها اللحن بعيدا نحو أغوار الوحشة الموغلة بالوجد فتهرب  ، ثم تعود لطي ورقة الحياة مرة أخرى ، لم تعد مؤمنة بأي علاقة تأخذها لما صارت تسميه العذاب ، فالحب لم يعد خلاصا ، ولا هو توافق إرادتين وليس هو هربا من وحشة الاغتراب الى فرح الانسجام مذ كان سببا في هبوط قلبها وهي صبية ، وفي غرفة منعزلة بمستشفى نائية في طرف بعيد من مدينة مقفلة عولج عطب قلبها الصبي ، لكن العلاج لم يستطع أن يطفئ لوعة الروح فظلت الجروح ثاوية ، وبالعمل وحده استعادت عنفوان حضورها ، كان الانجاز جائزتها التي تحوِّل الزمن المنسرب الفاني الى منجز تشعر من خلاله بالتحقق ، فتنفرش الأرض بالأخضر العتيد ، لكن ذلك الزائر المستحيل وبعد سنين طويلة عاود الحضور مرة أخرى ، قالت له : لنفترق ، قالت له : إنها لا تجيد فن الحب على الطريقة الحداثية ،عابرة وطارئة ، قالت له : أن أحبَّ يعني أن أتجلى ، يعني أن أفنى ، يعني أن أسلم ساعديَّ لسجان يسعده أن يضع قيدا في معصمي ، فأسعد لأنه سعيد ، قال لها : أنا من سيعطيك عنقه لتضعي عليه أغلال إرادتك ، وصدقته فقد كان سليل صدق ، لكنه رحل ولم يعد ، أرسل لها هويته مضرجة بالدم ورحل صادقا ،  كان انفجار مرارتها هو الثمن هذه المرة ، وتابت . كان الكثيرون يتطفلون على جلال حياتها ، يحاولون استفزاز مشاعر لم تمت في داخلها بل تحولت لنوع فريد آخر ، طراز من الحب يعطي ولا يريد ، يمنح ولا يرغب ، يهيم في فضاء واسع ولا يسعى لوصول ، ومرت السنين طافحة بالمعنى ، مجدبة من المعنى ، هاربة ومنكفئة أو باذخة لا فرق ، ولم تكن تصدق على الإطلاق … أن الزائر المستحيل سيعاود النهوض مرة أخرى ، مجنونا ، لاهبا ، مريعا ، ومتوهج القسمات ، هي قالت له هذه المرة ، إن ما يحصل هو الجنون بعينه ، أو هو الموت المؤكد ، استنكر متسائلا : لماذا ، قالت لأنه ابن الحرية والوعي والتحضر ووليد الإبداع ومصدر الفرح ، ونحن بلا وعي ولا تحضر ولا حرية ولا إبداع ، ونجهل أن للفرح فلسفة تفوح بعبير الحياة  ، لأننا الملايين التي تمارس طقوس العيش بلا حياة ، فالحياة ليست طقوسا تمارس بل فعلا يُعاش .
قالت له … الخوف ، الخوف ، والاختناق .
قال : لا تخافي ، علينا ألا نتجنب ما يجب أن نعانيه مادام قدرنا ، وأنا وطن ، والخوف لا وطن له كونه سليل الشتات .
قالت .. لستَ أنت ولا أنا ، إنه الجمال المطارد ، فمن أين لنا القدرة على حمايته ..؟
قال .. أنا الضمين . ولكنه ذهب ، مرة أخرى ..
في غروب شاحب ، أفاقت على وجع في ساعدها ، فتحت عينيها على حركة يد تجدد ربط قنينة السيلان لتواصل تنقيط ما يديم نبض قلبها الهابط ..
لم تميز الجمع الحاشد من حولها فقد كانت الرؤية ما تزال مضببة ،
غاص رأسها بالوسادة ، تلفتت بيأس ، ذات الغرفة قبل ثلاثين عاما ، منعزلة ، وفي مستشفى نائية في طرف بعيد  .. من الوحشة .

هواتف الليل
**
رن صوت الهاتف في أعماق نومها، فتحت عينيها على صباح ضبابي، نظرت إلى الساعة تشير إلى الثامنة.
هذا طارق غريب لا يعرف مواعيد نومها ويقظتها  انقلبت على الجهة اليسرى متجاهلة الرنين..
عاودت استرخاءها لتنام ، لكن الهاتف ما انقطع حتى عاد يضرب مرة أخرى ، نهضت نصف نائمة، كانت موظفة البريد تتلو عليها برقية من رجل صار على مر السنوات نائيا..
آه … كانت تنتظر هاتفه بلوعة، كان الليل يتحول إلى مهرجان حب وكانت الأسلاك تشتعل بنزف الوجد القادم من أقاصي الأرض مخضبا بالحنين..
-احبك، وحق دم شهداء الحرية عبر تاريخ الذبح والمقاصل…
وحق وجعهم وهو يعطر أرجاء الكون ..
-احبك.. بصبر كل الشموع الموقدة من اجل العشاق في الظلمة.
وكانت لا تجيب …
كانت مشاعر الحب الصامت الصارخ، المشتعل، المشعل وحدها التي تصل أرضها بعرش السماء ممزوجة بكلمة واحدة تختصر الكون.. تعال.
كان البيت ينهض..
كانت شرفاتها تطير بأجنحة أثيرية، ليدخل كل شيء في الغياب.. ثم لم يأتِ. …
كان يريد وطنا بلا حروب ، وهي تريد وطنا تتواصل معه وبه ..
…………………..
تقول البرقية: انه بحاجة لسماع صوتها، سيتصل بها مساء الخميس.
كانت ما تزال نائمة …
كلامُ الموظفة يأتي من بعيد، أبعد من بحور تفصله عنها …
كلام الموظفة لم يحرك استرخاءها  ..
أقفلت الهاتف بحياد…
تساءلت وهي عائدة إلى السرير: هلي يكفي ان يكون الآخرُ بحاجة إلينا لإحلال التوازن..!
تساءلت بفزع: ماذا فعل الزمن الهي..؟
اهذا ما يحدث اذ يتهشم فضاء الحب إلى مكان وزمان.. لم تجد في داخلها ما يدعوها لمواصلة المونولوج. دست رأسها في الوسادة وحاولت الدخول في العتمة.
مساء الخميس أقفلت هواتف بيتها وراحت تخطط لمشروع  جديد.

 توابيت
**
يوم جاؤوها بتابوت محكم المسامير توسلت إليهم أن تراه لأخر مرة ، قال الرجال الذين أتوها به ، ممنوع فتح توابيت الشهداء فزوجك بطل ، تمرغت على الخشب البارد ، قبلت أيدي أخوته وأخوتها لكن والدها قال لها ، صبرا يا ابنتي ، من قال انك سترينه فالصواريخ في الحروب تمزق اجساد الرجال . انكفأت على النار التي تشعلها وانحنت على الطفلتين . رفضت الخروج من بيته حيث الأركان والأشياء التي تذكرها به ، كانت لوعتها تتجدد مع كل شهيد تأتي به التوابيت من هناك ، حين أصر أخوتها على عودتها لدارهم جن جنون أهله ، وأصروا على انتزاع طفلتيها لو خرجت ، وحلا للإشكال تقدم أخوه طالبا زواجها ، ووافق أهلها فهو حل شرعي لبقائها بين رجال صاروا غرباء عنها ، تزوجت لتحمي الطفلتين من الضياع ، أكرمها الزوج الجديد ورعى طفلتيها وأهداهما أخا ، ومضت سنوات وهي لا تستطيع أن تنسى …
بعيد انتهاء الحرب صار الأسرى يعودون على وجبات ، وصار بعض المفقودين يعودون كذلك ، والأمرُّ من ذلك أن بعض من سُجلوا بقوائم الشهداء عادوا أحياء وسالمين الا من ندوب الروح ، وبدأ دبيب نار يشتعل داخلها ، لم تعد تنام الليل ولا يهدأ لها نهار ، والزوج يسألها عما بها ولا ينتظر جوابا فربما كان هو الأخر يستشعر مثل قلقها ويعيشه كلما حلت وجبة أسرى جديدة ، وكان مساءٌ ووقع المحذور ..
طرق الباب ، ووسط ثلة من الرجال كان يقف كعهدها به ، وسيما ، باذخا ، وإن كان شيبٌ مبكر قد غزا رأسه ، لم تستسلم للغيبوبة كما فعلت امه وشقيقاته ، لم تسمرها الحيرة  كما فعل والده وإخوته ، لكنها اندفعت تمرغ وجهها الدامع بكفيه كما كانت تفعل وهو عائد في إجازة  ، دون تفكير بمن حولها ، دون وجل مما سيجدُّ من إشكاليات في حياتها  ، دون حذر من أي واقع ، فالمهم هو انه ما يزال حيا ، وأن ذلك العبيرَ الغامض عاد ليملأ الحياة من جديد ..

تسعة أبواب
**
الطائرة تقلع..
قائد الطائرة يعلن عن وجهته ، سيحلق على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، المضيفة تعلن للمسافرين عن توجيهاتها في الحالات الاضطرارية … يأتي صوتها من بعيد..
في الطائرة تسعة أبواب ، اثنان في الأمام، أربعة في الوسط، و… أكمام الاوكسجين، و…
امرأة بجانبها تنظر إليها بفضول، لماذا تمسك رأسها وتغيب عن المكان.
وجهها الأبيض شديد الشحوب، وجه طفوليٌّ يلاحقها، عينان خضراوان تشعلان حنينها، تمضي الطائرة في الأعالي، تنظر إلى مدينتها الخضراء الموشحة بالحزن، نهرٌ باذخ يخترق أرضها، نهر يرسم خارطتها ويؤثث زمنها، ويعيد لفصولها الحياة، نهر يعيش فصوله بضراوة  ، يفيض ، ينحسر، يضرب صخور ضفافه بقوة ، ثم يجري باسترخاء..
تفكّ حزام الأمان، وتدفع كرسيها إلى الوراء وتغمض ، تعتذر للمضيفة عن تناول أي شيء ، يزداد فضول المرأة بجانبها فتسألها: أنتِ مريضة..؟
تهز رأسها ولا تجيب ، تعود إلى إغماض عينيها ، فتبصره عبر شوارع الحياة متشبثاً بكفيها كي يعبرا معاً ، تسمع صوته عبر أزيز الطائرة يناديها ، تلتفت إلى الوراء فلا تجد غير أجنحة الطائرة رصاصية، حيادية، باردة ، ظروف غامضة تنتزع كفها من كفه ،  ظروف غامضة تدفعها إلى الهرب….
ظروف تلعب بلواعج قلبيهما معاً.
ظروف ، ظروف ، ظروف..
يسألها عن معنى الظروف بلوعة فتصمت وينهمر بينهما المساء..
الطائرة تهبط ، تسحب حقيبة همومها الثقيلةَ وتهبط هي الأخرى..
يتلقفها مكان غريب ، شوارع غريبة ، سياراتٌ فارهة ، تعبر وحيدة وتضيع في الزحام..

غربان
**
عند الجبل كان موعدهما..
وعند الجبل كان الرطب يتساقط تفاحاً أحمر فوق جدول من عسل..
عند الجبل كان الضوء معجوناً بظلال كثيفة  ، وكان الكون يمد غصونه تعاويذ  فوق  كائنين من عبير..
يشم راحتها، تلثم أنامله، يخبئ رأسه في صدرها ، تنام فوق ردائه ، يحملها بين ذراعيه ويرميها في الهواء ثم يستقبلها بساعدين فتيين ويلهثان.
تبكي ، فيرشف دموعها بحنو، لم يكونا يتكلمان أبداً، بل يتركان السيمياء تقول كل شيء ، والجبل حصن باذخ يحمي الإشارة من الإرباك والخذلان ..
فجأة، أخذته ريح غامضة فغاب طويلاً ، وذبلت أناملها .
يوم أرسل يخبرها أنهم عادوا ، لم تنم تلك الليلة..
في الصباح الباكر كانت تتجه نحو الجبل، تلفتت ملياً ، كان الجدول  يابساً ، والنخلة مبتورة ، وكانت المفاجأة انها لم تجد  للجبل أثرا  .
كانت الأرض تمتد إلى ما لا نهاية ، صحراء تلعب بها ريح شمالية ..
وكانت الغربان على مهلها تحلق في الفضاء.

سرقة
**
استفاق أهل الصحراء النائية فوجدوا أرضهم مليئة بسبائك الذهب، لم يحسنوا جمعها ولا التصرف بها ، جاءت أكفٌ غريبة وجمعتها..
ظلت السبائك تتكاثر.
اعترض أهل الصحراء على هذه السرقة السافرة، فقطع الغرباء ألسنتهم وأيديهم..
بمرور الأيام انتقلت سمة القطع إلى جينات دمهم، فصاروا يلدون أطفالاً مقطوعي الالسن و الأذرع ، ولذلك ظل الذهب يسرق ليل نهار..
مدفأة
**
في نهاية شارع بيتها يقبع معمل صغير لصناعة المدافئ ، لكن اميركا تصر على انه معمل لصناعة أسلحة الدمار الشامل ولذلك تضربه الطائرات منذ اثنتي عشرة سنة ليل نهار …  تضربه بحرص ومواظبة.
شتاء هذا العام بحثت في كل الأسواق عن مدفأة لمكتبها البارد فلم تجد..
قبل ان تيأس قال لها آخر بائع :
سيدتي.. الطائرات الأمريكية ضربت المعمل خمسين الف مرة ولم تعثر على أسلحة الدمار الشامل، فكيف ستعثرين أنت على مدفأة واحدة لمكتبك الصغير..!

الهلال
**
قبل ثلاثة أسابيع فقط كانت اسرته تتكون من ثمانية أفراد، أمه الشيخة كما يدعوها أهل الحي بهيبتها وكرمها، وأمراته وخمسة أطفال أكبرهم في العاشرة وأصغرهم هذا الذي يحمله على كتفه:  والاخر ذو السنوات الست هما اللذان بقيا من الأسرة ، فقد ذهب الجميع ضحايا نيران قصف اهوج  استهدف البلدة الصغيرة  ، لماذا ..؟؟ لا احد يعرف ، من الطائرات والمدافع وقنص القناصين، هدمت البيوت والجوامع واشتعلت الدور والتهبت النيران في الأسواق بما فيها، هو ومن نجا من رجال المدينة حولوا ملعب القرية الوحيد الى مقبرة، وعندما ضاق المكان عن احتضان اجساد الشهيدات والشهداء المتزايدة صاروا يودعون في كل حفرة عائلة، أودع أمه وزوجه في قبر، وزرع أولاده الثلاثة في قبر واحد ، قالوا له: أكتب أسماءهم على حجر وادفنها معهم كي تعرف أجيال الغد الجريمة، هز رأسه وواصل السير، هل يحتاج الغد الى وثائق كي يدرك حجم الجريمة..!
نبهه صوت الطفل  صائحا: أبي..
التفت الى الطفل الممسك بسترته فوجده مندهشا بهلال أول الشهر الذي ما فتئ يلقي فوق مواكب الشتات حزما من ضياء..

لعبة الحصى
**
كان الطفل يلعب على الضفة بالحصى ، ومياه دجلة تلعب بقدميه المتدليتين عبر الصخور بالماء ، والطائرات غربان تحلق فوق النهر ..
اعتاد الناس صوت الطائرات وقصفها ، كما اعتادها الاطفال ،
النوارس التي تحلق فوق الماء وحدها التي ظل هدير الطائرات يفزعها ، وظل القصف يدفعها للفرار ..
ازداد القصف هذه المرة … صواريخ ، رباعيات ، شظايا …ثم هدأ كل شئ .
حينما عادت الطيور مرة اخرى ، وجدت الطفل مستلقيا على ظهره وقد فرد ذراعيه ، عيناه ترنوان للسماء والى جانبه يتكوم الحصى مضرجا بالدم  …

اصطدام ..
**
كانت تعبر الى مكتبها الطباعي المفضل، عمارات شاهقة من حولها تنهض كل يوم، جسور ترتفع لتخفيف زحمة العابرين على هذا الشارع، خمسون الف طالب يتوزعون على سبعة ابواب جامعية، وهذه المدينة العتيقة تطل من فوق اسوارها  وابوابها رهبة الزمن  وهيبته ، مدينة تضربها كل يوم طائرات تأتي من بعيد، لكنها بعد كل ضربة تمسح دخان الحرائق عن جبينها وتتهيأ للحياة..
قطع أفكارها صوت اصطدام مفاجئ، التفتت …
اطفال يقودون سيارات ذويهم ويلعبون بارواح الناس، هي افرازات الحروب، فوضى وتناقضات ،  ثراء فاحش وفقر أليم، وتغيرات سريعة ومداهمة ..
تساءلت بحياد : هل التغيرات هي هذه التي تبدل  سطوح الأشياء ، أم أن الحقيقي منها هو ما ينهض بزلزلة القيم المتخلفة  وزعزعة بنية العلاقات الإنسانية في جوانبها السلبية ليخلق إيقاعا جديدا للحياة ، إيقاعا حركيا لا يعيش على أنقاض إيقاعها السابق، بل يكون بديله الطبيعي الأسمى  والجديد كذلك ..
دخلت المكتب فلم تجد الرجل فيه، قدمت لها السكرتيرة أشياءها قائلة: لن نواصل العمل، فالرجل لن يعود غدا ولا بعد غد، ولذلك أوصاني بإعادة الأشياء الى أصحابها.
تساءلت: لكنها ليست عادته، اهو بسوء؟ أجابت: لا ندري، لا احد يدري، انه الان سجين بتهمة غامضة، رجال مجهولون اقتادوه من المكتب إلى مكان مجهول..
حينما غادرت المكتب، كان شبح تهمة مجهولة يطاردها، وصوت ايقاع الحياة الجديد يصطرع في فوضى ابواق السيارات وعجلات الصبية  وإرهاق المارة..

السكين
**
أهي مريضة إذن..!
تساءلت وهي تنهض لمغادرة البيت في الصباح، لماذا كل هذه المرارة في فمها، الجو شديد الحرارة، وبرودة شديدة في قدميها، ما هذا الغثيان إلهي، وجع سكين في صدرها، قالت ذلك لزوجها، لكنه قال : أنت تتوهمين ، ربما كنت متعبة ، ستنسين ذلك حال وصولك الجامعة.
جلست في السيارة إلى جانبه، هي في وجعها، وهو في مشاريعه: اليابان، كوريا، الصين، تايلاند، صفقات تجارية من هنا وهناك ، لم يكن يميل إلى مشاركتها الحديث عن أي شيء، وهي لم تفعل ذلك، فهي تتقن إدراك الحدود بذكاء.
في المكتب سألتها زميلتها عما يتعبها،أجابت بإرهاق: إنني أموت، وراحت في غيبوبة.
في المساء فتحت عينيها على كف زميلتها تمسح جبينها بحنو ..
تلفتت حولها : مستشفى والظلام وراء النافذة ، وطبيب يقف بجانب السرير، ولا أحد..
زوج، وأولاد، وأخوة، وأخوات، ولا أحد غير كف زميلة  تقاسمها المكتب في الأسبوع مرتين..

الضحية
**
حين انتهت مراسيم العزاء غادر المعزون الواحد تلو الآخر، غادروا قبيل الغروب.
حظر التجول في المدينة يبدأ مساءً ، حيث تظل الشوارع مخصصة لدبابات أمريكا ودروعها، وتحتل الطائرات سماء الحي .
قامت المرأة تجاوزت السبعين تنفض آثار الإرباك وفوضى المعزين عن غرفة نومها، حتى ابنتها اعتذرت عن البقاء معها ليلة أخرى متعللة بمرض طفلها، تربعت على السرير ممسكة جبهتها التي أمست فارغة ، فقد ذهب من كان يملأ حياتها ويحرس نبع سعادتها الوحيد،  حفيدها الوحيد لابنها الذي استشهد عام 1991 في الحرب العالمية ضد العراق حيث جمعت أمريكا أمم الدنيا لتضرب شعباً مسكيناً أنهكته حرب أعوام سابقة .
استشهد ابنها  وترك لها حفيدا في الخامسة، أهل الزوجة أجبروا ابنتهم على الزواج مرة أخرى فهي شابة وجميلة، بكت ورفضت لكنهم أصروا وأقنعوها أن تصحب ابنها معها، وافقت الجدة من أجل ألا يصاب الطفل باليتم مرتين  ،  لكن الزوج أمر العروس في اليوم الثاني بإعادة  الطفل إلى جدته ..
عاد الطفل ليعيش في كنف الجدة وحرصها.. رعاية وحنو وحب وتعليم..
حينما بدأت المتفجرات تجتاح المدينة جن جنون المرأة الثكلى ، صارت تسكن الشارع تحرس ذهابه وإيابه ، طلبت منه هذا العام أن يؤجل دراسته فقد صار الخطر في كل مكان ، اشترت له جهاز كومبيوتر ومولدة كهرباء ، توسلت إليه أن يدعو إليه أصدقاءه  في كل حين ، حرمته من الخروج إلى الشارع ،  فتجمعُ الشباب يرعب جند المحتل ويدفعهم لإطلاق الرصاص على كل تجمع ، دموعها تضطره إلى الانصياع لها ، حقق مطالبها فقد كان يضعف أمام لوعتها، ظهر يوم الخميس كان يتابع على شاشة التلفزيون مباراة رياضية ، كان سعيداً بفوز فريقه ، أدخلت الطعام إلى حيث يجلس وجلست أمامه ، يأكلان وهو يصرخ لكل ضربة موفقة أو فاشلة وهي تتأمل شبابه وتتمتم بأدعية غامضة ..
لا تدري ماذا حدث… مطر من الرصاص والشظايا ..
مطر يحطم الزجاج والستائر المقفلة  ، مطر يخلع الأبواب والنوافذ ، مطر يفجر الشاشة  ، مطر يحرق الأوراق ، يخترق صدر الفتى بربيعه العشرين.. لم تعد قادرة على البكاء أغمضت عينيها بجزع  ، أنت  ياكارثتي الثالثة .. الفاو والبصرة  ، و حرب الخليج  ،  وأنت في فتنة أمريكا والشرق الأوسط الكبير ….
لكنك كنت أكثرهم بي رأفة إذ لم تترك لي ضحية لحرب رابعة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

| صبحة بغورة : الراحلون الصامتون .

استيقظ نسيم قبل آذان الفجر وقد ارتعش وجوده شحنا وسرت بين جنباته هفهفات النبض المتدفق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.