حوارات بين جيل دولوز وكلير بارنيت

الفصل الأول (1)
ما هي المقابلة*
ولأي غرض

http://ateliercfd.org/graphweb/IMG/cache-279x200_Deleuze-2-279x200.jpg

ترجمة : حسين عجة

Dialogues

Gilles Deleuze et Claire Parnet

hussein_ajaيصعب تماماً على المرء “شرح نفسه” -لقاء صحفي، حوار، مقابلة. غالباً ما أشعر، حين يَطْرح عليَّ أحدهم سؤالاً، وإن كان يمسني، بأنه ليس لدي أبداً ما أقوله. فالأسئلة تفبرك نفسها، كأي شيء آخر. وإذا لم يدعوك تفبرك أسئلتك، مع العناصر التي تأتيك من كل مكان، ومن حيثما قدمت، أي إذا ما “طرحوها” عليك، لن يكون لديك الشيء الكثير لتقوله. ففن تركيب مشكلة ما، شيء غاية في الأهمية : نحن نبدع المشكلة، وكذلك وضعيتها، قبل العثور على حل لها. لا شيء من كل هذا يمكن حدوثه في لقاء صحفي، في نقاش، أو تبادل للآراء. وحتى التأمل « réflexion » الذي يقوم به المرء وحده، أو مع فرد ثان أو مجموعة، يظل غير وافياً. كل شيء ولا التأمل. أما الاعتراضات، فهي أسوء بكثير من ذلك. ففي كل مرة يعترض عليَّ فيها أحدهم، تتولد عندي رغبة أن أقول له : “حسناً، أتفق معك، لنمر إلى شيء آخر”. فالاعتراضات لم تجلب شيئاً في يوم ما. والأمر ذاته حين يوجه لي سؤال عام. فالهدف لا يكمن في الرد على الأسئلة، ولكن بالإفلات والخروج منها. الكثير من الناس يظنون بأنه بإشباعهم لسؤال ما يُمَكنهم الخروج منه. “ما هو وضع الفلسفة؟ هل ماتت؟ متى سيتم تجاوزها”؟ كل ذلك مؤلم للغاية. لا يكف المرء من العودة إلى السؤال بغية الخروج منه. بيد أن الخروج لن يتم أبداً بمثل هذه الطريقة. ذلك لأن الحركة تجري من وراء ظهر المفكر، أو أثناء ما ترمش عينيه. فأما أن يكون الخروج قد حصل سلفاً، أو أنه لن يكون هناك أي مخرج. وبشكل عام، تميل الأسئلة في التوجه نحو مستقبل ما (أو ماضي ما). مستقبل النساء، مستقبل الثورة، مستقبل الفلسفة، الخ… لكن خلال ذلك الوقت، أثناء دوراننا ضمن حلقة تلك الأسئلة، ثمة من تحولات تعمل بصمت، وتكاد تكون غير محسوسة تقريباً. إذ كثير ما يفكر المرء عبر مفردات التاريخ، الشخصي أو العام. أما التحولات، فجغرافية، أنها توجهات، مسارات، مداخل ومخارج. هناك صيرورة-امرأة لا تختلط مع النساء، بماضيهن ومستقبلهن، وتلك الصيرورة لا بد وأن تدخل فيها النساء بغية الخروج من ماضيهن ومستقبلهن، لكي يخرجن من تاريخهن. كما أن هناك صيرورة-ثورة والتي هي ليست مستقبل الثورة، ولا تمر بالضرورة عبر المناضلين. كذلك ثمة من صيرورة-فلسفة لا شأن لها بتاريخ الفلسفة، وتمر عبر أولئك الذين لا يفلحُ تاريخ الفلسفة في تصنيفهم.

الصيرورة ليست محاكاة لأحد، أو القيام بمثل ما يفعل، أو تمسكه بنموذج ما « modèle »، حتى وإن كان نموذجاً للعدالة أو الحقيقة. كما أنه ليس هناك من طرف يَنطَلقُ منه المرء ولا طرف آخر يصل إليه أو أنه يجب عليه بلوغه. وليس ثمة من طرفين يمكن مبادلتهما. أن سؤال “كيف حالك” هو سؤال غبي بامتياز. لأنه بالقدر الذي يتحول فيه
المرء، يتغير التحول نفسه والمتحولِ. فالتحولات ليست مظاهر للتقليد، أو للتظاهر، أنها أخذ مزدوج « capture double » لتطور غير متناظر، أعراس بين مملكتين. ذلك لأن الأعراس « les noces » دائماً ضد طبيعية. الأعراس هي نقيض الزوج. كذلك ليس هناك من مكائن ثنائية : سؤال-جواب، مذكر-مؤنث، إنسان-حيوان، الخ… لذا يمكن للمقابلة أن تكون مجرد خطاً للتحول. يقدم لنا الزنبور وزهرة السحلبية مثلاً على ذلك. إذ تظهر السحلبية وكأنها تشكل صورةً للزنبور، لكن في الحقيقة هناك صيرورة-زنبور بالنسبة للسحلبية، وصيرورة-سحلبية للزنبور، أخذٌ مزدوج ما دام “ما” يصير عليه الواحد لا يقل “عما” يصير عليه الآخر. يصير الزنبور جزءً من جهاز أنتاج السحلبية، في ذات الوقت الذي تصير فيه السحلبية عضواً جنسياً للزنبور. نفس وذات الصيرورة الواحدة، حزمة واحدة من التحول، أو كما يقول “رمي شوفان” Rémy Chauvin، “تطور لا متوازي لكائنين لا علاقة أبداً لأحدهم بالآخر”. هناك صيرورات-حيوانات للإنسان والتي لا تعني في أن يكون المرء كلباً أو قطة، ما دام الحيوان والإنسان لا يلتقيان على درب مشترك من فقدان الحدود « déterritorialisation »، لكن على درب غير متناظر. كما هو الحال بالنسبة لعصافير موزارت Mozart : ثمة من صيرورة-عصفور في هذه الموسيقى، غير أنها مأخوذة ضمن صيرورة-موسيقى للعصفور، فالاثنان يشكلان ذات الصيرورة الواحدة، نفس الحزمة، تطور لا متناظر « a-parallèle »، “بوح من دون أي محاور ممكن”، كما قال ذلك أحد الشارحين لموزارت -مقابلة باختصار.

أن التحولات هي أكثر الأشياء غير المحسوسة، أنها أفعال لا يمكنها المواصلة إلا ضمن حياة ما ولا يُعبر عنها سوى بالأسلوب. فالأساليب كأنواع الحياة ليست بالمعماريات « constructions ». حين يتعلق الأمر بالأسلوب، ليست المفردات ما نأخذه بعين الاعتبار، ولا الجمل، ولا حتى الإيقاع أو الأشكال. وفي الحياة، ليست التواريخ، ولا المبادىء أو النتائج ما يحسب له حساب. فالكلمة الواحدة، يمكنكم أبدالها بواحدة أخرى. فإذا لم ترق لكم، ولا ترغبون فيها، لتأخذوا واحدة أخرى غيرها، لتضعوا واحدة ثانية في مكانها. إذ لو كان كل واحد منا يبذل جهداً، لأصبح الجميع يفهم بعضهم الآخر، وسوف لن يظل ثمة من لزوم لطرح الأسئلة أو تقديم الاعتراضات. ليست هناك كلمات نظيفة، ولا مجازات (كل المجازات هي مفردات قذرة، أو تَصنع كلمات قذرة). وما نمتلكه ليس سوى كلمات غير مضبوطة لوصف شيء بطريقة مضبوطة. علينا إبداع كلمات خارقة، شريطة أن تصلح للاستخدام الأكثر عادية، وجعل الوحدة « entité » التي تشير عليها موجودة بقدر وجود المادة الأكثر شيوعاً. نحن نتمتع اليوم بطرق جديدة في القراءة، وربما في الكتابة أيضاً. هناك السيئة والقذرة منها. كما يتملكنا الشعور، على سبيل المثال، بأن بعض الكتب مكتوبة من أجل التعقيب المُفترض الذي سيكتبه صحفي ما عنها، لحد تختفي فيه الحاجة لمثل ذلك التعقيب، أما البقية فما هي سوى كلمات فارغة (يجب أن تقرأ هذا! فهذا كتاب شهير، سترى ذلك!) لكي يتم تجنب قراءة الكتاب وفبركة ذلك المقال. غير أن الطرق الجيدة في القراءة اليوم تتمثل بوصول المرء للتعامل مع الكتاب وكأنه يصغي لقرص موسيقي، أو يرى فيلماً أو برنامجاً تلفزيونياً، وكأنه يستقبل أغنية : معاملة برمتها لكتاب يطالبنا باحترامه، وانتباه من نوع آخر، قادم من عصر آخر يدين نهائياً ذلك الكتاب. ليس ثمة من مشكلة تتعلق بالصعوبة أو الإدراك : المفاهيم هي بالدقة كالأصوات، الأشكال أو الصور، أي أنها قوى « intensités » تتفق معك أو لا، تعبر إليك أو لا تعبر. فلسفة شعبية pop’philosophie. لا شيء هناك يتطلب الفهم، أو التأويل. بودي أن أقول ما هو الأسلوب. أنه خاصية أولئك الذين يُقال عنهم عادة “لا أسلوب لديهم…”. فهو ليس بنية دالة « structure signifiante »، ولا تنظيم تأملي، ولا ألهام عفوي، ولا جوقة موسيقية، ولا حتى موسيقى صغيرة. أنه ترتيب « agencement »، ترتيب للقول. الأسلوب هو بلوغ المرء حد التلعثم ضمن لغته الأم. وهذا شيء عسير، ذلك لأنه لا بد وأن تكون ثمة من ضرورة لهذا التلعثم. أي لا ينبغي على الفرد أن يكون مُتلجلجاً في كلامه، لكن متلجلجاً من اللغة ذاتها. أن يكون كغريب في لغته الأم. وأن يصنع خطاً للهروب « faire une ligne de fuite ». الأمثلة الأكثر تأثيراً عندي هم : كافكا، بيكيت، غيراسم لوكا Gherasim Luca، وغودار. أن لوكا شاعر من بين أعظم الشعراء : أبدع تلعثم باذخ، تلعثمه هو بالذات. لقد قام مرة بقراءة شعرية عامة لقصائده؛ وكل الحضور كان مؤلفاً من مائتي شخص، ومع ذلك كانت تلك القراءة بمثابة واقعة « événement »، واقعة سوف تعبر نحو كل الحاضرين، وهي لا تنتمي لأية مدرسة أو حركة شعرية. فالأشياء لن تمر أبداً من حيث يظن المرء بأنها تمر، ولا تسلك نفس الطرق التي يعتقد بأنها تسلكه.

قد يُعتَرض علينا بالقول بأننا نختار أمثلتنا من بين أولئك الكتاب الذين نفضلهم، كافكا اليهودي الجيكي الذي يكتب بالألمانية، وبيكيت الأيرلندي الذي يكتب بالإنكليزية والفرنسية، ولوكا من أصل روماني، وغودار سويسري. وما الغرابة في الأمر؟ فذلك لا ينطوي على مشكلة بالنسبة لأي منهم. إذ ينبغي على المرء التمتع بلسانين « bilingue » حتى ضمن اللغة الواحدة، وعلينا امتلاك لغة أقلية « langue mineur » داخل لغتنا، كذلك يجب علينا أن نخلق ضمن لغتنا الأم استخداماً أقلي « usage mineur ». فالتعدد الألسني « multilinguisme » لا يعني امتلاك عدة أنظمة يكون واحداً منها متماثلاً مع نفسه؛ أنه وقبل كل شيء خط هروب « ligne de fuite » أو تنوع يمس كل واحد من تلك الأنظمة ويبعده عن التماثل. وهذا لا يعني أن يتحدث المرء وكأنه ايرلندي أو روماني ضمن لغة أخرى غير لغته، ولكن على العكس من هذا أن يتحدث في لغته هو « sa lingue à soi » وكأنه غريب عنها. يقول بروست: “الكتب الجميلة مكتوبة ضمن نوع من اللغة الأجنبية. في كل مفردة منها يضع كل واحد منا معناه أو على الأقل صورته التي هي غالباً معنى معكوس « contresens ». لكن في الكتب الجميلة كل المعاني المعكوسة جميلة هي أيضاً” (1). تلك هي الطريقة الجيدة في القراءة : كل المعاني المعكوسة جيدة، شريطة أن لا تكون تأويلات « interprétations »، بل استعمالات للكتاب، مضاعفة لاستخداماته وإنتاج لغة أخرى من لغته. “الكتب الجميلة مكتوبة ضمن نوع من اللغة الأجنبية، الخ…” ذلك هو تحديد الأسلوب. هنا أيضاً يتعلق السؤال بالصيرورة. الناس يفكرون دائماً بمستقبل أكثري « avenir majoritaire » (عندما سأكبر، حين أمتلك السلطة…”. فيما تكمن المشكلة في الصيرورة-الأقلية : ذلك لا يعني بأن على الفرد التظاهر وكأنه طفل، يكون أو يقلد الطفل، المجنون، المرأة، الحيوان، المُتلعثم أو الأجنبي، لكن أن يصير كل هذا، لكي يبدع قوى جديدة أو أسلحة جديدة.

والأمر ذاته ينطبق على الحياة. ففي الحياة هناك شيء من الرعونة، هشاشة صحية، ضعف في البنية، تلعثم حياتي يشكل فتنة عند أحدهم. فكما الفتنة هي ينبوع الحياة، كذلك فأن الأسلوب هو ينبوع الكتابة. الحياة ليست تاريخك الشخصي، وأولئك الذين لا يتمتعون بفتنة لا حياة فيهم، أنهم أموات. فقط الفتنة ليست الشخص نفسه أبداً. وذلك ما يجعل من بلوغنا الأشخاص شيئاً يشبه القبض على تركيبات، أو حظوظ متفردة نسحبُ منها حظ بعينه. أنها رمية نرد رابحة بالضرورة، ذلك لأنها تأكيد واف للصدفة، بدلاً من القيام بقطع تلك الصدفة، أو جعلها محتملة وبالتالي بترها. فعبر كل تركيب هش، الحياة هي من يؤكد على قوته العظمى، بإصرار ومواصلة ضمن الكينونة الواحدة « l’être sans égale ». كم هو مدهش رؤية كبار المفكرين يتمتعون بحياة شخصية هشة، وبصحة غير مستقرة، ولكنهم يدفعون في الحياة إلى ذروة قوتها المطلقة أو “صحتها الكبرى”. أنهم ليسوا أشخاصاً، ولكن رقم تركيبهم الخاص « le chiffre de leur combinaison propre ». أن مفردتي فتنة وأسلوب من المفردات السيئة، وقد يكون من واجبنا العثور على غيرهما، استبدالهما. ذلك لأن الفتنة تمنح الحياة قوة لا شخصية، تفوق الأفراد، كما يمنح الأسلوب للكتابة هدف خارجي، يتجاوز الكتابة. وهذا شيء واحد : لا يكّمن هدف الكتابة في الكتابة، وذلك بالدقة لأن الحياة ليست بالشيء الشخصي. ليس للكتابة سوى الحياة كهدف وحيد، عبر التراكيب التي تحصل عليها. وذلك ما يناقض حالة “العصاب” « névrose » حيث يتواصل بالدقة بتر الحياة، تنحط، وتغدو شخصية « personnalisée »، تصبح ميتة، كما تغدو الكتابة هدفاً بذاته. لقد كتب نيتشة، نقيض الفرد العصابي، الحي العظيم بصحته الهشة، ما يلي : “أحياناً يبدو الفنان، والفيلسوف بشكل خاص، وكأنه صدفة ضمن مرحلته… فعند ظهوره، تقوم الطبيعة الثابتة بقفزتها الوحيدة، وهي قفزة فرح، ذلك لأنها تشعر بأنها بلغت للمرة الأولى هدفها، فهنا تدرك الطبيعة بأنها بلعبها مع الحياة والصيرورة تكون قد اتخذت الجانب الأقوى. كشف كهذا يجعلها تتنور، فيما يرتسم نوعاً من التعب المسائي والوقور، أي ما يطلق عليه الأفراد اسم الفتنة، على وجهها” (2).

عندما يعمل المرء، لا بد له أن يكون في عزلة مطلقة. إذ لا يمكنه أن يصنع مدرسة، أو يكون جزءً من مدرسة. ليس هناك من عمل إلا في الخفاء، في السرية. فقط أن تلك العزلة مليئة تماماً. غير أنها ليست مليئة بالأحلام، أو الشطحات ولا حتى بالمشاريع، ولكن باللقاءات. وربما يكون اللقاء هو الصيرورة والأعراس. فمن عمق هذه العزلة يمكن للمرء صنع أي لقاء. إذ يلتقي بأناس (وأحياناً دون أن يعرفهم أو التقى بهم سابقاً)، بيد أنه يلتقي كذلك بحركات، بأفكار، بوقائع « événements »، وبوحدات « entités ». تتمتع كل هذه الأشياء بأسماء خاصة، لكن الاسم الخاص لا يشير على شخص ما أو ذات بعينها. أنه يدل على تأثير، على تعرج ، على شيء يمر أو لا يمر بين اثنين تحت فارق ضمني. “تأثير كومبتون” « effet Compton »، “تأثير كلفن” « effet Kelvin ». وذات الشيء نقوله عن التحولات : أنها ليست طرفاً يتحول إلى طرف آخر، بل لقاء أحدهم بالآخر، ما دام أن الأول لا علاقة له بالثاني، لكنها علاقة بين الاثنين، ولها توجهها الخاص، حزمة من التحول « un bloc de devenir »، تطور لا متناظر « a-parallèle ». ذلك هو الأخذ المزدوج، الزنبور والسحلبية : لا يكون الواحد في الآخر، أو أن شيء ما يصير داخل الآخر، وإن كانت ثمة من مبادلة بينهما، أو امتزاج، لكنه يبقى شيئاً بين الاثنين، خارج الاثنين، ويتدفق في اتجاه آخر. فاللقاء هو العثور، الأخذ، الاختلاس، لكن ليس هناك من منهج من أجل العثور، لا شيء سوى ممارسة طويلة. الاختلاس هو نقيض المحاكاة، أو الاستنساخ، التقليد أو العمل كما يفعل الآخر. وكذلك فأن الأخذ هو أخذ مزدوج، والاختلاس اختلاس مزدوج، وذلك ما لا يخلق شيئاً متبادلاً، لكن حزمة لا متوازية « bloc asymétrique »، تطور غير متناظر، أعراس، “برانية” « hors » وما “بين” « entre ». ذلك ما يمكن أن تكون عليه المقابلة :
نعم أنا مختلس للأفكار
ولست، من فضلكم، آخذ أرواح
بنيت وعدت البناء ثانية
على ما كان في حالة انتظار
لأن الرمل من فوق السواحل
يقطع الكثير من القصور
في مكان مفتوح
قبل زمني
كلمة، نغمة، خط
مفتاح في الريح من أجل هروب روحي
ومنح أفكاري المغلقة تيار هواء من خلف الباحة
ذلك ليس شأني، أن أجلس وأتأمل
إلى ما نهاية وأتطلع للزمن
بل للتفكير بأفكار هي ليست أفكاراً
بأحلام لم يُحلم بها
أو أفكار لم تكتب بعد
أو كلمات جديدة ترحل مع القافية…
ولا أصنع لنفسي منها قواعد جديدة
ما دامت أنها لم تُفبرك بعد
وأكتب ما يغني في رأسي
عارف بأني أنا وأولئك الذين هم من جنسي
منْ يصنعها، تلك القواعد الجديدة،
وإذا ما كان ناس الغد
بحاجة لقواعد اليوم
إذاً لتتجمعوا كلكم، أيها الوكلاء الكرام
العالم ليس سوى محكمة
نعم
غير أني أعرف المتهمين أحسن منكم
وأثناء مواصلتكم للملاحقات
ننشغلُ نحن بالصفير
ننظف قاعة الاستماع
نكنس ونكنس
نصغي ونصغي
غامزين بأعيننا فيما بيننا
حذر
حذر
لن يتأخر دوركم (3).

أن قصيدة “بوب ديلان” Bob Dylan هذه تتضمن على الكبرياء والروعة، والتواضع أيضاً. أنها تنطق بكل الأشياء. أيها الأستاذ، بودي الوصول إلى أعطاء درساً كما يركب “بوب ديلان” أغنيته، منتج مُدهش بدل المؤلف.
وأن يشرع ذلك الدرس كأغنيته، بشكل مفاجأ، مع قناعه كمهرج، بفن يشمل كل تفصيلة منه، تفصيلة تبقى مع ذلك مرتجلة. أنه نقيض للمقلد، لكنه أيضاً نقيض للمعلم أو للنموذج. تدريب طويل للغاية، لكن دون منهج ولا قواعد ولا وصفات. أعراس وليس أزواج أو حياة زوجية. أن تكون لدي حقيبة أضع فيها كل ما ألتقي به، شريطة أن أُضَعَ أنا نفسي داخلها.

تلك هي الحقيبة. العثور، اللقاء، الاختلاس، بدل التنظيم، التعرف والحكم على، فالتعرف هو نقيض اللقاء. أما الحكم، فهو مهنة للعديد من الأفراد، وهي ليست بالمهنة الجيدة، بيد أن ذلك هو ما يقوم به الكثير من الأفراد بخصوص بالكتابة. الأجدر بالمرء أن يكون زبالاً بدلاً من أن يكون حاكماً« plutôt être balayeur que juge » . فكلما أخطأ المرء في حياته، كلما كثر تقديمه للدروس؛ لا يفوق أحد عند هذه النقطة الشخص الاستاليني في أعطائه دروساً لا استالينية « leçons de non-stalinsme »، ومن ثم يعلن عن “القواعد الجديدة”. هناك جنس بكامله من الحكام، كما يختلط تاريخ الفكر بتاريخ المحاكمة، فهو يطالب بمحكمة للعقل المحض « tribunal de la raison pure »، أو محكمة للأيمان الخالص « Foi pure »… لهذا يتحدث الناس بسهولة باسم ونيابة عن الآخرين، وبأنهم يعشقون توجيه الأسئلة، التي يعرفون كيف يطرحونها ويردون عليها. هناك أيضاً من يطالبون في أن تجري محاكمتهم، حتى وإن كان ذلك من أجل الإقرار بأنهم مذنبون. فحين يتعلق الأمر بالعدالة، يدعي كل واحد النزاهة، ولو كان ذلك وفقاً للقواعد التي يبتدعها بنفسه، أو تبعاً لشيء مُتجاوز يتظاهر المرء بكشف غطائه أو تبعاً لانفعالات تدفعه. أن العدالة « justice » والانضباط « justesse » أفكار رديئة. وما يناقضها هو الصياغة التي قدمها غودار : ليست صورة عادلة، بل عدالة صورة. والأمر ذاته ينطبق على الفلسفة، كما يحدث في فيلم أو أغنية : لا أفكار عادلة، ولكن عدالة أفكار. فعدالة الأفكار هي اللقاء، الصيرورة، الاختلاس والأعراس، أنها الـ”ما بين اثنين” القائمة ما بين عزلتين. فحينما يقول غوادر : بودي أن أكون جلاد أنتاج، فمن الواضح بأنه يريد القول : أرغب في أنتاج أفلامي، أو أريد نشر كتبي الخاصة. أنه يريد قول عدالة أفكار، ذلك لأنه حين يبلغ المرء نقطة كهذه، لا بد من أن يكون وحيداً، ولكنه يصبح أيضاً جماعة من الأشقياء. ذلك لأنه لم يعد مؤلف، بل جلاد أنتاج، أي أنه لم يكن أكثر امتلاءاً بالناس من قبل أبداً. أن يكون المرء “عصابة” « Etre une bande » : تعيش العصابات أسوء المخاطر، وهي تشكل الحكام، المحاكم، المدارس، العائلات والحياة الزوجية، لكن الجيد في العصابة ، من حيث المبدأ، هو أن كل واحد من أفرادها منشغلاً بعمله الخاص، مع لقائه بالآخرين، كل منهم يجلب غنيمته، وفي أثناء ذلك ترتسم ملامح صيرورة، كتلة تشرع بالتحرك، ولا يمتلكها أحد، لكنها “بين” الجميع، كالقارب الصغير الذي يصنعه الأطفال ثم يحلون أيديهم عنه ويضيع، فيما يسرقه غيرهم من الأطفال. ففي مقابلته المُسماة “6 x 2″، ما الذي قام به غودار مع “ميلفل” Mielville، أن لم يكن الاستعمال الأكثر ثراءً لعزلتهما، وقد استخدامها باعتبارها وسيلة لقاء، أي ترك خيط أو كتلة تمتد ما بين أشخاص، أنتاج كل ظواهر الأخذ المزدوج، الكشف عما تعنيه صفة الوصل و، فلقاء كهذا ليس بالاجتماع، ولا مُجاورة، لكن ولادة التلعثم، رسم خط منكسر ينطلق دائماً بطريقة مُتاخمة، شكلاً من أشكال خطوط الهروب الفاعلة والمبدعة؟ و…و…و.

لا ينبغي البحث عن فكرة عادلة أو حقيقية. لكن قد يجب البحث عن فكرة أخرى مغايرة تماماً، في ميدان آخر، بصورة تجعل شيء ما يمر بين الاثنين، أي شيء ما غير قائم في واحد منهما ولا في الثاني. بيد أن فكرة كهذه لا يمكن للمرء العثور عليها عامة لوحده، إذ لا بد وإن تكون ثمة من صدفة « hasard »، أو يمنحها له واحد آخر. كذلك لا يجب أن يكون المرء عالماً، عليم أو عارف ضمن ميدان ما، بل عليه أن يتعلم هذا الشيء أو ذاك ضمن ميادين مختلفة تماماً. ذلك ما يفوق عملية “القطع” « cut-up ». أنه بالأحرى منهج “لتلتقطني” « pick me-up » أو “التقط” « pick-up »- في المعجم يكون هذا = لَمّ « ramassage »، مناسبة « occasion »، تشغيل المحرك ثانية « reprise de moteur »، التقاط موجات « captage d’ondes »؛ ومن ثم المعنى الجنسي للمفردة. أن قطع “بورخس” « le cut-up de Burroghs » يظل منهج احتمالات، ألسنية على الأقل، وليس طريقة للسحب أو الحظ الوحيد في كل مرة تتشكل فيها المتنافرات. على سبيل المثال، أحاول أن اشرح بأن الأشياء والناس مركبة من خطوط متنوعة تماماً، ولا يدركون بالضرورة من فوق أي خط يجدون أنفسهم، ولا يعرفون كذلك كيف يمكنهم تمرير الخط الذين هم على وشك رسمه : باختصار هناك جغرافية كاملة يحملها الناس معهم، بما فيها من خطوط صلبة، وأخرى ناعمة، وخطوط هروب، الخ… أرى صديقي “جان بيير” Jean Pierre الذي يشرح لي، حيال شيء آخر، كيف أن الميزان المالي يتضمن على خط بين عمليتين بسيطتين في الظاهر، لكن الاقتصاديين يستطيعون بالدقة جعل ذلك الخط يمر في كل مكان، لحد لا يعرفون فيه أبداً إلى أين ينبغي تمريره. أنه لقاء، لكن بمنْ؟ بجان بيير، بفكرة، بكلمة، بحركة؟ مع زوجتي “فاني” Fanny، لم أكف أبداً عن العمل بهذه الطريقة. فأفكارها غالباً ما تفاجئني، لأنها قادمة من أماكن بعيدة تماماً، بشكل يجعلنا نتقاطع وكأننا إشارتين منطلقتين من مصباحين. ففي عملها الخاص، تقعُ على شعر للورنس Lawrence يتعلق بالسلاحف، فيما لا أعرف أنا أي شيء عن السلاحف، ومع ذلك يغير هذا كل شيء بالنسبة للصيرورات-الحيوانات، إذ ليس من المؤكد أن يدخل كل حيوان ضمن تلك التحولات، ربما السلاحف، أو النعامات؟ وإليكم ما يقوله لورنس : “إذا ما كنت أنا نعامة، والإنكليز الذين يكتبون عني كلاب مؤدبة، لا شيء يمكنه أن يحصل، فالحيوانيين مختلفتين تماماً فيما بينهما. تقولون بأنكم تحبوني، لكن لتصدقوني بأنكم لا تحبوني، فأنتم تكرهون بالغريزة الحيوان الذي أنا عليه”. أعداؤنا كلاب. لكن بالدقة ما الذي يعنيه لقاؤنا بالشخص الذي نحبه؟ هل هو لقاء بفرد ما، أم لقاء بالحيوانات التي تقطنه، بالأفكار التي تكتسحه، بالحركات التي تدفعه، بالأصوات التي تمر فيه؟ وكيف يمكننا فصل كل هذه الأشياء؟ يمكنني الكلام عن فوكو Foucault، أن أسرد ما قاله لي عن هذا الشيء أو ذاك، وذكر تفاصيل قالها بالطريقة التي أراه فيها. ومع ذلك، سيبقى كل هذا لا شيء، إذا ما كنت قد جهلت في الواقع كيفية اللقاء بمجموع تلك الأصوات المبتورة، الحركات الحاسمة، الأفكار الصلبة كالخشب والمشتعلة كالنار، الضحكات والابتسامات التي يشعر المرء بأنها “خطرة”، في اللحظة ذاتها التي يشعر بالتعاطف معه – ذلك هو المجموع التركيبي المتفرد، الذي سيحمل اسم فوكو. إنسان بلا مرجعيات، كما يقول “فرانسوا إيولاد” Fronçois Ewald: جان بيير هو الصديق الوحيد الذي لم أنقطع عن رؤيته، ولم يبتعد عني أبداً… و”جيروم” Jérôme، ذلك الشبح الذي يمشي، المُتحرك، الذي ينفذ في كل مكان، والذي يتغذى كرمه وحبه من موقع سري، موقع “يونس” Jonas… في كل واحد منا، ثمة من زاهد، يعمل بجانب منه ضدنا. نحن صحارى، لكنها ممتلئة بالقبائل، بالحيوانات والنباتات. نحن نمضي وقتنا في ترتيب تلك القبائل، تنظيمها بطريقة مغايرة، بالتخلص من بعضها، أو اقتراح سواها. غير أن كل هذه المجموعات، وتلك الجمهرة، لا تلغي الصحراء التي هي زهدنا ذاته، بل على العكس من ذلك أنها تسكنها، وتمر عبرها. ثمة من مصارع ثيران وحشي يسكن دائماً “غواتري” Guattari، ويعمل في جزء منه ضده هو بالذات. فالصحراء، أي تجريب المرء على نفسه، هي هويتنا الوحيدة، حظنا الفريد المتصل بكل التراكيب التي تقطننا. حينئذ يُقال لنا : إذاً أنتم لستم أساتذة وحسب، بل أنكم أكثر منهم خنقاً. كنا نتمنى القيام بأي شيء آخر.

لقد تعلمت من أستاذين، كنت أحبهما ومعجباً بهما، هما “آلكييّه” Alquié و”هيبوليت” Hyppolite. غير أن كل شيء قد أنقلب على عكسه. كان للأول منهما يدين طويلتين بيضاء وطريقة في التلعثم عند الكلام لم نكن نعرف أن كانت ملازمة له منذ طفولته، أو أنها كانت هناك، على العكس، لتغطية شيء ما، نبرة أصلية كان يضعها في خدمة الثنائيات الديكارتية dualismes cartésiens. أما الثاني، فكان يتمتع بوجه مُقتدر، بملامح ناقصة، وكان يُنَغْم بمعصمه الثالوث الهيغلي triades hegeliennes، وذلك بتعليقه للمفردات. لقد بقينا عند التحرير، بعد الحرب العالمية الثانية، محشورين بغرابة ضمن تاريخ الفلسفة. أي ببساطة لم نفعل سوى الدخول في هيغل، هوسرل، وهايدغر؛ إذ كنا نرمي بأنفسنا عليهم كالكلاب الصغيرة بطريقة مدرسية أسوء من تلك التي كانت قائمة في العصور الوسطى. لحسن الحظ كان هناك سارتر. فسارتر كان بمثابة الخارج بالنسبة لنا « c’était notre Dehors »، لقد كان حقاً كالهواء الذي يهب من خلف الباحة (ولم يكن يعنينا معرفة علاقته بهايدغر من وجهة نظر تاريخ قادم). فما بين كل ممكنات جامعة السوربون، كان هو تركيبتنا الفريدة التي كانت تمنحنا القوة على تحمل وضع العبء ضمن نظام جديد. ولقد كان سارتر دائماً هكذا، ليس نموذجاً، أو منهجاً، أو مثالاً، لكن هواء نقي، أو حتى تيار هواء حين كان يأتي من مقهى “فلور” Flore، مثقف قد غير بالفعل موقف المثقفِ. كذلك من الغباء التساؤل إذا ما كان سارتر بداية أو نهاية لشيء ما. فهو كبقية الأشياء أو الأفراد المبدعين في الوسط، وكان يدفع من الوسط. يبقى أن أقول بأني لم أكن أشعر بانجذاب نحو الوجودية في تلك المرحلة، ولا نحو الظاهرتية phénoménologie، لكني حقاً لم أكن أعرف لماذا، بيد أن ذلك كان ينتمي سلفاً للتاريخ حين وصلنا نحن، إذ كان هناك الكثير من المناهج، المحاكاة، الشرح والتأويل، ما عدا سارتر. لقد أطبق علينا تاريخ الفلسفة، إذاً، بعد التحرير، ومن دون أن نلتفت إلى ذلك، تحت ذريعة انفتاحنا على مستقبل للفكر الذي كان في ذات الوقت الفكر الأكثر قدماً. لم تتبين لي “قضية هايدغر” : هل كان نازياً نوعاً ما؟ (بطبيعة الحال، بطبيعة الحال)- لكن : ما الذي كان دوره في هذا الزق الجديد لتاريخ الفلسفة. إذ لا أحد يتعامل بجدية مع الفكر، سوى أولئك الذين يحسبون أنفسهم سلفاً مفكرين، أو فلاسفة بالمهنة. لكن ذلك لم يمنعه من أطلاق النداءات على السلطة- وأن يكون أحد آثار النداءات على السلطة قوله للناس : لا تأخذوني جدياً ما دمت أفكر من أجلكم، وما دمتم أقدم لكم خضوعي، المتمثل بالقواعد والمعايير، وصورة يمكنكم عبرها القول : “هذا ليس من عملي، ذلك لا أهمية له، أنه عمل الفلاسفة ونظرياتهم المحضة”.

أن تاريخ الفلسفة كان دائماً شرطي السلطة ضمن الفلسفة، وفي الفكر أيضاً. فهذا التاريخ قد لعب دور القامع : كيف تريد أن تفكر قبل أن تقرأ أفلاطون، ديكارت، كانط أو هايدغر، وكتاب هذا أو ذاك عنهم. مدرسة إحباط رائعة تفبرك اختصاصيين بالفكر، وبالرغم من ذلك يظل أولئك الخارجون على هذا التاريخ هم منْ يتشكل وفقاً لذلك التخصص الذي يسخرون منه. ثمة صورة عن الفكر قد تكونت تاريخياً، وصار يُطلق عليها اسم الفلسفة، بيد أن تلك الصورة هي منْ يمنع تماماً الناس عن التفكير. كذلك لم تنتج علاقة الفلسفة بالدولة عن واقعة أن غالبية الفلاسفة قد أصبحوا، منذ عهد قريب، “أساتذة شعبيون” وحسب ( مع أن لهذه المفردة في فرنسا معناً يختلف عما هو عليه في ألمانيا). فتلك العلاقة ترتد إلى ماض بعيد. ذلك لأن الفكر يعير صورته الفلسفية الخالصة للدولة وكأنها داخله الجميل الجوهري أو الذاتي. فالفكر يخلق دولة روحية محضة، دولة مطلقة، وهي ليست حلماً أبداً، مادامت تعمل فعلياً في الذهن. من هنا الأهمية التي أخذتها أفكار كالشمولية، المنهج، السؤال والجواب، الحكم، الاعتراف أو التعرف على الأفكار المضبوطة، وبأن تكون لكل واحد أفكاره المضبوطة. ومنها تولدت أيضاً موضوعات ردة العقول والتنقيب الذي تقوم به ملكة الفهم، وكذلك ضرورة وجود محكمة للعقل، أو “الحق” الخالص للفكر، يرافقها وزراء داخلية وموظفون للفكر المحض. لقد تم اختراق الفلسفة كمشروع مستقبلي باللغة الرسمية للدولة المحضة. وكذلك أصبح مراس الفكر متطابقاً مع أهداف الدولة الواقعية، والمدلولات المهيمنة كخضوعه لشروط النظام القائم. كان نيتشة قد بين كل شيء من حول هذه النقطة في كتابه “شوبنهار مربي” « Shopenhauer éducateur ». فما تم سحقه وإدانته باعتباره شيئاً مُزعجاً هو كل ما ينتمي للفكر الخالي من أية الصورة « pensée sans image »، البداوة « nomadisme »، الماكنة الحربية، التحولات، الأعراس المضادة للطبيعة، حالات القبض، الاختلاسات « les voles »، ما هو بين مملكتين، لغات الأقلية، والتلعثم ضمن اللغة الأم، الخ… هناك، بطبيعة الحال، مراكز تعليم أخرى غير الفلسفة وتاريخها تلعب دور القامع للفكر. إذ يمكننا القول بأن تاريخ الفلسفة اليوم قد أفلسَ، وبأن “الدولة ما عادت بحاجة لقرار الفلسفة”. غير أن منافسين شرسين قد احتلوا سلفاً مكانها. فالأبستمولوجيا قد أنابت عن تاريخ الفلسفة. كذلك أشهرت الماركسية حكمها على التاريخ أو حتى نصبت محكمة للشعب، وهما شيئان أكثر إقلاقاً من غيرهما. أما التحليل النفسي فأنه ينشغل يوماً بعد آخر بوظيفة “الفكر”، ولا يتزاوج دون سبب مع الألسنية. أنها الأدوات الجديدة للسلطة ضمن الفكر، فماركس، فرويد، وسوسير Saussure يشكلون قامع برؤوس ثلاثة « Répresseur à trois têtes »، أي لغة أكثرية مهيمنة. فالتأويل « Interpréter »، التبديل « transformer »، والعرض « énoncer » هي الأشكال الثلاثة للأفكار “المضبوطة”. وحتى الضابط النحوي لشومسكي هو قبل كل شيء ضابط سلطوي. لقد انتصرت الألسنية في ذات الوقت الذي تطورت فيه المعلوماتية « Information » كسلطة، وفرضت علينا صورتها عن اللغة، المتوافقة مع إيصال الأوامر وتنظيم الحشو « redondance ». لذا ليس هناك من معنى حقاً للتساؤل إذا ما كانت الفلسفة قد ماتت أولا، ما دامت أنظمة تعليم أخرى قد أخذت وظيفتها. نحن لا نطالب بأي حق للجنون، مادام هذا الأخير يمر عبر التحليل النفسي والألسنية مجتمعين، وطالما أنه مخترقاً بالأفكار المضبوطة، أو بثقافة ثقيلة وتاريخ بلا صيرورة، ومادام أن للجنون مهرجيه، أساتذته، ورؤساؤه الصغار.

لقد شرعتُ، إذاً، بتاريخ الفلسفة الذي كان ما يزال يفرض نفسه. ولم أكن أر أية وسيلة للخروج منه لصالح عملي. لم أكن أتحمل ديكارت، ثنائيات الكوجيتو، ولا هيغل بثالوثه والنفي عنده. لذا أحببت حينها بعض مؤلفين كانوا يبدون وكأنهم يشكلون جزءً من تاريخ الفلسفة، لكنهم في الواقع قد فلتوا منه من هذا الجانب أو ذاك، أو من جميع الجوانب : ليكرس Lucrèce، أسبينوزا، هيوم، نيتشة، وبرغسون. لا شك أن تاريخ الفلسفة برمته يمتلك كلمته في الواقع الإمبيريقي : للوك وبريكلي مكانتهما فيه، لكننا نجد عند هيوم شيئاً غريباً تماماً يزحزح بالكامل الإمبريقية، ويمنحها قوة جديدة، ممارسة ونظرية للعلاقات، كما يقدم لرابطة الوصل “و” « du Et » قوة أخرى تتواصل عند رسل ووايتهد، لكنها تظل تحت أرضية وهامشية مقارنة بالتصنيفات العظمى، حتى عندما توحي بادراك جديد للمنطق والإبستمولوجيا. ومما لا شك فيه أيضاً بأنه قد تم احتواء برغسون ضمن تاريخ الفلسفة على الطريقة الفرنسية؛ وبالرغم من ذلك ثمة شيء عنده لا يستطيع هذا التاريخ هضمه، لذا كان بمثابة صدمة، ومكاناً يلتقي فيه جميع المعترضون عليه، وموضوعاً للكراهية، ولم تكن فكرة الديمومة عنده هي السبب في ذلك، ولكن نظرية وممارسة التحولات من كل نوع والتعدديات المتعايشة معاً. وأسبينوزا نفسه، من السهل تماماً أعطائه المكان الأكبر في ذلك التاريخ باعتباره مكملاً للديكارتيه : بيد أنه يطغى على المكان برمته، ومن جميع جوانبه، إذ ليس هناك من حي ميت مثله يخرج من قبره ويقول لتاريخ الفلسفة : أنا لا أنتمي إليك. لقد عملت على أسبينوزا بجدية أكبر وفقاً لمعايير تاريخ الفلسفة، لكنه هو منْ منحني إمكانية التنفس، كتيار هواء يدفع المرء من ظهره في كل مرة يقوم بقراءته، ويقدم له عصا سحرية يمتطيها. لكننا بالكاد بدأنا بفهم أسبينوزا، والأمر ينطبق عليَّ كما على الآخرين. أن جميع هؤلاء المفكرين هم كيانات هشة، ومع ذلك يتمتعون بحياة لا يمكن تجاوزها. فهم لا ينهجون إلا عبر قوة إيجابية واثبات. ويتمتعون بنوع من العبادة للحياة (أحلم بكتابة ملاحظة للأكاديمية الفلسفية أبين فيها كيف أن كتاب ليكرس لا ينتهي بوصفه للطاعون، وبأن الإصرار على قول عكس ذلك ما هو إلا بدعة، تزييف مسيحي يرمي للقول بأن المفكر الشرير لا بد وأن ينهي حياته في القلق والرعب). كذلك لا يرتبط هؤلاء المفكرين بعلاقة مباشرة فيما بينهم -ماعدا أسبينوزا ونيتشة- وبالرغم من ذلك ثمة من علاقة بينهم. إذ بمقدور المرء القول بأن هناك شيء ما يمر بينهم، بأشكال من السرعة والقوة المتنوعة وبأن هذا الشيء غير قائم لا في واحد منهم ولا في الآخر، بل ضمن مجال مثالي لا يشكل جزءً من ذلك التاريخ، وهو ليس حوار بين الأموات، لكنه مقابلة ما بين كواكب، نجوم لا تتشابه، وتشكل تحولاتها المتنوعة كتلة متحركة ينبغي على المرء التقاطها، كطيران مشترك « inter-vol » ، سنوات ضوئية. بعد ذلك دفعت ديوني، وقد برأني منها نيتشة وأسبينوزا. كما عملت بالإضافة إلى ذلك على كتبي الخاصة. أعتقد بأن الشيء الذي كان يشغلني أكثر من سواه هو كيفية وصف هذا المراس الفكري، سواء عند مفكر آخر أو عندي أنا، بطريقة يتعارض معها مع الصورة التقليدية التي أسقطتها الفلسفة وشيدتها ضمن الفكر بغية إخضاعه ومنعه عن العمل. لكن لا رغبة لدي الآن بإعادة وصف كل ذلك، فأنا كنت قد قمت به سلفاً في رسالة بعثتها إلى صديق هو “ميشيل كريسول” Michel Cressole، الذي كتب عني أشياء طيبة وخبيثة.

كان لقائي مع “فيلكس غواتري” Félix Guatari قد غيرَ أشياء كثيرة. لقد كان لفيلكس ماض سياسي طويل، وعمل في مجال الأمراض العصبية. ولم يكن “فيلسوف في تكوينه”، بيد أن ذلك قد هيأه أكثر للصيرورة-فيلسوف، وغيرها من أشكال التحول. لم يكن يتوقف. قليل من الأفراد قدموا لي انطباعاً عن التحرك في كل لحظة مثله، لا أعني بذلك التغير، بل الحركة بكليته من أجل فعل قام به، أو كلمة قالها، أو رنة صوت صدرت عنه، وكأنه صندوق صور يُسحب منه في كل مرة تركيب جديد. “فيلكس” هو ذاته، غير أن اسمه الشخصي كان يدل على شيء يمر، وليس على ذات « sujet ». كان رجل جماعة، عصابات أو قبائل، ومع ذلك كان وحيداً، صحراء تملأها كل تلك الجماعات، وتكتظ بأصدقائه وغيرهم من الناس. كثير ما عمل شخصان سوية، كالأخوة غونغور، أو “أريكهام” و”شارتيان”، ولويرل وهاردي، كما فعلنا نحن. لكن ليس هناك من قواعد، أو صيغة عامة. لقد حاولت في كتبي السابقة وصف نوع من ممارسة الفكر؛ بيد أن وصفها لا يعني القيام بعملها على هذا النحو. كذلك عندما يصرخ المرء “تعيش التعددية”، فهذا لا يعني بأنه يمارسها، إذ ينبغي عمل التعددية. ولا يكفي كذلك الصراخ “تسقط الأنواع”، لكن على المرء الكتابة بطريقة تختفي معها تلك “الأنواع”، الخ… كل هذا أصبح ممكناً مع “فيلكس، حتى وإن كنا قد فشلنا. لم نكن أكثر من اثنين، ومع ذلك ليس هذا ما كنا نضعه في اعتبارنا، فليس العمل سوية ما كان له أهمية، بل أن يكون العمل بين اثنين بصورة يصبح معها كل واحد منا غريباً عن نفسه. لقد كف كل واحد منا في أن يكون “مؤلفاً”. وبأن ما بين الاثنين هذا كان يحيل على أشخاص آخرين، يختلفون عنا من هذا الجانب أو ذاك. لقد اتسعت الصحراء، لكنها كانت تُملأ أكثر فأكثر. لم تكن لنا علاقة بأية مدرسة، أو منهاج معرفية، بل العديد من اللقاءات. وجميع قصص التحولات تلك، الأعراس الخارجة عن الطبيعة، التطور المتوازي، التعددية الألسنية، واختلاس الأفكار، كل ذلك قمت به مع “فيلكس”. لقد سرقت “فيلكس”، كما آمل بأنه كان قد سرقني هو كذلك. أنتِ تعرفين كيف أعمل، لكني أعيد قول ذلك، لأنه يبدو لي من المهم معرفة بأننا لا نعمل سوية، لكن ما بين اثنين. ضمن هذه الشروط، ما أن يكون هناك هذا النوع من التعددية إلا ويكون ثمة من سياسة، أو “ميكروبولتك” كما يقول “فيلكس”، ما قبل الكينونة هناك السياسة. فالمرء لا يعمل، لكنه يفاوض. ولم نكن لنتبع أبداً نفس الإيقاع، بل كان ذلك دائماً نوعاً من الميلان : ما كان “فيلكس” يقوله لي كنت أفهمه ومن ثم كان بمقدوري استخدامه ست مرات بعد ذلك؛ وما كنت أقوله له كان يفهمه فوراً، وحتى بسرعة مفرطة مقارنة بميلي أنا، إذ سرعان ما يصبح في مكان آخر. في بعض الأحيان كنا نكتب من حول نفس الفكرة، غير أننا كنا ندرك حالاً بأننا لم نكن نقبض عليها بذات الطريقة الواحدة : كفكرة “جسم بلا أعضاء” « corps sans organes » مثلاً. أو مثال آخر غيره. كان “فيلكس” يعمل على فكرة الثقوب السوداء « les trous noirs »، فقد كانت تسحره هذه الفكرة الفلكية. فالثقب الأسود هو ما يمسك على المرء ولن يدعه يخرج. كيف يمكن الخروج من الثقب الأسود؟ كيف يمكن الإرسال من عمق ثقب أسود؟ ذلك ما كان يتساءل من حوله. أما أنا فكنت أعمل بالأحرى على فكرة الجدار الأبيض : ما هو الجدار الأبيض « mur blanc »، ما هي الشاشة، كيف يمكن صقل الحائط، وتمرير خط هروب عبره؟ لم نجمع ما بين هاتين الفكرتين، غير أننا فهمنا بأنهما تميلان الواحدة منهما نحو الأخرى، وذلك بالدقة من أجل أن يتولد شيئاً آخر غير قائم لا في الأولى ولا في الثانية. فالثقوب السوداء من فوق جدار أبيض هي بالضبط وجه ما « visage »، وجه عريض بوجنتين بيضاء تثقبه عينان سوداوان، ومع ذلك لا يشبه هذا الوجه تماماً، أنه بالأحرى ترتيب أو ماكنة تجريدية سينتج عنها الوجه. وفجأة تكشفت المشكلة، السياسة : ما هي تلك المجتمعات والحضارات التي لديها حاجة بتوظيف هذه الماكنة، أي أنتاج، و”ترميز” كل الجسد مع الرأس والوجه، وبأي هدف؟ هذا ما هو ليس واضحاً بحد ذاته، وجه الصديق، وجه القائد، أو جعل الجسد الفيزيائي والاجتماعي كوجه… وها أننا نعثر على التعددية، بأبعادها الثلاثة على الأقل، البعد الفلكي، الإستيطيقي والسياسي. كذلك لم نستخدم أبداً تلك المفردات باعتبارها مجازات، إذ لم نقل أطلاقاً بأن ذلك “يشبه” الثقوب السوداء في علم الفلك، أو “مثل” قماشة الرسام البيضاء. وإذا كنا قد استخدمنا أفكار الحدود المفقودة « déterritorialisés »، أي اقتلاعها من أماكنها، فذلك من أجل توطين « re-territorialiser » فكرة أخرى في محلها، فكرة “الوجه” أو “الوجهية” « visagéité » باعتبارها وظائف اجتماعية. والأنكى من ذلك هو أن الأفراد لا يكفون عن الغطس في الثقوب السوداء، أو يتم تعليقهم من فوق جدار أبيض. وهكذا تلصق بالمرء هوية، توضع لائحة معلومات عنه ويصبح معروفاً : حاسوب مركزي يعمل كثقب أسود ويكنس جدار أبيض بلا حوافي. نحن نتحدث حرفياً. فعلماء الفلك يواجهون إمكانية تجمع أنواع عديدة من الثقوب السوداء، ضمن كتلة كروية، في مركز واحد يكون بمثابة ثقب واحد لكتلة ضخمة… الجدار الأبيض – الثقب الأسود، ذلك ما يشكل عندي مثالاً نموذجياً للعمل الذي ينتظم ما بيننا، فهو ليس عمل ضم ولا وضع شيئاً إلى جانب آخر، بل خطاً منكسراً ينسل ما بين الاثنين، تكاثر، مجسات.

ذلك هو منهج الخطف « méthode d pick-up ». كلا، “منهج” كلمة سيئة. ولكن الخطف باعتباره أجراء، وهي كلمة استعرناها من زوجتي “فاني” Fanny، فقط أنها تخشى من أن يجري التلاعب فيها أكثر مما ينبغي. أن الخطف هو التلعثم .« bégaiement ». وهو لا قيمة له إلا بمعارضته لفكرة القطع « cut-up » لبورغوس Burroughs : لا قطع ولا ليّ أو إنقاص، بل تعدديات وفقاً لأبعاد متنوعة. فالخطف، أو الاختلاس المزدوج، وكذلك التطور اللامتوازي، لا تقوم بين أشخاص، ولكن ما بين الأفكار، كل واحدة منهن تفقد حدودها في الثانية، تبعاً لخط أو خطوط غير قائمة لا في الأولى ولا في الأخيرة، وتحمل معها كتلة « bloc ». لا أرغب في تأمل الماضي. لقد انتهينا، في الوقت الحالي، أنا و”فيلكس” من كتابة كتاب ضخم. وذلك من أجل وضع خاتمة، وسيكون هو الأخير. بعدها سنرى. سنعمل شيئاً آخر. لذا لدي رغبة في الحديث عما نقوم به الآن. جميع تلك الأفكار لم تأتي إلا من “فيلكس”، من جانب “فيلكس”. (كفكرة الثقب الأسود، الميكروبولتك، فقدان الحدود، الماكنة التجريدية، الخ…). أنها لحظتنا الأخيرة لممارسة المنهج : أنت وأنا، إذ يمكننا استخدامها ضمن كتلة أخرى أو من جانب آخر، أنتِ مع أفكارك، بشكل يتولد عنها شيئاً لا يعود لأي واحد منا، لكنها بيننا، 4، 3، 2 وحتى ما لا نهاية. وسوف لن يكون هذا على طريقة (X يشرح X وبتوقيع X). (دولوز يشرح دولوز، ويوقع على المقابلة)، بل (دولوز يشرح غواتري، وأنت توقع).، (X يشرح Y ويوقع Z). وهكذا تصبح المقابلة وظيفة. من جانب… ينبغي مضاعفة الجوانب، كسر كل حلقة لصالح المُضلعِ Polygone.
ملاحظات
1-بروست، “ضد سانت بيف”، منشورات غاليمار، ص 303. Proust, contre Saint-Beuve, éd.
2-نيتشة، “شوبنهور مربي” Nietzche, Shopenhauer éducateur
3-“بوب ديلان”، “كتابات ورسوم”، منشورات “سيكرس” (ترجمة معدلة) Bob Dylan, Ecrits et dessins, éd. Segherz (traduction modifiéeà
*تمت الترجمة عن كتاب “حوارات ما بين جيل دولوز وكلير بارنيت”، منشورات Champs, Flammarion.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

| بلقيس خالد : طائر السعف له أرجوحة هادئة : الأستاذ محمد صالح عبد الرضا .

الأستاذ محمد صالح عبد الرضا: معلم من معالم الثقافة العراقية في البصرة، وجه لا ينسى، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.