مسلم السرداح : متسوّلة

قالت لي :
– هل اعطيت تلك المتسولة شيئا ؟
– وما يعنيك انت ؟ ان كنت اعطيتها ام لا ؟
كنت واقفا في سوق الاطباء ،  انتظر زوجتي ومعها ابنتنا ،  عندما مرت بي متسولتان . نقّدتُ شيئا من المال للمتسولة الاولى ومضت . بعدها بقليل جاءت المتسولة الثانية لتسالني هكذا . قلت في نفسي وماذا لو اني واصلت الحديث معها ؟
قالت هي لديها زوج .  انظر إليه انه يسير هناك امامها . اما انا فلا زوج لدي . لو كان عندي رجل لما مارست هذه المهنة اللعينة . لانه سيكون مسؤولا عني . ولكن حظي السيء دفعني للتسول .
قلت :
– دليني عليها جيدا ، وساتبعها لافهم المسالة . قلت ذلك واعطيتها شيئا من المال . دعت لي وتوسلت بي ان لااخبرها بهذا الامر .بينما غادرت انا باتجاه الاخرى . دفعني لذلك فضولي الأدبي  .
كانت هناك متسولة رثة الثياب كالعادة التي يستخدمها صانعوا العاهات في توزيعها على المتسولين  كما في قصص تشارلز ديكنز . وكان هو شابا وسيما انيقا يرتدي بنطالا وقميصا كلاهما من الجينز الغالي الثمن وحليق اللحية مرتب شعر الراس بقصّة حديثة . بل ويبدو اصغر منها بكثير . لم يكن يتسول ، بل هو يمشي امامها ، فقط .
تساءلتُ مع نفسي :
هل هو حقا زوجها ؟
اقتربت منها ، ولوحت لها بمبلغ صغير من المال أبقيته بيدي وجعلتها ترى المبلغ بعينيها . سألتها :
– هل هذا زوجك ؟
– ومايعنيك انت ؟ قالت لي ، بضجر . فلوحت لها بالمال مرة اخرى . قالت لي : كلا هو ليس زوجي . هل رايته يكلمني ؟ هل رايته يقترب مني ؟
أضفت لها ورقة نقدية أخرى . صارتا ورقتين صغيرتين وأنا لا أزال ألوّح بهما لها خفية . قالت : نعم هو زوجي . وها هو هناك يراقبني جيدا انظر له .
وماذا لو أعطيتك ورقة نقدية من فئة …. هل كنت ستحكين لي كل شيء .
وافقت . ولكنها كانت وافقت  بحذر . كانت خائفة من أمر ما . وطلبت مني أن التقيها في مكان آخر بعد أن حددت هي لي مكانا وزمانا .
أما أنا فقد وجدتها فرصة بعيدا عن زوجتي ، في حين تتخلص هي من زوجها . لنلتقي في اليوم التالي .
– غدا  سألتقي مع امرأة . قلت لزوجتي .
– وماذا في ذلك ؟ حلالٌ عليك . قالت زوجتي وقد فاجأتْها صراحتي .
– لماذا لاتساليني مع من سألتقي ؟
– وهل انت جاد ؟ قالت زوجتي وقد غضبت قليلا .
– نعم انا جادٌّ تماما . ورحت اشرح لها المسالة .
اعترضت زوجتي على الفضول الذي اعتراني هذه المرة . وبررت لها المسالة بالشكل التالي :
– منذ فترة وانا لم اكتب شيئا . وانا اجدها فرصة الان للكتابة . اقتنعت زوجتي “الطيبة” على مضض قناعة المرغم الذي اسقط بيده  . على اعتبار اني انا من بدا الحديث معها حول هذا الموضوع . ثم أجبرتني عزيزتي زوجتي على ان اقسم لها ان يكون لقاءا عابرا لا يتعدى الكلام فقط .
– لاتذهبي بعيدا في الشك . امراة متسولة كبيرة في العمر . ولا شيء اكثر من هذا . ولو رأيتِ حالها لأخذتك الرأفة بها أيضا .
ابتسمت زوجتي ابتسامة صغيرة ، كمن اجبر على شيء لاحيلة له عليه . ولوحت لي بإيماءة جميلة .
في اليوم التالي ، وجدت نفسي واقفا في الزمان والمكان المحددين بين راغب وكاره . راغبٌ لاني سوف اكتشف قصة قصيرة وكاره لاني لم اقتنع تماما بجدية الامر وكنت معتقدا ان المراة لن تاتي . ولكن المراة اتت في الموعد المحدد تماما . ولم يطل انتظاري لها . المال مفتاح  أزليّ للعقد حين تكون هناك مشكلة مع الفقراء البسطاء . ولكن حين يكون الاغنياء طرفا في الموضوع فالويل لك امام التماسيح المفتوحة الشهية للاكل القبيحة المنظر . ومع الفقراء بامكانك الحصول على تسلية كبيرة مع قليل من المال لو واتتك الفرصة التي يمكنك ان تحسن معها التصرف .
جاءت المراة وسلمت علي . لم اعرفها في بداية الامر ، لانها كانت قد ادخلت الكثير من التحسينات على هيئتها فبدت امراة اكثر جمالا واصغر عمرا مما رايتها به بكثير وقد تحولت فجاة الى سيدة رائعة . وبدا لي سبب ذلك اني كنت بالامس انظر لها كمتسولة عابرة . اما اليوم فانا انظر لها كامراة جديرة بالاهتمام . وتاكد لي الان ان الحديث معها سوف ياخذ مديات اخرى . ولكن كيف ؟ يبدو ان المراة قد اعطت لنفسها اجازة زمنية لهذا اليوم بضمانة المال الذي وعدتها به .
هل اخطات المرأة الآن ؟
لو انها جاءتني بوضع التسول الذي رايتها عليه بالامس ، فبامكانها ان تجلس هي على الارض في أي مكان من الشارع واجلس امامها او اقف لافرق وبامكان الحديث معها ان يطول فهي امراة مسكينة متسولة ولن تؤاخذ على شيء . حتى ان البعض من بائعات الهوى يتخذن هذه الصورة وسيلة لتضييع انفسهن في دروب المدينة . وضع الثياب الرثة التي يبتعد عنها فضول الاخرين وانتباهتهم . ولكنها جاءت لي كامراة وليست متسولة . وفي هذه الحالة علينا الانزواء في مكان ما لاسمع قصتها .
ركبنا السيارة وجلست هي قربي . غطت وجهها بالبرقع وكان بامكاننا ان نذهب الى حيث نشاء ونجلس حيث نريد ونبقى ما شئنا من الوقت بحماية هذا المكتشف  القديم الذي اعيد اكتشافه الان . واكتشفتُ ان بإمكاني ان افعل ما أشاء حتى لو ذهب ذهني إلى حيث يريد ويشتهي . ولا يظن احد ان في قصص من هذا النوع تجاوز على شريحة الفقراء هذه التي سماها الادباء الروس وبعدهم ” لينين” بحثالة البروليتاريا .
لقد حددت نفسي امام زوجتي بفعل معين لو تجاوزته فستكثر الاقاويل مابيني وبينها وسوف تشم بغريزتها الانثوية كل ما افعله وسترسم صورتي وكانها كانت واقفة تختلس النظر لي من كامرة فيديو .
عالم غريب هو عالم ما خلف الكواليس هذا ونظرة الناس لهذا العالم خاصة ايضا . انهم ينظرون للمتسول وكانه وسيلة اتصال بينهم وقوى خفية تتربص بهم ولهذا فان نفح المتسول بقليل من المال سوف يخلصهم مما يرسمه القدر لهم .
مرة قال لي سائق سيارة عابرة :
– من فضلك ان تعطي هذا المبلغ الى ذلك المتسول الجالس هناك . واعطاني ورقة من اصغر عملة تسود تلك الايام .
قلت له مشاكسا :
– هل ثوابها لي ام لك ؟ كنت اقصد انها صغيرة . فضحك الرجل ومضى .
قالت المراة :
– انه ليس زوجي . قال لي وقد وجدني عند حافة الشارع اجلس مع ابني الصغير وعدد قليل من المارة يمرون بذلك الشارع الفرعي . لم لاتاتين معي الى مكان فيه الكثير من الناس الذين يعطون ، ونتقاسم المبلغ مناصفة .
اضافت المراة :
– رفضت في بداية الامر ولكن امام اغراء المال والحاف الرجل وافقت فيما بعد .
– ولماذا لاتذهبين وحدك ؟ بدلا من ان ياخذ الرجل منك نصف ما تحصلين عليه ؟
– حاولت ذلك . وهل هناك من يكره المال ؟ ولكن ماذا جرى ؟ خطفوا ابني الصغير وهددوني بقتله فرضخت . ثم اضافت :
– هذه المنطقة منطقة أطباء فيها الكثير من المرضى ومعظمهم في حالة يائسة . ويا ويله من يصل الى الطبيب مصاريف ما بعدها مصاريف . فيحدث المريض نفسه ماذا لو اعطيت هذا الفقير شيئا من المال عله يشفع لي . فيعطون واحيانا يبذخون في العطاء بحسب الحالة اليائسة للمريض .
شكرت المراة بعد ان اعطيتها المبلغ المتفق عليه واوصلتها الى حيث هي تريد وسالتني فيما اذا كنت اريد منها خدمة اخرى وقد استغربتْ من وضعي .
قلت لها :
–    لا شكرا هو مجرد فضول ليس الا . ثم تركتها وذهبت .
ثم بعد ذلك رحت افكر :
– بعد عشرة اعوام من خبل  الانسان هذا  امام المال ومن خلال جنون التكنولوجيا ومن الان فصاعدا سيستخدم البشر فنون الاتصالات والوسائل الحديثة للتحايل على بعضهم البعض وسيكون من الصعب على الانسان الطيب  العيش في حياة قلقة لامستقر لها  .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد ابراهيم الدسوقى : قصة من أدب الخيال العلمى / “السماء تمطر ألماس” .

الزمان ، 10 ديسمبر ، من عام 1870 ميلادية المكان ، أحد القصور ، بإحدى …

| د. زهير ياسين شليبه : الجِزدَان.

أسرعَ مهرولاً لاهثاً نحو القطار قبل إنطلاقه. قفز بحركة رياضية رامياً جسده في أول عربة …

تعليق واحد

  1. جمانة _ القصيم

    ما أكثر الأشياء الغامضه من حولنا ويجذبنا فضول غامض لمعرفة ملابساتها ..شكرا لك استاذ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.