جابر خليفة جابر: كاليري ماريا

انتعشت صالة العرض فجأة ، شيء ما تغير فيها ، شعت نسائم عطر ومرت ماريا ، كأنها طيف مرت ، الوانها ملأت  المكان ومع مشيتها الراقصة  تطايرت – كأنما تشتعل –  خصلات شعرها الاشقر ، أدارت الأعناق معها  حيثما تروح وشدت الاعين على ثوبها الاصفر المثير ..
وحده  آرام  لم يرها  ولم يلتفت ، عيناه كانتا  دامعتين ، ينظر الى صورة العذراء  مريم وطفلها المسيح  ويبكي ، رآهما يشاركانه البكاء ، وعلى حالته هذه  رأته  ماريا  فتسمرت أمامه ، غير عابئة بالاخرين  ونظراتهم ، جذبها  بدموعه  وعدم اكتراثه بها ، ومشت اليه..
==
في شقته القريبة من كاليري ماريا – في ديترويت – عرفت انه عراقي من كردستان وتعرفت على آلامه..
سألته –  كيف جئت الى الكاليري آرام ؟  هل قرأت اعلانا عنه ام دعاك احدهم ؟
–    لا، مررت من أمامه وشدتني كلمة كاليري ، ذكرتني بمنطقتنا كالر في كردستان في العراق ، و ، وجدت نفسي ادخل ..
–    هكذا  ببساطة ؟
–    نعم هكذا ، وابتسمت ماريا ..
قدم لها شايا عراقيا اسود وقال : ابكتني صورة السيدة العذراء وابنها  لانها  ذكرتني بامي  وهي تهرب منهم ، تضم اخي الرضيع آزاد الى صدرها وتركض ، تركض وتتعثر وكنت اركض معها ، لكنهم امسكونا  وعادوا  بنا ضربا  وسحلا ، حشرونا  في الشاحنات  لساعات طويلة ، يوم او اكثر، لا ادري ، كان اخي الرضيع داميا وساكنا على صدر امي ، كلنا سكوت ، وحدها الشاحنات تتحرك ،  و.. ثم دفنونا  في بر السماوة..
اخرج  صورة امرأة عراقية عجوز مجللة بالسواد — ظنت ماريا ان الاسود لون مفضل عند العراقيين — فسألته
–    هذه امك ؟
–    نعم ، لكنها امي الاخرى ، ام حمد ، من عرب السماوة ، هي التي انقذتني وحمتني وداوت جراحي ، كانت تسهر علي الليل كله واخفتني عن انظارهم ، كانت امي ، بل اكثر.
واضاف وعينه دامعة : لقد اكملت مهمة امي الاولى ، نركس رحمها الله ، وبكى بحرقة..
–    أوه  آرام حياتك كلها بكاء ، قالت ماريا بألم وبكت.
==
غير آرام اللاجيء العراقي وحكاياته حياة ماريا ، غدت الالوان الهادئة محببة الى نفسها وكانت  تطعمها بالسواد دائما ، وفي شقتها  اعلى  الكاليري علقت صورة العجوز ام حمد وظلت تحلم بالسفر الى العراق ، لترى كردستان  وبادية السماوة  حيث المقبرة الجماعية التي دفنت فيها شقيقات آرام  الخمس  وامه  وابوه  مع  العشرات من ابناء القرى الكردية ، كانت متلهفة  لرؤية ام حمد  وعائلتها  الذين  انقذوا  آرام ، وظلت روحها متعطشة  لشم زهرة شلير التي  كان  آرام  قد  قطفها لاخته جيان ، فكرت  بتخطيطات  اولية لعدة مشاهد ودونت افكارها..

مشهد  (1)

خططت لرسم آرام  وهو يختبيء خلف صنوبرة كبيرة و يستمع لسربست جارهم الشاب الذي كان يترنم  – وتانيا قبالتة باسمة – باغنية  ل قادر كابان ، دونها آرام على اللوحة بخط يده..
رومتي وكي كلي بيكرد
كلي بيكرد
تريشل اوريشم يكي زرد
اوريشم يكي زرد
جاوي كاله كرجي نرما
بلام نيكاي ايج كار كرما
ايج كار كرما
كان سربست يغني لتانيا وهو يناولها زهرة شلير حمراء ندية ، فانسحب آرام الصبي بهدوء وركض تجاه السفح  ليقطف وردة  مثلها  لأخته  جيان..

مشهد (2)

لمشهد آخر فكرت برسم آرام  وهو يركض و يميل بحدة ليتفادى مساحة من الأرض ظهرت أمامه  وقد امتلأت بأزهار حمر صغيرة ، تذكر زهرة شلير التي قطفها لأخته ، كانت في جيب سرواله ، وتحاشى حقل الازهار، دار حوله راكضا وكانت امه تحمل اخاه الرضيع وتركض ، تركض وتتعثر ، وآخرون ، نساء وصبية وعجائز كانوا يركضون ، وكانتا تانيا وجيان تركضان وراءهم ، وسمع اصوات  رصاص  وصراخ..

مشهد (3)

في  تخطيط  ثالث رسمتهم يركضون ولكن الجنود احاطوا بهم ، بعضهم يطلق الرصاص واخرون يضربونهم بكعوب البنادق.. سترسم حولهم  جثثا  لرجال قتلى وجرحى كثيرين ، وسترسم  ازهارا حمرا  ودماء.
مشهد (4)
آزاد  الرضيع تحتضنه أمه  بقوة ، كأن  احدا  يريد جره منها ، هذا كل ما حواه  التخطيط الرابع ، وجه الام منحن على ابنها ، يدها اليسرى تحت عنقه ، ورأس الرضيع مغطى بالدم ومتدليا الى الوراء.. ملامح التخطيط  كلها  تنضح  بالالم ، بالدم والالم..

=====
توقفت عن التخطيط  وهي تتذكر حكاية  آرام عن بكاء  الناس في السماوة  وحزنهم الشديد كل عام في ايام تسمى عاشوراء وكيف كان يستمع خلالها – بعد ان تعلم العربية بسرعة-  لقصص الجرائم الوحشية  التي ارتكبت  ضد  الامام الحسين  وعائلته  واطفاله ..
حدثها كيف كان الجميع  يبكون من كل أعماقهم لهذه المأساة  وكانوا يلطمون على صدورهم ، وكان آرام  يبكي معهم  ويلطم ،  لكنه بكى وتأثر بشدة عندما سمع لاول مرة بقصة ولدي مسلم بن عقيل  اللذين هربا  بعد ان هجم الجيش على مخيم الحسين واحرقوه ، توغلا في البساتين  واختفيا ، الا  ان احد  اعوان  الامير عرف  بمكانهما ، ولبعد المسافة عن قصر الامير قام بذبحهما ، ذبح الصبي الاكبر امام  اخيه ، احتز راسه ، وضعه جانبا واخوه ينظر، ثم جره من شعره بعنف وذبحه ايضا.
كانا يتيمين فقد قُتلَ أبوهما قبل شهر..
=====
كيف سترسم هذا المشهد الوحشي ؟ مشهد ذبح الصبيين ، ستؤجله الان ، لقد تأثر آرام  بهذه  الحكاية  وبكى طويلا ، وفي كل عام  عندما تعاد رواية حادثة اولاد مسلم في ايام عاشوراء ، يبكي آرام  ويبكي وهو يتذكر امه  نركس واخاه الرضيع آزاد وجيان اخته والاخرين ، قتلوهم جميعا  بالرصاص ودفنوهم في قبر كبير واحد ومظلم ، وكان معهم ، اصابته رصاصة او اكثر وغطاه الشفل بالتراب كما غطاهم ، وكاد يختنق ، اختنق ، دخل الغبار الكثيف والاتربة في حلقه وانفه ، لكنه كان فوقهم ، كأنهم رفعوه  فوقهم لينجو، فقام ، مستندا على جثثهم ، تناهض ونفض التراب ، كان الظلام حالكا وآلامه تحرقه ، فمشى وهو يسعل ويتعثر ، كانت الكلاب تنبح من بعيد ،  وكان يمشى تجاه ضوء ، وكان يتعثر..
==
مشهد (5)
ثمة رجل يحتضن آرام  ويحمله ، انزاحت كوفيته وهو يحمله ، وخلفه امراة تحمل  فانوسا وتلطم خدها  ، عصبت رأسها  بقماشة  سوداء ، رآها  آرام  جيدا ، وكانت تسرع خلفهما وتلهث ، لن ينسى نظراتها تلك ، كانت مزيجا من الهلع والحنان ، الخوف والامومة ، ذكرته بنظرات امه  وهي تحمل  آزاد  وتركض..
وبين  اقدامهم  والمقبرة  سترسم ماريا  آثارا  مدماة  لخطوات آرام ، ستبدو للناظر كزهيرات شلير تتصاغر حمرتها اكثر كلما ابتعدت.
في مقدمة المشهد كتبت ماريا – بالكردية – (( نا زانم )) ، كلمة كان يقولها آرام  كلما حاول الفلاح العربي أو امرأته التحدث معه ، وستكتب تحتها بالانكليزية  I don’t know…
مشهد (6)
خططت ماريا  في مشهد سادس لرسم ثلاث سيارات بيك اب تتوقف عند الحقل ، ومنها عدة رجال يترجلون ، بنادقهم  بايديهم  وكوفياتهم  الحمر متسخة ، ومن تحت اكوام القش المحمل في التراكتور ، كان آرام ينظر اليهم برعب ، يلتم على نفسه بحذر ، يتذكر الشفل ويتذكر المقبرة.. لكن آرام  سيبقى على هذا الحال لخمس سنوات حتى يهربه الفلاح ابو حمد الى كردستان بعد عام 1991 ، سيظل لخمس سنوات مع الفلاح وعائلته وهو يعيش الرعب من تكرر عودة هؤلاء  الرجال وكوفياتهم  وتكرر اخفاؤه عنهم في التركتور عند كل مرة..
لذا في خلفية هذا المشهد الملون بالغبرة ستخط ماريا  five years  بحروف مائلة متباعدة وبلون  باهت ومشقق.
=====
قالت له لنذهب الى هناك وخططا للسفر في العام القادم..
كان آرام  فرحا ، أيما فرح ، سقط طاغية بغداد ، وكانت الشاشات تنقل صورا  لم  تر ماريا مثلها من قبل ، مشاهد لملايين العراقيين وهم يتدفقون الى كربلاء..
وليشاهدا هذه المناسبة على الارض ، قررا التحضير للسفر معا الى العراق  ، تتذكر انه سماها زيارة الاربعين…
وتتذكر انها كتبت في مفكرتها  All of them are walking to Husain.
=====
وسط الخيمة الكبيرة وقفت ، رأيتها تقف في معرض الصورالذي نظمه بعص الشباب بعجالة  الى جانب  الطريق الى كربلاء ، كان ازدحام المشاة الى الحسين شديدا وتدفقهم لا ينقطع ، الالاف يمشون ، دون توقف يمشون ، يمشون  ويمشون ، وداخل الخيمة ثمة زحام ايضا ، وقفت بشالها  الاسود الذي ارتدته  كحجاب ، وثوبها  الخاط  الطويل ، وكانت كلما انزلق الشال قليلا تعيد  تغطية شعرها به ، تنظر اليهم مندهشة ، الى الحشود الماشية ، المغبرة ، الباكية ، والمتجهة  الى نهايات الطريق ، تنظر اليهم  من داخل  الخيمة وتغطي  شعرها..
كنت  اقف امام لوحة  اولاد مسلم  وابكي ، ارى الحارس بقميصه  وسرواله  الزيتوني وهو يباشر ذبح الصبي الاول ، طرحه ارضا على وجهه وذبحه ،  بينما اخوه الاصغر ينتظر دوره ، ينظر اليه ويبكي.
سروال الحارس كان ملطخا بدماء الولد الذبيح ، يداه ملطختان بالدم ايضا وسكينه الطويلة ، وكانت الحمرة تنتشر في مياه الجدول شيئا  فشيئا .، وكنت انشج بحدة وابكي..
–    عيناك محمرتان ؟
التفتُ اليها..،
–     اسمي ماريا ، قالت ، وسألتني:
–    ما تعني لك هذه اللوحة ؟  لماذا تبكيك  ؟
كنت ابكي حين سألت ، ابكي بحرقة ، فاجأني ظهورها امامي ، ثوبها لم يكن اسود كثياب الماشين على الشارع ، لكنه ليس ملونا ، قلت باقتضاب :
–     صبيان هربا من معسكر الحسين بعد إحراقه ، لكن هذا الحارس ذبحهما واحدا بعد الاخر ليقدم رأسيهما تقربا للامير..
اختصرت ، لم استطع الاطالة ، كنت احكي وابكي ، لكن المترجم اطال الترجمة وكانت ماريا تبكي ، عرفت ان اسمه  آرام  وانه  من كردستان  ورأيت  دموعه ..
امتلأت اللوحة بالدموع ، دموعنا نحن الثلاثة ودموع الصبي الصغير وهو يُجرُ الى الذبح  فوق جثة أخيه الذبيح…
=======
البصرة2010

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| احمد ابراهيم الدسوقى : قصة من أدب الخيال العلمى / “السماء تمطر ألماس” .

الزمان ، 10 ديسمبر ، من عام 1870 ميلادية المكان ، أحد القصور ، بإحدى …

| د. زهير ياسين شليبه : الجِزدَان.

أسرعَ مهرولاً لاهثاً نحو القطار قبل إنطلاقه. قفز بحركة رياضية رامياً جسده في أول عربة …

2 تعليقان

  1. ادريس انفراص

     الصديق جابر يظهر أن الألم في أرض العراق موغل في التاريخ وكأنه قيض لهذا البلد ان تتكرر مآسيه وتتوالى…ألم على ألم ,لكن الفن والأدب هنا ليسجلا ويدونا كل جراح الإنسان العراقي…قرأت مآسي متناسلة عبر التاريخ وأتمنى أن يجد العراق الحالي رجالا ونساء يعرفون كيف يبنون الوطن الذي تتعايش فيه جميع الطوائف كما فعلت أم حمد تماما………. مودتي,

  2. جابر خليفة جابر

    الصديق المبدع الاستاذ ادريس تحياتي وشكري لقراءتك الذكية ، الجميل في العراقيين إنهم أفشلوا ما أريد لهم أن يقعوا فيه من اقتتال طائفي فاربكوا المخططين المارينز والتلموديين حتى طردوهم طردا.. كعادتنا مع كل مستعمر او طاغية/ محبتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.