عبد اللطيف السعدون: لأول مرة بالعربية ” الوصمة البشرية ” لفيليب روث

إشارة واعتذار :

تعتذر أسرة موقع الناقد العراقي عن الخطأ الفادح الذي حصل من خلال وضع اسم الاستاذ محسن الرملي بدلا من اسم الأستاذ عبد اللطيف السعدون صاحب مقالة الوصمة البشرية .. فعذرا من الأستاذين العزيزين ومن القراء الكرام.

يتساءل روبرت بن وارين أحد أبرز نقاد أميركا في العصر الحديث ( 1989 – 1905) : لماذا نعنى بقراءة الرواية ؟ ويجيب أننا نفعل ذلك لأنها تقدم وصفا مصورا للحياة في حركتها ونموها يثير فينا اهتمامنا بالوجود ويشبعه ، ولكن مهما بدت عنايتنا بالرواية على درجة من الاثارة والتنوع – يضيف وارين – فان الدافع الخصوصي والمباشر يظل دائما اهتمامنا بالوقائع المتصلة بحادثة ما تتضمن في غالب الأحوال مواجهة لمشكلة أو صراعا بين أطراف وارادات .
تذكرت هذه المقولة وأنا أقرأ الصفحات الأولى لرواية ( الوصمة البشرية ) لمؤلفها فيليب روث الروائي الأميركي الداهية – على حد وصف مترجمة الرواية الى العربية الشاعرة والكاتبةفاطمة ناعوت  – اذ شعرت بانها تستفزني وتدفعني لاستمرار القراءة ولذلك قرأتها على عجل ثم أعطيت لنفسي فسحة زمن لاعيد القراءة ، وأستعيد مشاهدها وأحداثها وأتأمل في شخصياتها فوجدت فيها نموذجا لما قاله وارين عن الرواية الناجحة التي ياخذ فيها الصراع مكان ” البؤرة ” في الرواية ليمثل بؤرة الحياة نفسها ، وغالبا ما يفضي هذا الصراع الى الشعور بالأمل داخل نفوسنا في أن نحصل على حل ايجابي مقترن بالاحساس بالانعتاق والتحرر .
تبدأ الرواية صيف 1998 على لسان كاتب روائي اسمه ناثان زوكرمان الذي يعيش حياة منعزلة بجوار كولمن سيلك استاذ الكلاسيكيات في جامعة ( أثينا ) بولاية ماساتشوستس حينما كشف الأخير لجاره سر تورطه وهو الاستاذ الجامعي المرموق الذي يعيش سبعينياتهفي علاقة عاطفية مع عاملة نظافة تبلغ من العمر أربعة وثلاثين عاما أي اقل من نصف عمره ، تلك العلاقة التي أثارت سخط الجميع وتحولت الى فضيحة عامة على يد دلفين زوكس الاكاديمية الشابة الطموحة التي ستقود هي نفسها حملة توجيه الاتهام بالعنصرية الى سيلك .
اختار سيلك جاره ليكشف له ذلك السر الخطير بعدما وجد نفسه عاريا أمام كل من يعرفه اثر خسارته موقعه الأكاديمي البارز ليس بسبب تلك العلاقة انما لأنه ارتكب خطأ بدا بسيطا أول الأمر لكنه تضخم وكبر ليصبح مثل كرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت ، فقد أطلق كولمن وصف ( spooks  ) على اثنين من طلبته الذين كانا يغيبان عن الصف باستمرار ، وكان يعني أن الطالبين مجرد ” شبحين ” وهو بالفعل المعنى الذي تعطيه الكلمة ، لكن لها معنى آخر هو أن الطالبين ” أسودان ” ، وهكذا دخل الوصف الذي أطلقه عفويا  في اطار جرح كرامة الطالبين باعتبارهما ” أسودين ” وأعتبر هذا التصرف حالة تمييز عرقي لا تليق بشخصية جامعية محترمة .
ولم ينل كولمن الغفران مع انه أكد لكل من يعرف علىحسن نيته قاصدا أن الطالبين مجرد شبحين اذ أنه لم يشاهدهما مرة في الصف لكن الضجة التي رافقت الحادثة قامت ولم تقعد وأدت الى خسارته لوظيفته ليصبح قعيد المنزل خاصة بعد فقدانه لزوجته الأثيرة لديه والتي توفيت نتيجة الصدمة عندما عرفت بما آل اليه مصير زوجها !
يبقى هناك السر الأكبر الذي اخفاه سيلك عن اقرانه واصدقائه وحتى عن زوجته أطفاله على مدى خمسين عاما والذي كان أكثر اثارة للاشمئزاز والسخط من أي سر آخر يمكن أن بعرفه أعداؤه كونه من سلالة أفريقية سوداء لكنه اصطنع لنفسه سلالة يهودية بيضاء منذ مراهقته لكي يكسب رضا العموم ، وقد تابع زوكرمان في ( الوصمة البشرية ) حكاية البوح المذهل يهذا السر والكشف عن الهوية الحقيقية لسيلك على نحو جعل منه بطل الرواية فيما تراجع ناثان الى الخلف .
حاول سيلك أن يؤرخ لتجربته شديدة الوجع هذهوأن يكتب عنها ساعيا لممارسة نوع من أنواع التطهير وللتخلص من ” جلد الذات ” الذي ربما شعر به ، لكنه فشل في تحقبق ما يريده مدركا فجأة أنه أصبح عاجزا عن القيام بدور ايجابي يعكس صورته السابقة عندما كان أستاذا جامعيا يشار اليه بالبنان ، واذا كان قد دارى عجزه الجنسي في علاقته العاطفية السرية بتناول حبوب ( الفياغرا ) فقد وجد الطريق لمدارة عجزه عن الكتابة بايكال هذه المهمة الى جاره الذي تحول الى صديق ملازم له ، كان بامكان سيلك أن ينسى الموضوع كله وأن يتصرف كأي رجل سوي لا تلاحقه الظنون ففي مجتمع كالذي يعيش فيه تصبح عشرات الحالات المشابهة المعاشه مجرد أحداث عابرة تستحق النسيان .. هل سيتذكر الناس فضيحة بيل كلينتون صاحب اعلى موقع في النظام السياسي الأميركي والذي ارتكب الخطيئة مع موظفة صغيرة لديه داخل أروقة البيت الابيض موطن القرارات الصعبة التي تقرر مصير العالم وأدانه القضاة ورجال الاعلام والسياسيون وممثلو الرأي العام وغضبت زوجته من تصرفه ثم فجأة خفتت الضجة وصمت الجميع وبقى  في موقعه  الى نهاية ولايته يقرر الخيارات الصعبة التي تقرر مصير العالم ولم يحكم عليه لا بالطرد ولا بالعزلة .. لماذا اذن يوجه القدر صفعاته المتتالية الى سيلك وهو في موقع أقل شأنا ، بل أنه لم بعد شيئا بعدما تم صرفه من وظيفته وخسر موقعه الاجتماعي وكان السبب في رحيل رفيقة عمره  . . وآخر الصفعات عجزه عن توثيق ذلك كله في كتاب ؟
والملاحظ أن ( الوصمة البشرية ) لا توثق لتجربة سيلك فحسب انما تؤرخ لمرحلة في النظام السياسي والاجتماعي الأميركي وتظهر التناقض بين الفردية مطلقة العنان لأهوائها وشهواتها وبين التوافق الظاهري على اتباع قواعد سلوك معينة بين افراد المجتمع .
الى ذلك فان القارئ وهو يتابع الرواية بصبر تستحوذ عليه كثافة أحداثها وعمق مشاهدها التي تتدفق في الصفحة الواحدة وحتى في السطر الواحد وكذلك مفرداتها اللغوية وبعضها منحوت استنادا الى مفردات الرواية الأصلية والتي كان غموضها وتعقيدها سببا في عدم ترجمة الرواية الى العربية الى أن تصدت لهذه المهمة الشاقة مترجمة حالفها التوفيق بحكم مقدرتها في اللغتين وتعدد اهتماماتها الابداعية .
ويحمد للمترجمة أيضا أنها أعانت القارئ بتوضيح بعض ما بدا مبهما في الرواية  من اشارات  الى أحداث وشخصيات سياسية أو اجتماعية أو ميثولوجية  ، وكانت تلك التفاتة ذكية منها جعلت العمل الروائي المترجم أكثر اكتمالا .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

مهند الخيگاني: تشريح الصمت وتصنيف الكلام في عالم ماكس بيكارد

“ولد الكلام من الصمت من الصمت الكامل ، كان كمال الصمت قد انفجر لو انه …

مهند طلال الأخرس: #كل_يوم_كتاب.. طريق الخيّالة

طريق الخيّالة، سبعون عاما من الذاكرة، كتاب سيرة ذاتية وهو بقلم المناضل والفدائي البطل احمد …

2 تعليقان

  1. عبداللطيف السعدون

    يبدو أن خطأ فنيا وضع اسم الكاتب محسن الرملي على مقالتي عن ( الوصمة البشرية ) لفيليب روث بدلا من اسمي ,, أرجو تصحيح الخطأ … 

  2. الأخوة الأفاضل المشرفون على الموقع

    تحية طيبة لكم وأنبهكم إلى وجود خطأ هنا، فهذا المقال ليس لي ولم أكتبه كما أنني لم أقرأ الترجمة العربية لهذه الرواية أبداً ولم أطلع عليها، لذا وجب التنويه ومن الأفضل حذفه أو على الأقل حذف اسمي عنه
    وتقبلوا الاحترام… محسن الرملي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.